وادي أوسرتك عنوان للعزلة والتهميش في جبال الأطلس الكبير... غياب الطريق  وانقطاع السبل في فصل الشتاء يضاعف معاناة السكان

وادي أوسرتك عنوان للعزلة والتهميش في جبال الأطلس الكبير... غياب الطريق  وانقطاع السبل في فصل الشتاء يضاعف معاناة السكان


 

في لحظة بدأت العجلات تدور فوق الجليد دون أن تتحرك السيارة من مكانها، بعد أن ضلت تسير إلى الأمام منذ خروجنا من مدينة مراكش، الآن نحن في مركز أوكايمدن، لم أنظر إلى الساعة حينها، إلا أن الظلام الدامس الذي تكسره مصابيح ضعيفة الإضاءة يظهر أننا قد تأخرنا قليلا.

كنا يومها عازمين على الوصول إلى أحد الدواوير قيل لنا إن سكانه يعيشون في عزلة في مثل هذا الوقت من السنة، فكرت للحظة "نحن الآن في محطة أوكايمدن وقد كانت تعج بالزائرين طيلة هذا اليوم الذي يصادف عطلة نهاية الأسبوع، الآن غادر الجميع قبل أن نصلها، فهل تساءل أحدهم عن أولائك الذين يقبعون وراء هذه الجبال".

تركنا السيارة مركونة حيث هي، في مركز أوكايمدن ودخلنا إلى منزل "حوسة" الذي استضافنا حتى غيرنا ملابسنا بأخرى زودونا بها، سروال وحداء خاص بالثلوج والمسالك الجبلية، ثم انطلقنا باتجاه وادي أوسرتك الذي سأتعرف عليه أكثر من خلال مرافقينا.

قطعنا المسافة في ما يقارب الساعة والنصف كنا نشق فيها الظلمة بمصابيح كهربائية صغيرة، دون أن أعرف أنا نفسي إلى أين اتجه، وكنت اكتفي بإتباع خطوات مستضيفينا من الفعاليات الجمعوية بالمنطقة.

الطريق كانت في معظمها نزولا مما سيسهل مهمة الذهاب، أما العودة فلولا ظهر الدابة ما كنت أعتقد أنني سأصل إلى أعلى القمة أنا وزميلي المصور.

ويقع وادي أسرتك على بعد خمس إلى ست كيلوترات من محطة أوكايمدن، على ارتفاع بلغ 1800 متر على سطح البحر، أقل بكثير من ارتفاع قمة أكايمدن المجاورة.

ويظم الوادي خمسة دواوير هي دوار كليز الذي بتنا فيه ليلتنا تلك ودواوير أكادير، إمزوغ، تيدلي وتنغار؛ دواوير تحدها القمم الشاهقة من الجهات الأربعة وتظم بين ظهرانيها حوالي ألف نسمة.

الطريق أم الحاجات لدى سكان وادي أوسرتك

تعد الطريق أهم مطلب لسكان المنطقة، فعليها يتوقف كل شيء، وبدونها لا يمكن للسكان التواصل مع أقرب نقطة إليهم وهي مركز أوكايمدن، الذي لا يبعد إلا بستة كيلومترات عبر طريق غير معبدة تتوقف عند دوار أوسرتك، كما يتوفر الوادي على منفذ آخر باتجاه أسني على بعد أزيد من 15 كيلومتر هي الأخرى غير معبدة وتتوقف عند أحد الدواوير الخمسة "دوار تيدلي"، ويفصل بين المقطعين ثلاث كلومترات للربط بين أسني وأوكايمدن.

حالة المقطعين الطرقيين لا تكاد تسمح بمرور عربة ما إلا بعد بصعوبات يرى معها السكان الويلات كل يوم، بسبب الأحجار التي تكون بارزة جدا والتي تصعب مهمة العربات، هذا في الصيف، أما في الشتاء فإن المنطقة تعرف تساقطات ثلجية كثيفة تقطع جميع السبل باتجاه الوادي اللهم بعض الممرات التي ألفها السكان راجلين أو بواسطة الدواب، بشرط ألا تتعدى نسبة تساقطات الثلوج بضع سنتمترات، وإلا فإن كل السبل تقطع حينها.

أما ما بين الفصلين فإن الأوحال تتمم ما تبقى من الإجهاز على راحة أهل وادي أوسرتك، أوحال يخلفها دوبان الثلوج في فصل الربيع، والتساقطات المطرية خلال فص الخريف.

بدائل السكان لهذه المعاناة ليست يسيرة خاصة في فصل الشتاء، على اعتبار أن معيشتهم مرتبطة بأسواق خارج الوادي في أغلب الأحيان، فأرباب الأسر هناك يتنقلون إلى أسواق بعيدة ك"أسني" أو "اثنين أوريكة"، ينقلون ما ابتاعوه لسد رمق أبنائهم وبهائمهم على وجه السواء، عبر وسائل نقل مختلفة متوفرة إلى حدود مركز أوكايمدن حيث المحطة السياحية، بعد ذلك لا سبيل لعربة أن تتقدم أكثر.

من هنا يبدأ دور الدواب، علما أنه لا يمكن للجميع أن يتوفر على دابة (بغل) التي اعتبرها أحدهم بمثابة السيارة رباعية الدفع لدى أهل الوادي، وعبر المسالك الوعرة تئن الدابة لمدة ساعة ونصف نزولا عبر الحافة، أما من لا يتوفر له (بغل) فإنه يضطر لحمل ما ابتاعه على ظهره إلى غاية منزلة، وأحيانا كثيرة تساعده زوجته وأبناؤه، كما لا يمكننا أن نغفل أن البعض قد لا يتوفر له ما يمكن أن ينتقل به إلى السوق ليبتاع ما يحتاجه.

عندما نتحدث عن الطريق بين أوسرتك وأوكايمدن، فإن الأمور يمكن أن تسوء أكثر مما ذكر، عندما يرتفع منسوب الثلوج إلى أكثر من مثر، حينها تكون العزلة تامة ويلزم الجميع منزله لمدة أسبوعين أو أكثر.

السكان الذين تحدثنا إليهم تجاوزا في وعيهم بأهمية الطريق بالنسبة إليهم، إلى أهميتها الاقتصادية والإجتماعية على المنطقة، فإنجاز المقطعين الطرقيين اللذان يربطان أوسرتك بكل من أوكايمدن والثاني بأسني، والربط بينهما عبر إنجاز الثلاث كلومترات المتبقية من شأنه أن يخفف الضغط على الطريق الرابطة بين أوكايمدن ومراكش عبر أوريكة، عن طريق توفير ممر آخر عبر أسني، كما سيمكن لذلك أيضا إنعاش القطاع السياحي المحتشم بالمنطقة.

الإنتاج الفلاحي يتوقف عند الزراعة المعيشية، وانتعاش السياحة أمل مرتقب

يعتمد اقتصاد المنطقة إن صح استعمال هذا المصطلح الضخم جدا بالنسبة لما يعيشه هؤلاء، على زراعة معيشية تتوقف خلال فصل الشتاء، وهي عبارة عن بعض الخضروات التي تزرع فقط للاستعمال العائلي، وتربية الماشية إن كتب لها أن تنجو من موجة البرد التي تزورها كل عام، بالإضافة إلى بعض أشجار الجوز (الكركاع) وشجيرات التفاح، ويكون إنتاج هذه الأشجار ضعيفا مرتبط بالضروف المناخية.

ومع انعدام المسالك الطرقية فإن نسبة مهمة منتوجات هذه الأشجار تضيع لصعوبة تسويقها خاصة منها التفاح الذي لا تتوفر هناك أية إمكانية لتسويقه، فحينما يحل التاجر بالمنطقة يكون الثمن الذي يعرضه على الفلاح قليلا جدا بالمقارنة مع مناطق أخرى، بدريعة أن عملية نقله تكلفه الكثير.

وتشمل تربية الماشية الماعز بالدرجة الأولى بالإضافة إلى بعض الرؤوس من الأغنام والأبقار، ومن له القدرة قد تكون لديه أيضا دابة (بغل).

وتشكل تربية الماشية عبء كبيرا على الساكنة خاصة في فصل الشتاء حيث تقل المراعي وبالتالي فإن الكلأ لا يمكن أن يأتي إلا من الأسواق، حيث يشترون الشمندر والتبن والشعير.

في فصل الشتاء يمكن لعدد محدود من الأفراد بالمنطقة العمل مع السياح الذين يزورون المنطقة خاصة منتجع أوكايمدن، حيث يوفرون أدوات التزلج، أو مرافقة بعضهم عبر المسالك الجبلية التي خبرها أهل المنطقة.

آخرون يضطرون إلى مغادرة القرية نحو مدن كبرى كالدار البيضاء، تاركين أسرهم خلفهم للبحث عن لقمة العيش، كحالة محمد أبت عبد الله الذي استقبلنا في منزله بدوار كليز، رجل متقاعد بعد سنوات من الكد بمدينة الدار البيضاء، تاركا أبناءه وحدهم في القرية.

محمد أيت عبد الله كان قد تعود العمل مع السياح الأجانب والمغاربة الذين يحلون بمنطقة أوكايمدن، حيث يوفر لهم عدد من التجهيزات التي ضعها رهن إشارة الراغب في كرائها، كما يقدم بعض الخدمات المرتبطة بالتزحلق، وفي أحد الأيام التقى بأسرة أجنبية تقطن بالدار البيضاء التي عرضت عليه العمل لديها، فكانت تلك البداية نحو الغربة عن الأهل والأحباب من أجب لقمة العيش.

وأكد لنا محمد أنه لو كان هنالك ما يمكن عمله في القرية لما هاجر وترك المنطقة، لكن قلة الحيلة أجبرته على قبول العرض والعمل كحارس بالدار البيضاء، وكان يزور أبناؤه بعد كل ثلاث أو أربعة أشهر إلى أن وصل إلى سن التقاعد فعاد إلى أحضان بلده.

 

 

 

 

 

 

مدرسة أوسرتك، معاناة التلاميذ والأباء والمدرسين

لا يخفى على أحد وضعية المدرسة العمومية في جميع أنحاء المغرب، أما في المناطق النائية فتلك حكاية أخرى ربما صورتها أيضا ليس خافية على أحد، وفي وادي أوسرتك فالمدرسة هي عنوان عريض لمعانات كثيرة للأطفال وآبائهم ومعلميهم، بعد أن نفض المسؤولين مسؤولية تلك المدرسة من أيديهم.

مدرسة أوسرتك بعض أقسامها لا تتوفر تدفئة وعلى المدرس تدبر أمره وتوفير التدفئة اللازمة لتلاميذه، هؤلاء الأساتذة الذين يعانون الأمرين مع وعورة المسالك الطرقية، حيث غالبا ما تحول الثلوج دون وصولهم إلى عملهم، ومع السكن الوظيفي الذي يضطرون معه إلى دفع ثمن الكراء رغم أن المبنى قد بني بمبادرة جمعوية.

وكما لو أن ما يعيشه هؤلاء الأطفال في دراستهم الابتدائية غير كاف، لتتضاعف المعانات في مرحلة الإعدادي، حيث ينتقلون إلى أسني الذي تتوفر فيه داخلية لاستقبالهم، إلا أن السكان يشتكون هنا من النظام الذي تشتغل به الداخلية التي تغلق أبوابها في عطلة نهاية الأسبوع، ليضطر التلاميذ إلى العودة لقضاء أيام الآحاد في منازلهم، وهو ما لا يمكن أن يتم في فصل الشتاء، حين تنقطع السبل.

مراكش الإخبارية التقت الأستاذة فتيحة خالد التي فتحت قلبها للجريدة وتحدثت عن معاناتها في عملها هناك، فبالإضافة إلى الصعوبات الطبيعية تعيش فتيحة صعوبات أخرى مرتبطة بالتواصل مع السكان حيث تقول أنها لا تتلقى وزملائها أية مساعدات حتى من السلطات المحلية.

فتيحة تفتخر بكونها امرأة تكرس حياتها لخدمة بلدها، وليس هناك أحسن من تنوير عقول هؤلاء الأطفال ـ تقول ـ، فهي متواجدة في مؤسستها طيلة الأسبوع، رغم كل الظروف الطبيعية، وتضيف قائلة "أنا أقطع كل هذه المسافة فقط من أجل أن أختبأ من الظلام، ولا يمكن أن أجد راحتي في غرفة مخصصة في الأصل للدراسة"، بعد أن حرمت من السكن الوظيفي.

الطريق وحده يشكل خطرا كبيرا على الأستاذة فتيحة، ففي فصل الشتاء عندما تخفي الثلوج معالم الممرات الطرقية يصعب على غير ابن المنطقة العثور على وجهته وسط تلك الغابة التي تكسوها الثلوج، وحدث أن تاهت الأستاذة فتيحة في السنة الماضية مرتين على الأقل لولا أن صادقت بعض الأفراد من أبناء الدواوير المجاورة للمدرسة.

ما تطلبه فتيحة وزملائها ليس بالكثير فهي تقول أنه على السكان أن يقدروا ولو لمرة، أن هذا الأستاذ يموت عشرات المرات ويعرض حياته للخطر من ،جل أبنائهم، "شمعة تحترق كل يوم لإنارة درب أطفالهم"، وبثأر بالغ قالت: "لقد نسيت أنني امرأة، تريد أن تنشأ أسرة هي الأخرى، لكنني أنظر إلى حال هؤلاء الأطفال".

الغابة: مصدر عيش الساكنة الذي يهدده الاستعمال الغير المعقلن

في المنطقة تعيش الساكنة في تماهي تام مع الغابة، التي تظم هنا أشجار العرعار بالأساس، أشجار لطالما كانت ومند سنوات في تعايش مع الإنسان والحيوان، الكل كان يعرف حدوده مع تلك الشجرة،  فالماشية التي ترعى هنالك تختار الأوراق التي يجب أن ترعى عنها أو التي يجب أن تأجل أكلها، ما يسمح للشجرة بالنمو المتوازن.

وحتى السكان المحليين الذين يجمعون الحطب باعتباره الوقود الأول للطهي والتدفئة وما إلى ذلك، كانوا لا يحتاجون إلى قطع الأشجار من أجل ذلك، فحطب التدفئة والطهي كان متوفرا انطلاقا مما توفره الغابة من أعواد.

أحد مرافقينا أيت تازارت الحسين رئيس جمعية إثران للتنمية والمحافظة على البيئة بمنطقة أوسرتك، تحدث لنا خصائص هذه الشجرة التي كرس لها كل اهتماماته، ولا ييأس من محاولة نشر التوعية بين سكان المنطقة بضرورة الحفاظ على هذه الشجرة بما لها من فضل عليهم وعلى ماشيتهم.

ولشجرة العرعار ميزات خاصة قلما تجتمع في شجرة ما، فهي تقاوم كل عوامل المناخ، حيث تستطيع الاستمرار في أقصى درجات الحرارة انخفاضا، ومع أطول فترة جفاف ممكنة، بالإضافة إلى أنها تلعب دورا مهما في تثبيت الأرض والإحالة دون حدوث انهيارات وانجرافات التربة، التي يسهل حدوتها في مثل هذه المناطق الجبلية ذات الميلان الحاد.

وبالفعل فقد سبق للمنطقة أن شهدت انهيارا خطيرا لإحدى حافات الجبل ـ حسب ما حكاه لنا مرافقينا ـ أجبرت سكان أحد الدواوير الخمسة على الانتقال إلى مكان قريب.

وتستطيع هذه الشجرة الحيلولة دون تلك الانهيارات نظرا لما تمتاز به عروقها التي تغطي مساحة قد تصل إلى 50 متر مربع للشجرة الواحدة.

ومن جهة أخرى فإن عود هذه الشجرة يستعمله السكان في معظم حاجياتهم، من البناء إلى تلك العصا التي يتكئون عنها، إذ يمتاز بقوة وصلابته وعدم تأثره بعوامل الزمن مما يسمح له بأن يدوم سنوات عدية دون أن يحدث عليه أي تغيير، لذلك فجميع المنازل التقليدية هناك تحتوي هذا النوع من الخشب.

شجرة العرعار أصبحت مهددة بفعل عوامل عدة، كالقطع لأسباب مختلفة أو الرعي الجائر، والمقصود به هنا أن الراعي يقوم بقطع أغصان الشجرة ويرميها لماشيته، أما الرعي بطريقة طبيعية فهناك ما أسماه الحسين بنوع من التجاوب بين الشجرة والماشية التي ترعى، حيث تفرز الشجرة مواد يتجاوب معها الماعز والغنم ولا يأكل تلك الأوراق ريثما تنضج وتزول منها تلك الإفرازات.

حطب التدفئة هو الآخر من شأنه أن تستنزف الغابة، ذلك أن السكان يحتاجون كثيرا من الخشب لتسخين الماء في جميع الاستعمالات، وقد استطاعت المبادرات الجمعوية المحلية التي قام بها أعضاء جمعية إثران بالتعاون جمعية فرنسية تدعى "نص نص" وتضم عدد من المغربة المهاجرين، التقليص من نسبة استهلاك الحطب عبر توفير سخانات غازية للسكان من تسخين الماء في مختلف الإستعمالات.



اقرأ ايضا

  2017-11-21
عاجل: إعتقال فتاة وشاب داخل شقة معدة للدعارة بجيليز

اقرأ ايضا

  2017-11-21
فايسبوكيون مراكشيون يشنون حملة قوية لمقاطعة محطات الوقود

اقرأ ايضا

  2017-11-21
بعد حادث التدافع مقابل 'القفة'...عميد المنتخب يقرر تأسيس مؤسسة خيرية لمساعدة المحتاجين