عيشان: يجب أن نخصص للمدينة التراثية قسطا من التفكير

 

دعى مصطفى عيشان الأستاذ الباحث بجامعة القاضي عياض، إلى إعادة إحياء فكرة الأرشيف الخاص بمدينة مراكش، وشدد في حوار مع جريدة مراكش الإخبارية على النهوض بالتراث الثقافي للمدينة الحمراء ذات الألف سنة، وانصب الحوار الذي أجرته معه الجريدة على إصدار أول خريطة من نوعها على مستوى المملكة قبل عام مضى، تعنى بأحياء المدينة العتيقة وأزقتها، وتعيد الاعتبار لمفهوم "الحومة" كرصيد تاريخي وثقافي واجتماعي، والذي دعا فيه إلى التعامل بشكل مختلف مع المدينة العتيقة على المستوى الإداري.

الدكتور مصطفى عيشان أستاذ باحث وفاعل جمعوي يشارك في مجموعة من المنتديات العلمية المرتبطة بالتنمية وبالجماعات المحلية والتعليم،  ويركز في دراسته على قضايا الماء بالخصوص، بالإضافة إلى اشتغاله على المجال خاصة المدينة العتيقة بمراكش.

 أجرى الحوار: عبد الصادق الكرناوي

 س/ الأستاذ مصطفى عيشان قبل أزيد من عام أخرجتم إلى الوجود خريطة لأحياء مراكش، مشروع أشرفتم عليه رفقة مجموعة من الشباب، يروم نفض الغبار على الموروث الثقافي للمدينة الحمراء، ما هي الدوافع التي كانت وراء إنجاز هذا المشروع وما هي حيثيات ميلاد هذا العمل؟

ج/ هذا المشروع في الحقيقة له ارتباطات علمية وذاتية، أنا جفرافي وابن مدينة مراكش، حينما التحقت بجامعة القاضي عياض طرحت السؤال عن عدد الخرائط التي أنجزتها شعبة الجغرافيا بالنسبة لمجالها، لم أجد شيء، نستهلك فقط خرائط الآخرين وننتج بعض الخرائط البسيطة على مستوى بحوت الطلبة.

وإلى جانب دراستي المتخصصة في الماء، كنت دائما أخصص شق لمراكش، لاحظت بأن المراكشيين هجروا مدينتهم القلب النابض للمدينة الذي هو المدينة العتيقة، والساكنة الجديدة لا تعير أي اهتمام بمجالها، لأنها ليس لها ارتباط أصلي بالمجال.

إذن الجزء الأول هو أن نضع خريطة يتعرف فيها المواطن على مكان تواجد هذه الحومات، ويفتح نقاش عمومي حول ما وضعناه، ربما هناك من يتفق معنا وهناك من لن يتفق، ثم فيما بعد ندخل إلى إنتاج الأطلس الذي هو الهدف الأسمى لدي.

هذه الخريطة لا نعتبرها نحن خريطة كاملة وجاهزة ولكن نعتبرها وسيلة عمل وأدات نقاش نتمنى أن تصل إلى يد جميع التلاميذ وخصوصا أبناء مراكش وأبناء الأحياء العتيقة التي يعنيها الأمر بالدرجة الأولى.

س/ من خلال اشتغالكم على طوبونيميا المدينة العتيقة ضمن هذا المشروع، كيف وضعت أسماء الدروب والحومات، هل هي متعلقة بالعرف أم أن هناك جهات مسؤولة عن ذلك؟

ج/ بالنسبة للأسماء يجب أن نميز ما بين شيئين هناك التدبير الإداري والضوابط الإدارية التي أصبحت حاليا في الأحياء الجديدة، حيث لا يمكن تسمية الحي بشكل اعتباطي بل هناك ضوابط ومراسيم تحدد كيف نضع الاسم، لكن قبل أن تكون البلدية وقبل أن يأتينا الاستعمار كانت عندنا أسماء موروثة شعبية في المدينة العتيقة، أي الساكنة هي التي كانت تسمي تلك الأزقة وتلك الدروب والحومات، وهناك أسماء اندثرت الآن، إذا ما عدنا إلى كتاب "رابطة الدين" نجد جدول خاص بحومات مراكش لم تعد موجودة الآن، إذن بالتالي حينما قلت بأن المدينة هي كائن حي يجب أن نأخذه بعين الاعتبار.

س/ نجد مثلا بعض الأسماء تتكرر باستمرار في المدينة العتيقة مثلا درب العرصة، إلى ما يعود ذلك؟

ج/ بالنسبة للعرصة نحن نعرف بأن مدينة مراكش كان لها شقين، شق السكن وشق الفلاحة داخل السور، لأنه إذا عدنا إلى العهد المرابطي والموحدي، في مرحلة الحروب مثلا، على الساكنة أن تجد داخل المدينة ما تقتات به، ومع تطور السكن ظهرت مجموعة من الأحياء على حساب مجالات فلاحية، وبالتالي بقي فقط الاسم "العرصة"، "عرصة الحوثة"، "عرصة الغزايل"، "عرصة مولاي يوسف"، ....إلخ، وهناك أحياء معروف تاريخ ظهورها مثلا عرصة إهيري 1945.

س/ تحدثتم على "منظومة الحومة" مقابل نموذج "الدائرة" كيف يمكن للحومة أن تكون أحسن من نموذج الدائرة؟

ج/ بالنسبة لنا كما نعرف هناك التدبير الإداري، تعلمنا وورثنا جزء منه من الفترة الاستعمارية، نحن حينما حصلنا على الاستقلال تعلمنا عدد من الأشياء من الآخر، والآخر في غالب الأحيان هو الفرنسي، منطقنا ومنطقهم مختلفان، وهذا قد بينه "دو بيردان" نفسه، منطقهم كان يقسم المجالات حسب الأزقة بينما نحن الزقاق جزء من حياتنا اليومية، حينما أتت الإدارة قسمت المجال وفقا للتقسيمات الإدارية، مثلا مراكش المدينة قسمت إلى ست ملحقات إدارية، وبالتالي هذه الملحقات الإدارية تضم أحياء متعدد، وسنلاحظ أن دائرة إدارية تقسم حي تقليدي إلى شطرين جزء منه تابع إلى ملحقة وجزء آخر تابع لملحقة أخرى، والحال أن الحياة التقليدية هي حياة الحومة ككل، مثلا درب القاضي في باب الدباغ و درب شتوكة تابع لباب اغمات وهما في حومة واحدة الشيء الذي يصعب فهمه، لأننا لم نأخذ بعين الاعتبار مفهوم الحومة الذي له ركيزة تدور حولها، قد تكون مسجدا أو حمام أو مصلحة من المصالح، وبالتالي تكون هناك علاقة ونسيج اجتماعي ما بين الساكنة وارتباط ما بين المجال والمجتمع، عندما نأتي ونقسمهم بهذا الشكل بقرار إداري قد يقع نوع من الاختلال.

س/ هل تظن أنه بالإمكان اعتماد سياسة استثنائية في المدينة العتيقة فيما يخص هذا التقسيم الإداري؟

إذا أردنا أن نتعامل مع المدينة كموروث ثقافي له ألف سنة تقريبا، علينا بالضرورة إعادة النظر في سياستنا حينما نقول سياسة المدينة يجب أن نخصص للمدينة التراثية قسطا من التفكير، وتدبير مجالها بعقلانية وليس بالعشوائية التي نشهدها الآن.

س/ الآن المشروع هو في خطوته الثانية ما هي حيثيات هذه المرحلة وكيف سيكون مستقبل هذا العمل؟

ج/ الخطوة الثانية في الحقيقة مرتبطة بمدى تفاعل وتعامل المسؤولين مع الخطوة الأولى، أعطينا إشارة "نحن هنا"، من يريد أن يمد يده لنا لنستمر، وبالتالي حبذا لو عملنا مثل جميع دول العالم التي لديها أطاليسها، ونحن لا توجد لدينا أطاليس لمدينة مراكش، كما نتمنى أن نتطلع على الأرشيف وأن يقوم المجلس البلدي بإحياء فكرة أرشيف مراكش التي كانت تقررت في إحدى دورات المجالس السابقة، ولدي المقرر، لماذا لا يوجد لهذه المدينة ذات الألف سنة أرشيف خاص بها؟، وأرشيف المدينة ما زال يرقد في المكان الذي أودعه فيه المستعمر الفرنسي حينما رحل وأخذ معه مجموعة من الوثائق من صور ومخطوطات وغيرها.

س/ كلمة أخيرة

ج/ كلمة أخيرة وهي، نحن في عقدنا المتقدم نتمنى أن نرى مع الأيام أننا أنتجنا هذا الأطلس الخاص بهذه المدينة، وجميع الضمائر الحية والغيورين بهذه المدينة أن تتكاتف جهودهم من أجل بناء مستقبل علمي لها.