خلف الأسوار المُرعبة لحي الملاح: المخدرات، الدعارة والاتجار في البشر

خلف الأسوار المُرعبة لحي الملاح: المخدرات، الدعارة والاتجار في البشر


من إعداد حسن البوهي   2016-01-13 18:04:25

يعد حي السلام أو حي الملاح كما يعرف بذلك في الأوساط المراكشية من أقدم وأعرق الأحياء التاريخية بالمدينة الحمراء، ارتبطت بداية نشأته بفئة اليهود التي كان يخصص لها هذا الحي لممارسة حياتها اليومية وشعائرها الدينية في منأى عن غالبية المجتمع المراكشي المسلم، ومع توالي الأيام والتناقص التدريجي لشريحة السكان اليهود، انتقلت أسر مراكشية مسلمة لهذا الحي واستأنفت صيرورة حياتها اليومية إلى أن أصبحت تشكل أغلبيته المطلقة... سيقت حول هذا الحي العديد المحكيات والمرويات المرتبطة بالدعارة وتجارة المخدرات، مراكش الإخبارية اقتحمت أسوار هذا الحي التاريخي للوقوف على حقيقة ذلك.

شبكات للدعارة... شوهت مقومات الحضارة

أثناء تواجدنا بحي الملاح صرّح أحد مرافقينا من السكان أن الدعارة تضرب بأطنابها في هذا الحي التاريخي، يقصدها الباحثون عن متعة الأجساد من كل أطراف المدينة، ونتيجة ذلك يجد بعض سكان  حرجا كبيرا في التصريح بأنهم يقطنون به، تفاديا للنظرة الدونية والإزدراء التي يُنظر بها له، فالدعارة أساءت بشكل كبير لرمزية وتاريخ هذا الحي، فأصبح إسمه مقترنا بالخدمات الجنسية والممنوعات أكثر من الأحداث التاريخية التي ميزته في فترات زمنية سابقة.

يذكر منير (إسم مستعار) وهو من أبناء حي الملاح شب وترعرع بين أزقته ودروبه، أن ضعف المراقبة الأمنية أدى إلى استفحال أنشطة الدعارة بشكل متواثر في الحي، فظهرت بيوتات متخصصة في ذلك، تُشرف عليها وسيطات تمكّن من استقطاب فتيات وافدات لسوق الدعارة، من بين أوكار الدعارة المعروفة، هناك منزل بدرب شمعون لسيدة تشتغل بأريحية تامة بدون أي مضيقات أو متابعات، وقد اتخذت هذه الوسيطة من بيت عتيق مُهدم وكرا لخدماتها الجنسية بعد أن أعادت استصلاحه من جديد، وشرعت في استقطاب بنات هوى واقتناص زبائن المتعة بواسطة عدد من السماسرة الذين تنفحهم بعمولة محددة عن كل زبون، وتبدأ تسعيرة الخدمات الجنسية من 60 درهما إلى ما فوق.

أضاف المتحدث للجريدة أن من بين الوسيطات اللواتي يشتغلن في الفترة الحالية هناك" حفيظة.ج" و ثريا.ف" و"عتيقة"، وهن يستعن بشبكة من الأتباع والمساعدين الذين يُؤمنون ممارسة الدعارة، ويتدخلون في الوقت المناسب كلما دعت الضرورة لذلك، لاسيما أثناء نشوب ملاسنات أو مشاجرات.

يحكي مصطفى (إسم مستعار) سيناريو امتهان الدعارة بحي الملاح، الذي يُستهلّ عندما تقترن إحدى الفتيات بعلاقة غير شرعية مع أحد الشبان في الحي، ثم تمكث معه مدة معينة، دون أن تمتد إلى محل سكناهما دوريات الأمن، فينتج حمل عن تلك العلاقة، فيحاول الشاب التخلص منها، بمساعدة  إحدى الوسيطات في الدعارة اللواتي يتصيدن مثل هذه الفرص التي تُدر عليهن أرباحا مهمة، فتُقنع الفتاة بالمكوث عندها وتوفير ضروريات عيشها إلى أن تضع مولودها، أثناء ذلك تكون أمام سيناريوهين: إما أن تحتفظ بمولودها وتنخرط في امتهان الدعارة بمجرد ما تتماثل للشفاء لكي ترد الجميل للوسيطة التي تدين لها به مع إعطاء قدر معين من المال مقابل مأكلها ومشربها وتأمين عملها بالماخور، وغالبا ما تستمر هذه العلاقة الاستغلالية بين الوسيطة والوافدة الجديدة للدعارة مدة طويلة إلى أن تتعرف على وسيطة أخرى أو تستقل بممارسة الدعارة في منزل أخر، وناذرا ما يتم ذلك لأنها ستكون في حاجة لشبكة من العلاقات المتداخلة لضمان حمايتها واستمراريتها، أم السيناريو الثاني – يضيف المتحدث- فهو أن الوسيطة تقوم ببيع الجنين لإحدى الأسر التي ترغب في التبني، ويتم ذلك بسرية تامة جدا تفاديا لكل ما من شأنه أن يثير الشبهات، أما الأم العازب فتستدرجها الوسيطة لامتهان الدعارة مقابل مكوثها في الماخور... إنها سيناريوهات تكاد تكرر نفسها لفتيات وقعن في شرك علاقات غير شرعية، فقادتهن الصدف إلى حي الملاح وتم استدراجهن لامتهان الدعارة، ثم انغمسن فيها ولم يعرفن طرق الخلاص منها.

قاصرون يغرقون في مستنقع الدعارة بالملاح

المثير حسب الشهادات التي استقتها الجريدة أن ممارسة الدعارة لم تقتصر على المومسات اليافعات، وإنما تمتد للقاصرين أيضا، فهناك فتيان وفتيات صغيرات في عمر الزهور لم يتجاوز سنهن 14 عاما زُج بهم في مستنقع الدعارة،  فاغتصبت طفولتهم في وقت مبكر والتحقوا بأرصفة الشوارع بالقرب من حي الباهية، عرصة البيلك، وجامع الفنا...إما كمدمنين لأردئ أنواع المخدرات أو ممتهنين للدعارة.

توجهنا لعرصة البيلك وهناك وقفنا على مشهد حي لفتاتين صغيرتين لم يتجاوز سنهما 16 أو 17 عاما، أطلنا النظر في إحداهن فاقتربت الفتاتين منا وألقيتا التحية ثم سألتانا بشكل مباشر إن كنا نرغب في اقتناص لحظات متعة جنسية بثمن بخس بوكر للدعارة بحي الملاح، بعد أخذ ورد ومحاولة استدراجهما للحديث أكثر، لمحتنا إحداهما بنظرة شزراء ممسكة بيد صديقتها ومُيممة وجهها شطر وجهة أخرى، بعدما تأكد لديها أننا نبحث عن شيء أخر (جوا منجل –على حد قولها-) غير الخدمات الجنسية.

 أسرت مصادر الجريدة أن هاتين الفتاتين الصغيرتين التحقتا مؤخرا بسوق الدعارة، وتُعرفان إلى جانب مجموعة من المومسات اللواتي يتواجدن بعرصة البيلك باسم "الفرّاطات" وقد جاءت تسميتهن بهذا الاسم لأنهن "يفرطن" في اللهجة الدارجة أي يهربن من الزبائن بعدما يستدرجونهم إلى دفع الثمن مُسبقا، فيستعن بزميلات لهن يفتعلن الصراخ مع الضحية، ودرءا للفضيحة يتخلى هذا الأخير عن المبلغ الذي سدده، وقبيل العودة للملاح تقتسمن فيما بينهن غنيمة عمليات "الفرط" هاته.

الملاح بؤرة المخدرات بامتياز..أو عندما تتم المتاجرة في المخدرات عبر الهواتف من الزنازن السجنية

"الملاح بالليل، عالم أخر مكايعرفوا غير اللي ساكن فيه، ؤ للي والفوا مُحال واش يتفرق عليه" بهذه العبارة أجابنا "مصطفى" –من سكان الحي- في سؤلنا له حول الأجواء التي يكون عليها حي الملاح ليلا، فبمجرد ما يرسل الليل خيوطه الأولى تنطلق حياة أخرى بين أزقة ودروب حي السلام –الذي لا يكاد يعرف السلام- لشريحة من الأفراد الذين اختاروا من الليل زمنا لأنشطتهم اليومية، وليكونوا على موعد مع زبائن ليليين، يبحثون عن سراب متعة غير تلك التي ينعم بها النيام، فوفق شهادات استقتها الجريدة من سكان محليين ضاقوا ذرعا بالمشجرات الليلية والسب والشتم والكلام الفاحش الصادر عن هاته الكائنات الليلية، فإن الملاح تُروّج به العديد من أصناف المخدرات بعيدا عن أي متابعة، وأن هناك أشخاصا ذووا سوابق عدلية معروفين بأسمائهم يتاجرون فيها يشكل علني، وتساءل المتحدث ما إن كانوا محميين من طرف جهات معينة.

تتكون أصناف المخدرات التي تُروّج في الحي من القنب الهندي، الحشيش، المعجون، النفحة، مادة السلسيون... بالإضافة إلى "الكوتشية" وهو من أدرئ وأخطر وأرخص المشروبات الكحولية، يقتنيه بعض الأشخاص من الحانات بالنهار ب10 دراهم ويقومون بإعادة بيعه في الليل ب20 درهما.

ولعل أغرب ما وقفت عليه الجريدة من خلال تصريحات متطابقة لعدد من أبناء الحي، أن المتاجر ة في المخدرات لا تقتصر على المروجين الذين يوجدون بعين المكان، بل إن عملية المتاجرة يساهم فيها أشخاصا آخرين يقضون عقوبتهم الحبسية بعدد من المؤسسات السجنية، حيث يُنسّقون عمليات البيع عبر الهاتف ويحددون ثمنها ونوعيتها وهوية الأشخاص المتاجرين فيها، ويقوم هؤلاء المروجين خلف القضبان باختيار مساعدين أوفياء لهم يتلقون تعليماتهم، ويبعثون نسبة من عائدات تجارتهم لأسرة "المروج السجين"...في السياق نفسه صرح أحد أصحاب محلات البقالة أنه في العديد من المناسبات قام بإرسال بطاقات تعبئة لمروجين سجناء، وتمت أمام محله التجاري العديد من عمليات بيع المخدرات عبر الهاتف مباشرة من إحدى المؤسسات السجنية، مضيفا أنه بعد إتمام العملية يأتي شخص أخر ويسدد له ثمن التعبئة التي بعثها للمروج السجين.

 في دردشة مع أحد أبناء حي الملاح الغيورين ذكر أنه كان يحدوه أمل رفقة مجموعة من الشباب الآخرين بتكوين جمعية تضطلع بمحاربة الدعارة والمخدرات التي تضرب بأطنابها في الحي، إلا أن تجربتهم أجهضت في مهدها بعدما تدخل عون سلطة  وبعض الأفراد الذين يستفيدون من الوضع الحالي للملاح، وأخبروهم أنهم سيدخلون في مواجهات وصراعات في عدة واجهات مع عدد من مروجي المخدرات وشبكات الدعارة، فتخلوا عن الفكرة بعدما تأكدوا أنهم سيُحاربون من كل جانب، وسيفتحون على أنفسهم واجهة صراع خطيرة لن يستطيعوا مواجهتها بمفردهم، وأضاف المتحدث ذاته أن الدائرة الأمنية الرابعة التي توجد بعرصة المعاش غير بعيد عن حي الملاح تتحمل مسؤولية كارثية الوضع الذي أضحى عليه الملاح، إذ ناذرا ما تأتي دوريات الأمن وتقوم بعمليات المراقبة للوقوف على الممارسات الممنوعة التي تنشط بالملاح لاسيما بعد 11 ليلا. 

 



اقرأ ايضا

  2017-08-16
عناصر الشرطة والوقاية المدنية يعتدون على مواطنين بالداوديات

اقرأ ايضا

  2017-08-16
نجاة عدد من المسافرين بعد وفاة سائق حافلة كانت تقلهم

اقرأ ايضا

  2017-08-16
أمنيين كبار بمراكش يتحسسون رؤوسهم ساعات قليلة بعد إعفاء رئيس الدائرة الأمنية الحادية عشر