فيدريكو مايور: قد تلجأ منظمة اليونسكو إلى إسقاط ساحة جامع الفنا من قائمة التراث العالمي الإنساني

 "مستقبل ساحة جامع الفنا على كف عفريت"...هذه هي الخلاصة التي خلص إليها عدد من الباحثين والمهتمين بمستقبل ساحة التراث الانساني التي تعيش على إيقاع حالة من التردي والتقهقر، ومن شأن هذا الوضع المزري أن يدفع منظمة اليونسكو إلى سحب اعترافها بها كتراث إنساني لا مادي، للتأكد من صحة هذا السيناريو طرحناه بصيغة سؤال على المدير العام السابق لمنظمة اليونسكو "فيديريكو مايور" الذي يتحدث في هذا الحوار الحصري عن البدايات الأولى التي رافقت الإعلان عن ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش تراثا إنسانيا لا ماديا، والأدوار الطلائعية التي لعبها كل من المدير العام السابق فيرونيز، ووزيرة الثقافة اليونانية "ميلينا ميركوري"، والكاتب الإسباني "خوان غويتيسولو" في خروج مفهوم "التراث الإنساني لامادي إلى حيز الوجود،

مرحبا بكم السيد فديريكو مايور في مدينة مراكش، وبداية نشكركم على تلبية الدعوة.

  • أنا سعيد بإجراء هذا الحوار معكم

قامت منظمة اليونسكو بتاريخ 18 ماي 2001 بإدراج ساحة جامع الفنا ضمن قائمة التراث الإنساني اللامادي، في هذا الإطار نود أن تحدثونا عن البدايات الأولى التي رافقت الإعلان عن هذا التصنيف، ونود كذلك أن تذكرونا بسلسلة الأحداث والأشخاص الذين لعبوا دورا محوريا في صنع هذا الحدث. أكيد، رحلة الذاكرة هاته ستكون وقفة اعتراف بالجميل وتكريم لمواطنكم الاسباني الكاتب المقتدر "خوان غويتيسولو" الذي يحلو له أن يُلقب نفسه ب "المراكشي" أو ولد "جامع الفنا".

(يبتسم) كما تعلمون ففكرة التراث العالمي أو التراث الكوني تبلورت في منظمة اليونسكو بمبادرة من مديرها العام السابق السيد فيرونيز الإيطالي الجنسية سنة 1972. رأى فيرونيز أن  لدينا جمالا طبيعيا استثنائيا بما تحمله هذه الكلمة من معنى على مستوى الإرث التراثي للحضارات البشرية، فلدينا أهرامات ومآثر رائعة تكوّنت نتيجة تراكم إرث حضاري وثقافي عريق على امتداد التاريخ البشري، و من هنا جاء طرح السيد فيرونيز الذي ناد بضرورة أن تحظى بعض المواقع والمعالم الأثرية بعلامة خاصة مميزة  كتراث عالمي، و كما أسلفت، فكما للطبيعة جماليتها وسحرها فللمعالم الأثرية أيضا سحرها الخاص، فلدينا مثلا: مدينة "ماتشو بيتشو" في البيرو، وأهرامات مصر في الجيزة وغيرها من المناطق الجميلة المنتشرة في مختلف بقاع العالم. بعدها بعشر سنوات حلت بالمكسيك وزيرة الثقافة اليونانية السيدة "ميلينا ميركوري" لحضور أشغال مؤتمر اليونسكو، وقد  كان لها الفضل في إحداث تغيير آخر سمح بإحداث تصنيف مختلط يزاوج بين الطبيعة والمعالم التاريخية في علامة واحدة. وفي سنة 1998 عندما كنت وقتها أمينا عاما للمنظمة استضفت الكاتب الكبير والمثقف الإسباني خوان غويتيسولو، والذي كما تعلمون يقيم بمدينة مراكش منذ مدة طويلة ويعشقها حد الهوس، فقال لي أن هناك فضاءات تعتبر مسرحا للإبداع الفني والثقافي، إلا أنه يصعب تصنيفها طبقا لمعايير التراث الطبيعي أو الأثري المعمول به في منظمة اليونسكو، ثم بدأ يحدثني عن ساحة جامع الفنا باعتبارها مكانا مُتفردا ومختلفا عن باقي الأماكن في العالم، توجد بها أنشطة متنوعة وغنية، أبطالها أهال دأبوا على صنع الفرجة منذ قرون ... قال ذلك بشغف كبير، ثم خاض في وصف الحكواتيين (الحلايقية) وبراعتهم الشفوية في رواية ما جادت به روائع أدب يعود لأزمنة غابرة. استحسنت الفكرة ووعدته بأنني سأتدارس الأمر مع الزملاء في المنظمة، وأصارحكم مبدئيا بالقول أن غويتيسولو هو صاحب فكرة التراث الإنساني اللامادي، وكانت ساحة جامع الفنا هي حجر زاوية هذا النوع من التصنيف التراثي قبل أن تلتحق بها العديد من الأماكن الأخرى في مختلف بقاع العالم.

اعتقد أن  التراث اللامادي أسهم بشكل كبير في اغناء الهوية الثقافية على الصعيد العالمي، فعندما نقول مثلا أن مراكش تزخر بتراث شفوي منقطع النظير فذلك يؤثر بالإيجاب على قطاع السياحة ويشجع على زيارة المدينة، ذلك أن الكثير من السياح تستهويهم الثقافة الشفوية. و لا أخفيكم سرا أن هذا الجنس الثقافي  ساهم في إعطاء زخم جديد لمفهوم التراث الإنساني.

* هل اختيار ساحة جامع الفنا تراثا عالميا لاماديا للإنسانية هو تتويج دائم أم أنه يبقى محدودا في الزمن وفق معايير معينة؟

ف.م: عندما أطلقنا هذا التصنيف لم نجعله دوريا محددا في الزمن، سواء تعلق الأمر بتراث طبيعي أو معماري أو شفوي، لكن من جهة ثانية يجب الحفاظ على المؤهلات التي بفضلها نالت هذه المعلمة أو تلك اعترافا من اليونسكو. وفي هذا الإطار قد تصدر أحيانا بعض التحذيرات من المدير العام لليونسكو إذا ما تبين أن المعالم التراثية موضوع اهتمام اليونسكو تتهددها مخاطر بسبب الإهمال أو التقصير على مستوى الصيانة و الترميم أو ما شابه ذلك. آنذاك على البلد الذي توجد به تلك المعالم أن يقوم بواجبه في الحفاظ عليها في الآجال المحددة، وإذا بقي الحال على ما هو عليه، ربما تلجأ المنظمة كخطوة ثانية إلى إسقاط المعلمة من قائمة التراث العالمي الإنساني.

* أجرينا استطلاعا للرأي، انفتحنا في ساحة جامع الفنا على آراء الحكواتيين (الحلايقية) ووجهات نظر عدد من الباحثين والدارسين، فأجمعوا أن ساحة التراث الانساني في خطر  والتصنيف الذي نالته من منظمة اليونسكو مُهدد بالضياع، لأن الساحة فقدت جزءا كبيرا من بريقها وهويتها تتآكل بشكل تدريجي. ما تعليقكم؟

ف.م: أبانت مراكش إلى يومنا هذا عن قدرة كبيرة في اجتذاب السياح من مختلف بقاع العالم، لكن من غير المعقول أن يتم إهمال ساحة جامع الفنا، وألا يتم تأمين المؤهلات التي جعلتها تحظى بشرف الانتماء إلى نادي التراث العالمي، إنه لخطأ جسيم.

* برأيكم ما هي الحلول التي تقترحونها لكي تحتفظ ساحة جامع الفنا على نحو دائم بهذا التشريف التي حظيت به من قبل اليونسكو في إطار السياحة الثقافية وبتناغم تام مع معايير التنمية المستدامة؟

ف.م: أظن أن الأمر يتوقف أولا على الصحفيين مثلكم، فانتم من تمدون جسور التواصل مع الناس، عليكم أن تحسسوا ساكنة مراكش بضرورة الحفاظ على هذه المعلمة التراثية....

(مقاطعا) قمنا بذلك من خلال ربورتاج مُطوّل، واستقينا في وقت سابق شهادات الحكواتيين وانفتحنا على وجهات نظر عدد من المختصين في المجال الثقافي والتراثي ودققنا ناقوس الخطر، وقلنا أنه آن الأوان للتحرك العاجل من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن لحد الآن لم نجد أدانا صاغية

ف.م: يجب على المسؤولين أن يتحملوا مسؤولياتهم كاملة.

- كلمة أخيرة في حق حكواتيي جامع الفنا

ف.م: أعشق التجول في ساحة جامع الفنا، خاصة عند الغروب، وأقر أن لهؤلاء الحكواتيين قيمة بالغة الأهمية في إغناء هذا التراث، وأنا واثق أن ساكنة مراكش لها من الذكاء وبُعد النظر ما يجعلها قادرة على الحفاظ على هذه المعلمة.