فاطمة الزهراء حفيدة الجزولي التي ولجت عالم التشكيل

 

"لا أعرف بعد إن كنت فنانة، كل ما أعرفه أني أحب الفن التشكيلي"؛ بهذه الجملة استهلت فاطمة الزهراء التلمودي حديثها عن بداياتها الفنية وأولى إرهاصات اهتمامها بالفن التشكيلي. وقالت أن الفنان "لا يدرك نفسه إن كان فنانا أم لا، مضيفة أن الفن يقدره المتلقي، وكما يقول الانجليز "beauty lies in the eye of the beholder"، بمعنى أن "الجمال يكمن في عين الناظر"، وبما أنها في بداية مسيرتها فهي تؤكد أنها ليست على علم إن كان المتلقي قد قبل عملها.

صادفت الفنانة الشابة في أول مشاركة لها في معرض فني بالمركز الاستشفائي الجامعي، تشارك بلوحة "منظر بانورامي" لمدينة عتيقة قد تكون مدينة مراكش، لوحة تبرز مدى تمكن الشابة من الفرشاة ودقة التعامل مع الألوان.

الشابة ابنة ال32 سنة من أسرة مراكشية عريقة تنحدر من سلالة أحد رجالات المدينة الحمراء السبعة، الشيخ محمد بن عبد الرحمان الجزولي، ووالدها هو مقدم ضريح الإمام؛ تتقن اللغة الإنجليزية وحاصلة على ماستر في دراسة التواصل بمجال الأعمال، "business communication"، وهي الآن متفرغة لأسرتها الصغيرة وللفن التشكيلي الذي تقول أنها تبحث فيه عن التميز.

من طفولة مولعة بالألوان إلى دراسة اللغة الإنجليزية

بدأت علاقة حفيدة الإمام الجزولي بالفن منذ الطفولة، حيث كانت تثيرها الألوان ككل الأطفال، وظهرت موهبتها في الرسم منذ ذلك الحين حيث كانت تتميز دائما بإتقان الواجبات المدرسية المتعلقة بالرسم والتلوين، وحينها كما تقول كانت دائما محط أنظار صديقاتها في المدرسة الابتدائيةاللائي يطلبن منها مساعدتهن في رسم الأشكال المطلوبة في الدرس.

في ذلك الوقت كانت غالبا ما تعود إلى المنزل ملطخة بالصباغة. ففي أحد الأيام تقول "عدت إلى المنزل ملطخة بالمداد الأحمر في وجهي وملابسي، لما رأت والدتي ذلك اعتقدت أنها دماء تنزل من أذني وفزعت من ذلك كثيرا"، تلك كانت الإرهاصات الأولى للتعامل مع الصباغة.

كانت اللحظة التي انتبهت فيها فاطمة الزهراء إلى نفسها كفنانة، عندما حصلت على الجائزة الأولى في مسابقة نظمت بثانوية الكتبية التي كانت تدرس بها، لنيل شهادة الباكالوريا، وكان الموضوع "لنتحد ضد الحاجة"، أما المناسبة فكانت الذكرى الرابعة لحملة التضامن التي تنظمها مؤسسة محمد الخامس للتضامن.

هذه الجائزة كانت هي الشرارة التي أيقظت ذلك الحس الفني الذي تمتلكه الفنانة الشابة، وتقول أنها اكتشفت حينها قدرتها على استعمال الألوان والدمج بينها والتنسيق بين الأشكال،إلا أنها لم تكن لديها أية منهجية وكانت تكتفي بالمحاكاة.

بعد حصولها على الباكالوريا اختارت شعبة الدراسات الإنجليزية في الجامعة، بعد أن فكرت في الولوج إلى مدرسة للفنون الجميلة، لكنها كما قالت أن ظروفها الصحية حالت دون ذلك.

خلال سنوات الدراسة الجامعية وما يتطلبه ذلك من محاضرات وتحضيرات وامتحانات، ستغيب الفرشاة عن يوميات التلمودي، اللهم في أوقات الاسترخاء والاستراحة من أعباء الدروس الجامعية؛ قبل أن تعود لمعانقتها (الفرشاة) خلال سنوات الماستر، والبحث عن مصادر التعلم والاطلاع على المعارف الفنية والتقنيات والمناهج والمدارس الفنية.

التعليم عن بعد والعودة للفرشاة

لم تجد فاطمة الزهراء في بحثها عن التعلم سوى الشبكة العنكبوتية حيث قالت: "بصراحة الثورة التكنولوجية ساعدتني كثيرا، فبنقرة واحدة تحصل على معلومات ودروس لا تعد ولا تحصى، خصوصا بالإنجليزية"، هناك وجدت الكثير من الفيديوهات وكذا الكتب بالمجان، وكان زوجها يساعدها في طبع الكتب وكانت تقرأ كثيرا في هذا المجال، وقرأت كتب الفنانين الكبار والمحترفين منهم، وشاهدت العديد من الفيديوهات التي تقدم العديد من تقنيات الصباغة، وبذلك تكون فنانة عصامية علمت نفسها بنفسها، وتعرفت على مختلف المدارس الفنية وعن تاريخ الفنشرقا وغربا.

في هذه الأبحاث تعرفت على فنانين كبار تعتبرهم رواد المدارس الفنية المعروفةمتبعة خطواتهم، حيث تقول أنها متأثرة بالمدرسة الواقعية "realism"، من روادها "Gustave Courbet"، "غوستاف كوربيت"، والمدرسة الانطباعيةImpressionismمن روادها"Claude Monet" "كلود موني"، و"Pissaro"،و"بيسارو"، بالإضافة إلى اهتمامها الكبير بالمدرسة الإستشراقية "orientalism"ومن روادها Jean Léo Jerome"جون ليو جيروم"، ومدرسة رائعة قائمة الان خصوصا في الولايات المتحدة الامريكية ـ تقول الفنانة الشابةـ، هذه المدرسة تمزج بين الواقعية والانطباعية ومن روادهاJosha Claire.. Michelle Dunnaway..Kathy Anderson  وأخرون.مدرسة تقول أنها تحاول الانتقال إليها بعد مدرستها الواقعية الحالية.

 

توثيق الموروث المغربي والرسم بنفس محافظ

من خلال لوحاتها تقدم فاطمة الزهراء مواضيع أقرب إلى توثيق الموروث الثقافي والحضاري وكذا الطبيعي لمختلف المناطق بالمغرب، وهي المواضيع التي تهتم بها في أعمالها الفنية، وحسب رأيها فمهمة الفنان هي أيضا توثيقية، حيث تقول: نعم الفنان "يوثق حياته اليومية حياة أناس من محيطه، حياة المنطقة التي يقطن بها" بالإضافة إلى مواضيع من التاريخ المغربي.

وعلى عكس ما يؤمن به معظم أهل الفن فإن فاطمة الزهراء تقدم نفسها كفنانة محافظة، وتؤمن أن هناك خطوطا حمراء في جميع مناحي الحياة، لذا تقول جوابا عن سؤال في الموضوع، "نحن من التربية الإسلامية التي ربانا عليها أباؤنا، والتي أفتخر بها، هناك خطوط حمراء، وقد بحثت فيها، رغم أنها مجال للجدل ما بين العلماء المسلمين، ويتعلق الأمر بتجسيد ذوات الأرواح، مثل البورتريهات،رسم الحيوانات...لا أستطيع حاليا أن أتناولها في لوحاتي".

ولا تستثني من ذلك ما يتعلق بثوابت الأمة حسب تعبيرها والمقدسات الوطنية، مضيفة أن الخطوط الحمراء "يعيش فيها الإنسان، فإن لم تكن الخطوط سنعيش مثل الحيوانات، فهناك قواعد وتشريع وبدونه سنعيش في غابة"، مؤكدة أن الحرية ليست مطلقة.

ونظرا لأنها أخدت تكوينها العصامي عن طريق تتبع خطوات فنانين أجانب وخاصة منهم الناطقين بالإنجليزية، فإنها توضح أن هذا الأمر لن يجعلها تأخذ كل ما تتلقاه منهم حيث تقول "أكيد ستكون لك عين الناقد، الفنان الأجنبي عنده ما هو مناسب وما هو غير مناسب، وأنت ببصيرتك تختار الأمور المناسبة، فلكم دينكم ولي دين".

"I want to excel"

فاطمة الزهراء تسير اليوم صوب التميز والنجاح فهي كما قالت "I want to excel"، فهي تريد التميز والاحتراف في عالم الفن، وتعتقد أنها جاهزة لذلك، فبالإضافة إلى تشجيع الأسرة والمقربين منذ البداية، لها موهبتها التي ستوصلها إلى عالم التميز، وهي كما تقول من عائلة فنية، أختها الصغرى لها لوحات فنية هي الأخرى، أما والدتها فقد أظهرت ولعها بالفرشات، مستثمرة رصيدها الحرفي في الطرز، فالوالدة كما أكدت فاطمة الزهراء، كانت "طرازة " محترفة وتتقن العديد من أنواع الطرف، وألهمتها ابنتها الفنانة بأن تضيف إلى الإبرة فرشاة، وتعوض الخيوط بالصباغة، ولم يكن الأمر صعب جدا فهي ألفت التعامل مع الألوان ما ساعدها في مجاراة ابنتها في عالم التشكيل.

أما الوالد فكان خياطا محترفا عرف عنه الإتقان في "الصنعة" ويقصده الزبون من كل حدب وصوب، أما الزوج فقد أظهر إعجابه بموهبة زوجته منذ البداية وما فتئ يقدم المساعدة والتشجيع.