الملف :

اختلالات قانونية مالية وإدارية تقود سوق الجملة نحو هاوية الكساد

تعود قضية سوق الجملة للخضر والفواكه بمراكش إلى واجهة الأحداث ويعود معها جدل الاختلالات القانونية الإدارية والمالية التي يتهم بها عدد من النواب والمستشارين والموظفين بالمجلس الجماعي السابق والحالي، بدءا بالولادة المشوهة للمشروع الذي لم تستكمل أشغال البناء به وافتقاده للعديد من المرافق التي تضمنها التصميم المعماري، مرورا بقيمة المشروع المثيرة للجدل التي تجاوزت قيمتها 9 ملايير سنتيم في حين أن تقديرات إحدى مكاتب الدراسات حصرتها فقط في 6 ملايير سنتيم، ويستمر مسلسل هذا النزيف الذي لا تتحدث حلقاته سوى لغة الأرقام المالية الكبيرة مع الإستخلاصات الضريبية وتُهم نهب ملايير السنتيمات طيلة فترة اشتغال سوق الجملة التي وُسم بالفوضى وعشوائية التدبير. نميط اللثام في هذا الملف على جوانب من الاختلالات القانونية الإدارية والمالية التي يعرفها هذا المرفق العمومي من خلال شهادات قوية لبعض الفاعلين والموظفين من داخل المجلس الجماعي الذين جاهروا بوجود لوبي للفساد وشبكة أخطبوطية من النواب والمستشارين والموظفين الذين يحكمون قبضتهم على مداخيل الجبايات، وسنعرج عن منطق بعض التعيينات والمؤامرات التي تحاك في الخفاء ضد من تجرأ على الفضح أو نهج أسلوب الممانعة، إنها أسرار من غرفة العمليات بالمجلس الجماعي، تم اقتناصها من مصادر جد مقربة ومراسلات موثقة رفعت لوزير الداخلية ولعمدة المدينة تكشف عن الوجه الآخر لتدبير المرافق العمومية بمراكش.

سوق الجملة: ولادة قيصرية بعاهات تقنية واختلالات قانونية وإدارية

بتجزئة المسار قرب منطقة سيدي غانم بالحي الصناعي بمراكش ووسط تجمع آهل بالسكان يتراءى للمتجول في هذه المنطقة بين الفينة والأخرى شاحنات وعربات مجرورة وأخرى ثلاثية الدفع محملة بالخضر والفواكه سالكة اتجاهات متفرقة إلى الأسواق الثانوية ومحلات البيع بالمدينة الحمراء، عندئذ يستنتج المرء أنه على مقربة من سوق الجملة، عدى ذلك ليست هناك أي إشارات أو علامات توجيهية تحيل عليه، وإذا خفت حركة تنقل الشاحنات والعربات المحملة بالخضر والفواكه في حدود الساعة 10 أو 11 صباحا فإن الإستدلال على مكان السوق لأول مرة لن يتم إلا باستفسار المارة وأصحاب المحلات التجارية بالمنطقة، فهذا المشروع الذي شيد على مساحة تقدر ب14 هكتارا ورصدت له اعتمادات مالية مهمة ووُصف أثناء عمليات بنائه من طرف المشرفين علية آنذاك بأنه من أكبر وأهم أسواق الجملة على الصعيد الوطني لا توجد أي علامات توجيهية تشير إلى مكان وجوده، ربما حسب بعض المتندرين أن اختلالات بناء هذا السوق والاختلاسات المالية التي تداع صيتها بين وسائل الإعلام كانت غيض من فيض الأسباب التي جعلت القائمين عليه يعمدون إلى جعل مقره مجهولا ولو نسبيا لأن رائحة التجاوزات داخل أسواره تزكم الأنوف، ويرى عدد من الفاعلين بالسوق أن الموقع الذي أقيم عليه سوق الجملة لم يكن موفقا بجميع المقاييس، لأنه جاء في منطقة آهلة بالسكان، وغالبا ما كانت الأزقة المؤدية إليه مرتعا للصوص الذين استولوا في عدة مناسبات على رأسمال العديد من التجار، يساعدهم موقع السوق الذي جاء متواريا بين المنازل على تكرار عمليات السرقة، ويوفر لهم إمكانية مراقبة ضحاياهم من التجار وتحديد الوقت المناسب للإعتداء عليهم ثم الفرار.

فيما مضى استبشر تجار سوق الجملة بمراكش بتاريخ 17 يناير 2007 كموعد لبداية العمل في المقر الجديد بتجزئة المسار بحي سيدي غانم، وكان عدد كبير منهم  يرى في بداية هذا التاريخ موعد نهاية عهد من المعاناة وعشوائية الاشتغال التي طبعت السوق القديم للجملة بباب دكالة، غير أن اليوم الأول من مباشرة الاشتغال بالمقر الجديد حمل معه خيبة أمل كبيرة في صفوف عدد كبير من التجار الذين وجدوا أنفسهم مرة أخرى مُجبرين على اجترار طعم الإكراهات والمشاكل التي تجرعوا مرارتها بالمقر القديم، فسوق الجملة بسيدي غانم الذي يُعد بمثابة الشريان والممون الغذائي الأول للأنشطة الاقتصادية بالمدينة الحمراء لا يتوفر على شبكة الربط بقنوات الصرف الصحي، ولم يتم ربطه بخدمة الكهرباء، كما أن مقصفين من السوق لم يتم بنائهما حسب ما تضمنه تصميم التجهيز، بالإضافة إلى عدم فصل الأماكن المخصصة للخضروات والفواكه والحبوب عن بعضها البعض، والمثير أن سوق الجملة لا يتوفر على رخصة نهاية الأشغال وتمارس به الأنشطة التجارية بصفة دائمة منذ افتتاحه.

وفي سياق الاختلالات والاختلاسات بسوق الجملة التي تداولتها العديد من التقارير الإعلامية والرسمية، قامت الهيئة الوطنية لحماية المال العام في وقت سابق بوضع  شكاية حول "اختلاس وتبديد ونهب أموال عمومية" لدى الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بمراكش، ذكرت في متنها أن جهة مراكش تانسيفت الحوز عرفت نهبا ممنهجا ومدبرا للمال العمومي أدى إلى تحرك منظمات من المجتمع المدني لفضح ما وصفته (الشكاية) بالمفسدين وناهبي المال العام والمطالبة بمحاكمتهم وفقا للقانون واسترجاع الأموال المنهوبة، وأضافت الشكاية ذاتها أن المجلس الجماعي لمدينة مراكش قد قام بإحداث سوق للجملة للخضر والفواكه بتجزئة المسار قرب الحي الصناعي وذلك بغية تجاوز المشاكل التي كان يطرحها تواجد السوق القديم بمنطقة باب دكالة التي كانت تعرف كثافة في حركة السير وقد كلف إنجاز المشروع موارد مالية مهمة رغم أن بعض المرافق لم يتم بناؤها، مضيفة أن السوق الجديد أنجز في مكان آهل بالسكان خصوصا من الجهة الجنوبية، ولم تتم تسوية الوضعية القانونية للعقار الذي أقيم عليه المشروع، وهو ما دفع المجلس الجماعي السابق إلى الإقدام على تغيير التصميم الأصلي والتغاضي عن إنجاز بعض المرافق التي كان من المفترض أن يتم بناؤها، فتحمل المجلس الجماعي نتيجة ذلك نفقات إضافية لم تكن مبرمجة في البداية من أجل بناء حائط لتسييج السوق كما تمت إزالة المخرج الرئيسي للسوق الذي كان من المتوقع أن يكون بالواجهة الشمالية مما زاد من صعوبة التنقل داخله خاصة فيما يتعلق بالشاحنات ذات الحجم الكبير، وأجملت الشكاية ذاتها أهم المشاكل التي يتخبط فيها السوق في عدم تسوية الوضعية القانونية للعقار الذي أقيم عليه المشروع، ذلك أن المجلس الجماعي شرع في أشغال البناء قبل اتخاذ الإجراءات القانونية اتجاه مالكي العقار، حيث لم يتخذ المجلس قرار نزع الملكية إلا خلال دورته الاستثنائية المنعقدة بتاريخ 7 يونيو 2006 شمل تسع قطع أرضية بتجزئة المسار 2 بمساحة إجمالية تقدر بهكتار واحد. وأن مجلس المجموعة الحضرية لمراكش قد سبق له خلال دورته المنعقدة بتاريخ 28 أبريل 2003 أن اتخذ قرارا يقضي باقتناء ست قطع أرضية كائنة بمنطقة سيدي غانم التابعة للمؤسسة الجهوية للتجهيز والبناء التي حلت محلها مؤسسة "العمران" من أجل توسيع الوعاء العقاري لبناء السوق واستكمال انجازه، ولم يتم تفويت هذه القطع لفائدة المجلس الجماعي إلا بتاريخ 11 فبراير 2009، كما أن مجمل الصفقات التي أبرمها المجلس الجماعي بمراكش لإنجاز السوق لم تتقيد بقواعد تنفيذ الصفقات العمومية، حيث تم الشروع في إنجاز الأشغال موضوع هذه الصفقات قبل تاريخ انعقاد جلسة فتح الأظرفة ويتعلق الأمر بالصفقة رقم 121/05 المتعلقة ببناء قاعة لبيع الخضر الشطر "أ"، إذ تم البدء في تنفيذ هذه الصفقة بتاريخ 21/09/2004 وهو تاريخ سابق لموعد انعقاد جلسة فتح الأظرفة 13/06/2005 ولتاريخ مصادقة السلطة الوصية على الصفقة بتاريخ 28/11/2005 ولتاريخ الأمر ببدء الأشغال في 28/11/2005، خلافا لما تشير إليه مقتضيات المادة 78 من المرسوم رقم 206388 الصادر بتاريخ 5 فبراير 2007 الخاص بتحديد شروط وأشكال إبرام صفقات الدولة، في سياق متصل أوردت الشكاية ذاتها أن المجلس الجماعي عمد إلى هدم  محلات تجارية بقاعة بيع الفواكه وكلفت هذه العملية ما مبلغه 49063434 درهما، وأن جميع الصفقات المتعلقة بإنجاز السوق قد شابتها اختلالات قانونية ومالية وإدارية أدت إلى الوضع الكارثي الذي يعيشه السوق حاليا. وتوقفت الهيئة الوطنية لحماية المال العام في شكايتها المذكورة على أن المبالغ المالية أنفقت بشكل غير واضح، حيث أديت الأتعاب المالية للمهندس المعماري من دون أن يستحقها، كما تحمل المجلس بشكل غير مفهوم نفقات مترتبة عن إصلاح عيوب في الأشغال المنجزة والتي لم تكن في أغلب الأحيان مطابقة للتصاميم ولم تستجب للمواصفات التقنية المطلوبة، إذ أن الأشغال المتعلقة ببناء القاعة "د" المخصصة لبيع الخضر والفواكه الموسمية والفواكه الجافة والمنجزة من طرف شركة "إك" في إطار الصفقة رقم 142/07/م.ج. لم تنفذ وفق التصاميم الموضوعة من طرف المهندس المعماري، وحسب مصادر الجريدة فقد أنهت الشرطة القضائية أبحاثها التمهيدية وأحالتها على الوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف، في انتظار ما سيتخذه هذا الأخير من إجراءات في حق المتابعين في هذا الملف.

 

الفوضى وعشوائية التدبير والرشوة.. تقود سوق الجملة إلى هاوية الكساد

قام فريق عمل الجريدة بإجراء زيارة ميدانية لسوق الجملة للوقوف بشكل مباشر على حركية وحقيقة الاختلالات التي يتخبط فيها، وباقترابنا من مدخل السوق، وجدنا حالة من الإزدحام وصيحات عالية وملاسنات من هنا، وسب وشتم من هناك، إنها حلقة يومية من الفوضى في مسلسل طويل من سوء التدبير  أصبحت تفاصيله اليومية عادية في ذهن مرتادي سوق الجملة من التجار، ذلك أن عملية دخول وخروج الشاحنات تستغرق مدة ليست بالهينة تؤثر بشكل سلبي على حركية التنقل وتخلق حالة من الارتباك التي تستغل كإطار مناسب للقيام بمجموعة من التجاوزات على مرأى ومسمع رجال الأمن والقوات المساعدة من دون أن تتخذ أي إجراءات ضدها، وصرح عدد من التجار الذين التقتهم الجريدة أن العديد من الموظفين والمراقبين لا يتوانوا عن التواطؤ وتقديم المساعدة لتجار نافذين بالسوق لا يمتثلون للقوانين والإجراءات التنظيمية مقابل إكراميات مالية، كما عبر العديد من التجار عن استيائهم الشديد من الإبتزازات المتكررة التي يتعرضون لها من طرف بعض عناصر القوات المساعدة إلى درجة أن أصبحت "التدويرة" على حد قولهم جزء من الضرائب المفروضة عليهم بدون موجب قانوني. وأفاد عدد من الفاعلين بسوق الجملة أن رشوة بعض رجال القوات المساعدة وعدد من الموظفين المشرفين على الميزان بمدخل السوق تؤثر بشكل سلبي على الأجواء التنظيمية داخله، إذ غالبا ما تصبح حركية السير في حالة من الشلل شبه التام في فترة ذروة النشاط التجاري ما بين السادسة والنصف والسابعة والنصف صباحا، وفي السياق ذاته ذكر العديد من الحمالين بالسوق أن الاختلالات التي تحدث أمام الميزان ودخول السيارات غير المخول لها حمل البضائع إلى السوق نتج عنه كساد نشاطهم المهني، مُشيرين أن دخلهم اليومي أصبح لا يتجاوز 20 أو 30 درهما في اليوم بعد أن كان في السابق يتراوح بين 100 و150 درهما، نتيجة الفوضى المستشرية بالسوق التي أدت إلى الاستغناء عن خدماتهم.

أثناء جولة فريق عمل الجريدة بالسوق تمت معاينة العديد من الأجنحة التي أصبحت فارغة ولا تمارس بها أي أنشطة تجارية، وفي استفسارنا عن أسباب ذلك صرح العديد من التجار  أن أصحابها فضلوا أن يمارسوا نشاطهم التجاري خارج السوق، لأنه يوفر لهم مدخولا أحسن ويُجنبهم حالة الفوضى والشلل شبه التام الذي يعرفه السوق صبيحة كل يوم لاسيما يومي السبت والأحد من كل أسبوع، مضيفين في نفس الإطار أن لمسة المجلس البلدي في تسيير السوق تكاد تكون منعدمة وتتسبب أنشطة بعض الموظفين والوكلاء التابعين له المتواطئين مع بعض التجار النافذين في تأزيم الأوضاع به ودفعه إلى الهاوية.

 وحسب مصادر الجريدة، فهناك جملة من الاختلالات التي يعرفها سوق الجملة بمراكش كعدم استخلاص واجبات دخول الشاحنات والعربات التي تلج أماكن البيع محملة بالحبوب والفواكه اليابسة، تزوير الوزن الإجمالي للسلع المسجل في بيانات الأوزان بالتشطيب على الوزن الحقيقي، عدم وجود بيانات الكشوفات لبعض الفواتير، وامتناع بعض الموظفين المشرفين عن تعبئة دفتر الكشوفات الأساسية رغم أنها تتضمن بيانات الوزن والبطائق الرمادية للشاحنات إذ يعمدون إلى إعادتها لأصحابها من دون أن تُدوّن ما عليهم من واجبات ضريبية وتسلم لهم في وقت لاحق مقابل قدر معين من المال، ثم تدوين بيانات غير صحيحة على  بعض أوراق كشف الفواتير، وفي محاولة لطمس معالم الاختلاسات يقوم بعض الأعوان المتواطئين مع تجار نافذين  بتعبئة كشوفات وبيانات تحمل تواريخ سابقة للتواريخ المحددة بورقة الميزان ورقمها التسلسلي.

وأفاد العديد من التجار الذين التقتهم مراكش الإخبارية أن سوق الجملة تمارس فيه بين الفينة والأخرى العديد من الأنشطة غير الشرعية، كترويج المخدرات كان آخر فصولها إلقاء القبض على مروج لمخدر القنب الهندي السنة الماضية في إحدى مقاصف السوق، بالإضافة إلى أن السوق أصبح وكرا لممارسة الدعارة  ومجالا للشذوذ الجنسي  وللنيل من عرض العديد من القاصرين في غفلة من أعين رجال الأمن الذين يقتصر وجودهم بالسوق ك"ديكور فقط" – يضيف تجار متذمرون من الطريقة التنظيمية بسوق الجملة –

 

تقرير مرفوع إلى فاطمة الزهراء المنصوري يكشف جملة اختلالات يتخبط فيها سوق الجملة 

كشف تقرير مؤرخ بتاريخ 25 غشت 2011 مرفوع إلى رئيسة المجلس الجماعي لمدينة مراكش  -تتوفر الجريدة على نسخة منه- يتعلق بمجموعة من الأمور التدبيرية الخاصة بسوق الجملة للخضر والفواكه، من بينها أجهزة قياس وزن السلع، إذ من المفترض حسب التقرير المشار إليه أن سوق الخضر والفواكه يشتمل على أربعة أجهزة لقياس وزن السلع، لكن على أرض الواقع لا يتم استعمال إلا جهازين فقط بحكم أن الأجهزة الأخرى غير قابلة للاستعمال، بل يصل الأمر في كثير من الأحيان إلى الاعتماد على جهاز واحد فقط نظرا للأعطاب المتكررة التي تصيب الجهاز الآخر المتبقي وهو ما يخلق الكثير من المشاكل خصوصا عندما يُضطر استعمال جهاز واحد لكل من سوق الحبوب والفواكه اليابسة وسوق الخضر والفواكه الموسمية، ثم الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي ما ينتج عنه توقيف عمل أجهزة قياس وزن السلع وما يترتب عن ذلك من ارتباك ومشاكل في السير العادي للعمل.

وأضاف التقرير ذاته أن قلة الإمكانيات المخصصة لعملية المراقبة والتدقيق في كمية ونوعية السلع التي تلج إلى السوق وضعف تكوين الموارد البشرية المشرفة على عمليات المراقبة تؤثر بشكل سلبي على التدبير التنظيمي للسوق، بالإضافة إلى غياب نظام معلوماتي يسهل العمل اليومي لهذا المرفق، وعدم استخلاص واجبات دخول الشاحنات والسيارات والعربات إلى السوق كما هو منصوص عليه في القرار الجبائي عدد 6 المؤرخ في 19 ماي 2008 وأورد المسؤول ذاته – صاحب التقرير- أنه بعد استفساره عن الأمر، تم إخباره أنه يصعب تطبيق مقتضيات القانون على أرض الواقع محذرين إياه من حالة الفوضى التي يصعب التكهن بعواقبها وتداعياتها. كما وقفت المراسلة ذاتها عن الوضعية المزرية التي يعيشها موظفو هذا المرفق نتيجة غياب أبسط الشروط الملائمة للإشتغال وانتشار الأوساخ وبعض الحشرات بالمكاتب المخصصة للعمل خاصة مع فترات ارتفاع درجات الحرارة، وأضاف التقرير ذاته أن الإقدام على اتخاذ أي إجراء أو أي مبادرة للرفع من مستوى أداء هذا المرفق يقابله الدخول في مواجهة مع بعض المتدخلين تصل في أغلب الأحيان إلى التهديد بوقف نشاط السوق والقيام باعتصامات واللجوء إلى الأسواق العشوائية، وأورد المسؤول ذاته أنه عاين بعض الأشخاص يقومون بإدخال صناديق تحتوي على بعض السلع بواسطة عربات دون المرور عبر أجهزة قياس الوزن، ولما طالب بتدخل أحد أفراد القوات المساعدة لإيقاف هذه العملية فوجئ بخروج العشرات من الأشخاص المحتجين على ما قام به، بدعوى أن الأشخاص الذين تم منعهم كانوا يريدون فقط الدخول إلى السوق قصد تحميل الصناديق الفارغة الموجودة بداخله وإخراجها وذكروا له أنهم معتادون على هذه العملية، وهو ما جعل المسؤول - صاحب المراسلة – أمام تصاعد الاحتجاجات إلى الانسحاب مخافة تعرضه لاعتداء جسدي، مضيفا أن الاشتغال في ظل هذه الاكراهات والظروف غير الملائمة يجعل من الصعب إعطاء الإضافة المطلوبة، مطالبا إياها – أي رئيسة المجلس الجماعي - بالتدخل العاجل قصد إعادة النظر في الأساليب المتعلقة بتدبير هذه المرفق وإحداث كاميرات المراقبة للتدقيق في عملية تدبير الشؤون التنظيمية ومراقبة حجم ونوعية السلع التي تلج إلى السوق. والأسئلة التي تطرح نفسها من خلال هذه الملاحظات الواردة بالتقرير السالف الذكر هي: ما الذي يمنع المجلس الجماعي من إصلاح هذه الأجهزة أو شراء أجهزة بديلة ما دامت مرتبطة بمداخيل قطاع حيوي ومهم لاقتصاد المدينة الحمراء وهي مداخيل الضرائب المفروضة على منشآت الأشغال العمومية؟ هل فعلا أجهزة قياس الأوزان مُعطلة بشكل عادي؟ أم أنه تم تعطيلها عن سبق إصرار وترصد من أجل خلق حالة الاكتضاض حول الميزان الوحيد الموجود لتبرير الإختلالات المسجلة والاستفادة من عائداتها المادية؟ ألا يمكن اعتبار النقائص المرتبطة بتغييب نظام المراقبة بالكاميرات وعدم اعتماد النظام المعلوماتي في تدبير مداخيل المالية للسوق ونوعية وكمية البضائع التي كانت تلج إليه كانت نقائص مقصودة لغاية هي في نفس القائمين عليها من أجل التلاعب والاختلاس؟

 

أرقام وإحصائيات من 2005 إلى 2013 تتحدث لغة الإختلاسات المالية بسوق الجملة

تطلبت الأشغال غير المكتملة لسوق الجملة غلافا ماليا يقدّر ب 96941290.51 درهما وهو مبلغ اعتبرته فعاليات حقوقية بالمدينة الحمراء فاق كثيرا التكلفة التقديرية الموضوعة من طرف مكتب الهندسة المعمارية والمقدّر ب64291400.10 درهما وهو ما يعني فارقا ماليا يُقدر ب32649890.41 وهو المبلغ المالي الذي تابع فيه المجلس الجماعي السابق بتبديده واختلاسه في صفقة بناء مثيرة للجدل، صرحت مصادر قريبة من المجلس الجماعي السابق فضلت عدم الكشف عن هويتها أن أشغال بناء سوق الجملة مرت من مرحلتين الأولى تطلبت ما قيمته 6 مليارات من السنتيمات فيما المرحلة الثانية رصد لها مبلغ 3 مليارات، ليكون المجموع بذلك هو 9 مليارات سنتيم وهي القيمة المالية الإجمالية للمشروع، فيما استبعدت مصادر أخرى متابعة للموضوع وجود مرحلة ثانية، مرجحة أن تكون أشغال البناء مرت من مرحلة واحدة فقط، فيما الثلاث المليارات الأخرى المتبقية تفرقت قيمتها بين المقاول المشرف ومسؤولين على رأس المجلس الجماعي السابق ومتدخلين آخرين في المشروع.

جدل الاختلاسات والتلاعبات المالية لم يتوقف على مرحلة البناء بل امتد ليشمل عمليات التهرب الضريبي وعدم استخلاص النسب الحقيقية من قيمة الحمولات التي تلج إلى السوق نتيجة للضغط الذي يفرضه تكتل التجار النافذين الذين يفرضون النسب الضريبية التي تناسب مصالحهم الخاصة، فإذا كان مثلا سعر الليمون هو 35 درهما للصندوق وفق قاعدتي العرض الطلب التي يفرضها منطق السوق، وكان ذلك الصندوق يحتوي على 17 كيلوغراما، فإن نسبة الضريبة المفروضة عليه هي نتيجة عملية 17/35 ليكون الناتج هو 2.5 درهم غير أن العديد من التجار يفرضون نتيجة الضغط الذي يمارسونه على الوكلاء إلى استخلاص نسبة 0.80 سنتيم فقط على الرغم من ارتفاع أسعار بعض المواد، وتضيع بذلك على ميزانية الدولة العشرات الملايير من السنتيمات سنويا، من دون أن تتخذ أي إجراءات من طرف المجلس الجماعي والسلطة الولائية لاستخلاص هذه الرسوم الضريبية التي تؤثر بشكل مباشر على قطاع الاستثمار العمومي وعلى العديد من الخدمات ذات الارتباط المباشر بالضروريات المعيشية للمواطن العادي المتضرر بالدرجة الأولى من هذه العملية، النزيف المالي لا يتوقف عند هذا الحد بل يتجاوزه عندما يتواطؤ بعض المتدخلين مع تجار آخرين ويسجلون معطيات مخالفة لنوعية الخضر والفواكه التي تلج السوق كأن يتم تسجيل في وثيقة البيانات معطيات حول إحدى أنواع الخضر الرخيصة الثمن كالبدنجان مثلا في حين أن الشاحنة قد تكون محملة بإحدى أنواع الخضر أو الفواكه المرتفعة الثمن. وإلى جانب هذه التحايلات والاختلاسات توجد تواطؤات وطرق أخرى تحرم خزينة الدولة موارد مالية مهمة جدا، والمثير للتساؤل أن المجلس الجماعي الحالي لم يحرك ساكنا من أجل استخلاص هذه الموارد المالية ولم يتخذ أي إجراءات للحد أو التقليل من نسبة هذا النزيف المالي الحاد أو رفع دعاوي قضائية ضد المتهربين من الأداء الضريبي. وإذا كان المجلس المذكور قد استطاع أن يستخلص سنة 2013 ما قيمته حوالي مليارين و70 مليون سنتيم من سوق الجملة فإن مصادر جد مطلعة قد أكدت إمكانية استخلاص ثلاث أضعاف هذه الموارد إذا ما اتخذت إجراءات أكثر نجاعة، فسنة 2012 توقفت العائدات المالية الضريبية السنوية بسوق الجملة على مبلغ ملياري سنتيم و5000 ألاف درهم ، وسنة 2011 توقفت العائدات المالية على عتبة مليارين و91 مليون سنتيم. وتبقى المفارقة الكبرى حسب مصادر الجريدة هي سنة 2010 عندما ارتفع معدل الاستخلاص الضريبي  بحوالي مليار سنتيم عن سنة 2009 ليستقر على حوالي مبلغ مليارين و300 مليون سنتيم، وتزامن هذا الارتفاع مع تغيير نائب رئيسة المجلس الجماعي المشرف على سوق الجملة "ع.م" بنائب أخر "ح.ش"، والسؤال الذي يُطرح ما هي مبررات هذا الارتفاع المفاجئ الذي أصبح بقدرة قادر يتجاوز سقف مليارين من السنتيمات علما أن الظرفية الاقتصادية والمواسم الفلاحية لسنوات 2008 و2009 و2010 و2011 كانت تقريبا متشابهة إلى حد كبير؟ لماذا اقترن ارتفاع المداخيل الضريبية بتغيير النائب المشرف على السوق وليس قبله؟ ألا يخفي هذا الارتفاع المفاجئ سنوات عدة من الاختلاسات تتجاوز ما قيمته مليار سنتيم سنويا على أقل تقدير وهو معدل الفارق المالي بين سنتي 2009 و2010؟

قراءة فاحصة  في المداخيل المالية وكمية السلع بسوق الجملة بين سنتي 2010 و2011 تضعنا أمام تساؤلات عديدة بأجوبة معلقة تحتمل أكثر من تفسير، فقد انتهت السنتين على وقع انخفاض في المداخيل وصل إلى 168059.00 درهم أي بنسبة تراجع تقدر ب11.55%  ليرتفع هذا المعدل ويسجل نسبة نمو إيجابي يقدر ب 12.46%  أي بزيادة 185672.00 درهم والمثير في هذه المداخيل المسجلة أن كمية السلع التي ولجت السوق كانت ما تزال تسجل حالة عجز تقدر بنسبة 5%  أي (767696-) كيلوغرام والسؤال، وفي شهري ماي ارتفعت كمية النسب التي تلج السوق بحوالي بمعدل (+12%) في حين المداخيل سجلت نسبة عجز تقدر ب(-12.61%) أي بتراجع مالي يقدّر ب (243962.00 -) درهم لتختتم السنتين على وقع التراجع بنسبة (-8.34%) أي ب( 1.386977.00-) درهم فيما كمية السلع تزايدت بنسبة  +1%، تناقض هذه الأرقام التي لا تستند على ضوابط علمية ولا ترتبط بمؤشرات قانوني العرض والطلب ستضع المجلس الجماعي أمام حرج المساءلة ومبررات هذه التناقضات الصارخة بين كمية السلع التي تلج السوق وبين المداخيل الضريبية المحصل عليها. الأكيد أن المسؤولين عن تدبير مداخيل سوق الجملة لهم تبريرهم الخاص لهذه التناقضات بعيدا عن تعقيد المعادلات الرياضية والقوانين الاقتصادية...!!!؟

 

موظفون  يفجرون فضيحة مدوية: لوبي الفساد بالمجلس الجماعي يستولي على مداخيل سوق الجملة ويقف أمام كل محاولات الإصلاح

شهد شاهد من أهل المجلس الجماعي لمراكش على الإختلالات والإختلاسات التي يعرفها سوق الجملة للخضر والفواكه، وفي هذا السياق صرح للجريدة عماد القيدومي الرئيس السابق لمصلحة الجبايات بسوق الجملة للخضر والفواكه، أن السوق يغوص في مستنقع من الاختلالات والاختلاسات، مشيرا في السياق ذاته أن هناك تيارين متعارضين داخل المجلس الجماعي لمراكش أحدهما يحظى بحماية بعض الأعضاء النافذين المتكالبين على المال العام ويخدمون أجنداتهم مقابل حصولهم على جزء من كعكة المال المختلس بالإضافة إلى امتيازات شخصية أخرى، ثم تيار ثاني معارض يتعرض موظفوه الصغار إلى مجموعة من العراقيل والتواطؤات من أجل تركيعهم وحملهم على التزام الصمت، مضيفا أن اللوبي المتحكم في تسيير المجلس يتوزع بين نواب منتخبين ومستشارين وأطر، متوجها بأصابع الإتهام إلى بعض نواب رئيسة المجلس الذين قاموا بتشغيل أقربائهم فتحولوا نتيجة الحماية التي يوفرونها لهم إلى موظفين نافذين، مضيفا أنه فور تعيينه أنجز تقريرا حول طبيعة الاشتغال بالسوق والإكراهات التي تعترض سيره العادي مطالبا عمدة المدينة بالتدخل العاجل لإعادة النظر في الأساليب المتعلقة بتدبير هذا المرفق غير أنه لم يتم اتخاذ أي إجراء، وفي هذا الإطار أفادت مصادر جد مطلعة  أن إكراهات الاشتغال المسجلة بالسوق كانت تستغل من طرف بعض المشرفين على قياس أوزان البضائع للتلاعب بأوزانها الحقيقية والحصول على عائدات مادية يتم اقتسامها بين أعضاء شبكة أخطبوطية من المتدخلين.

وفي رسالة جوابية على طلب توضيحات بعثت به رئيسة المجلس الجماعي لمدينة مراكش ل"متصرف متمرن" بنفس المجلس - ذكر هذا الأخير في متن الرسالة الجوابية أنه تعرض لمضايقات ومؤامرات من طرف بعض النواب والمستشارين بالمجلس الذين لم يكن في مستوى طموحاتهم، حيث أرادوا أن يجعلوا منه أداة لهم من أجل حمله على التزام الصمت عن مجموعة من الخروقات التي يقترفونها، مطالبا إياها بفتح تحقيق لإماطة اللثام على حيثيات هذا الملف الذي يتوفر بخصوصه على مجموعة من المعطيات والخبايا التي ستنفض الغبار عن العديد من التجاوزات والاختلالات التي تهم تدبير قسم تنمية الموارد المالية، وعن منطق بعض التعيينات أو الاستغناءات بذات القسم، مشيرا إلى وجود لوبي للفساد يقف أمام كل محاولات الإصلاح من أجل الحفاظ على مصالحه الشخصية.

وفي جواب على استفسار تقدمت به فاطمة الزهراء المنصوري ل"يوسف أولاد ابن يزة" موظف بسوق الجملة للخضر والفواكه بتاريخ 14 مارس 2012 الذي تتهمه فيه بسرقة كناش الكشوفات ذات الأرقام التسلسلية من 26301 إلى 26325 وثلاث أوراق رمادية، ذكر "يوسف أولاد ابن يزة" أنه يعترض على كلمة "السرقة" وأن الأمر يدخل في إطار القيام بواجبه الوطني المتمثل في التبليغ عن سرقة للمال العام، وأنه اتخذ ذلك الإجراء للحد من النزيف الذي يعرفه سوق الخضر بعد أن قام بالتبليغ عن ذلك لرئيس مصلحة الجبايات بسوق الجملة للخضر والفواكه وللنائب المفوض إليه تدبير السوق، مشيرا أن النائب المعني بالأمر قد أقر بذلك لإرضاء خواطر بعض التجار النافذين في السوق، أمام هذه الإجابات غير المقنعة قام بالتبليغ عن حالة السرقة للوكيل العام للملك باستئنافية مراكش لضمان الكشف عن الحقيقة وقطع الطريق أمام محاولة إقبار هذا الملف كما تم إقبار حالة تلبس دخول إحدى الشاحنات محملة بالخضر إلى السوق سنة 2010  من دون أن تتخذ في حق صاحبها والمراقب بالسوق المتواطئ معه أي إجراءات قانونية، وتم طمس القضية بشكل نهائي، واقتصرت الإجراءات الزجرية المتخذة في حق ذلك المراقب على تنقيله إلى مصلحة أخرى بنفس السوق، ولم يتم فتح أي تحقيق بخصوص هذه القضية لا من طرف المسؤولين عن المرفق بالمجلس الجماعي ولا من طرف مصالح ولاية الجهة التي من الراجح أنها تتوفر على تقرير بخصوص هذا الموضوع، كما لم يتم التبليغ عن هذه القضية لدى مصلحة القضاء كما تقضي بذلك الأعراف القانونية الخاصة بحالة التلبس هاته.   

في جوابه على مذكرة استفسار ثانية مؤرخة ب28 غشت 2012 بخصوص التحاقه بمقر عمله خارج الأوقات المحددة وتسريب مجموعة من البيانات والمعلومات الإدارية الخاصة بمصلحة سوق الجملة للخضر والفواكه وتنصيب نفسه مراقب على وكالة المداخيل وإقحام نفسه في مشاجرات مع الموظفين والتجار واقتلاع الجدول النصف الشهري الذي يحدد المجموعات التي تعمل ب"الميزان" العمومي وتعميم السب والشتم في حق رؤسائه ومنعه لعملية الوزن وملأ الكشوفات بصورة انفرادية ذكر الموظف "يوسف اولاد ابن يزة" انه بعد قيامه بعملية التبليغ عن السرقة لنائب المراقب، ومدير السوق، ونائب العمدة المشرف على السوق، والكاتب العام للمجلس الجماعي، وقائد الملحقة بالسوق، ذكر أنه تعرض لمجموعة من الإغراءات المادية لثنيه عن تبليغ الوكيل العام للملك، وبعد رفضه لها عمدت الأطراف المستفيدة من عملية الفساد بالسوق إلى تلفيقه تهمة التحاقه بالعمل خارج الأوقات المحددة، مضيفا أن المهام الموكولة له كمراقب كان من أجل تنفيذها يضطر للتشاجر مع الموظفين الذين يرفضون تدوين نوع السلع التي أدلى بها لهم، ويحرضون التجار على التشاجر معه لتقديم شكايات صورية ضده، مشيرا أنه اقتلع جدول العمل النصف الشهري لكي يحتفظ به كحجة على سلوكاتهم ومناوراتهم، أما عن السب والشتم فقد أضاف الموظف نفسه أن نائب العمدة الموكول له تدبير هذا المرفق بعد أن استفسره عن من قام باقتلاع جدول الأعمال النصف الشهري وأجابه بأنه هو من قام بذلك، توجه إليه النائب بالسب والشتم قائلا "اشكون انت ألحمار اللي ولدك اللي تحيدها".  

 

موظفون تمت معاقبتهم لأنهم فضحوا اختلاسات مالية بسوق الجملة

أفادت مصادر مطلعة لمراكش الإخبارية أن اللوبي المستفيد من مداخيل سوق الجملة بالمجلس الجماعي لمراكش عمد بعد أن أصبحت مصالحه مهددة جراء دخول أطراف أخرى على الخط حاولت أن تحول بينهم وبين استمرارية تزودهم من مداخيل السوق بطرق غير شرعية، عمد إلى نهج استراتجيات بديلة لتركيعهم ومعاقبتهم بطرق غير قانونية عبر المجلس التأديبي لكي يبعثوا من خلالها رسائل مشفرة لكل من سولت له نفسه الوقوف أمام مصالحهم الخاصة، وفي هذا السياق توصلت الجريدة بنسخة من شكاية معنونة ب"الفساد المالي والإداري" من الرئيس السابق لمصلحة الجبايات بسوق الجملة للخضر والفواكه إلى وزير الداخلية بتاريخ 29/04/2013  واستهل متن هذه الشكاية بشرح الهدف منها الذي يسير في اتجاه التبليغ عن أحد أوجه الفساد الذي ما يزال ينخر الإدارة المغربية بقطاع الجماعات المحلية الذي يستنزف أموالا طائلة، مبرزة في الوقت نفسه سطوة ما وصفته المراسلة ب"أخطبوط الفساد" الذي لا يزال يقاوم بكل ما أوتي من قوة للحفاظ على مكتسباته، وذكر صاحب الشكاية ذاتها أنه منذ تعيينه كرئيس لمصلحة الجبايات بسوق الجملة للخضر والفواكه بتاريخ 8 يونيو 2011 حاول الحد من النزيف الذي تعرفه مداخيل هذا المرفق، غير أنه اصطدم بمجموعة من المعيقات والاختلالات التي كانت موضوع تقرير رفعه لرئيسة المجلس الجماعي بتاريخ 25 غشت 2011، وأضاف المشتكي ذاته قام بحملة للتدقيق في بيانات الكشوفات الأساسية للفاتورات بمساعدة بعض الموظفين وأسفرت عن توصله بإحدى وثائق الكشف الأساسي عدد G14070  بتاريخ 4 أكتوبر 2011 التي وقفت على حالة فاضحة لنهب المال العام، مشيرا أنه بمجرد حصوله على تلك الوثيقة قام بربط الاتصال بمجموعة من المستشارين بالمجلس الجماعي قصد تبليغ رئيسة المجلس بهذا المستجد، فعقد لقاءا معها بتاريخ 20 أكتوبر 2011 وأطلعها بكل التفاصيل وأمدّها بنسخة من تلك الوثيقة مذكرا إياها بالتقرير الذي رفعه إليها في السابق، مشيرا أنها أكدت له عدم توصلها به، وهو ما يعني حسب المشتكي أنه تم حجبه عنها لكي لا تطلع عليه، واستطردت الشكاية ذاتها أن رئيس قسم مصلحة الجبايات بسوق الجملة للخضر والفواكه توصل بعد ذلك بمذكرة إعفائه ليس فقط من رئاسة مصلحة الجبايات المالية بالسوق بل تم إعفائه من قسم تنمية الموارد المالية الذي كان يشغل به رئيس مصلحة استخلاص الرسوم المتعلقة بالملك الجماعي، وأشار المشتكي ذاته أنه بمجرد إعطاء العمدة تفويض تدبير قسم تنمية الموارد المالية لأحد نوابها "ّع.د" سنة 2011، تعرض لمجموعة من الابتزازات والضغوطات قصد تسخيره ليكون وسيطا له ولكي يمده بأموال ويضغط عليه لخرق القانون مقابل الحفاظ على منصبه.

ذكر  عماد القيدومي أن إعفائه من قسم تنمية الموارد المالية، لم يكن سوى نقطة البداية في مسلسل من الانتقام والتعسف الذي ما زال يتعرض له من طرف إدارة المجلس الجماعي بقيادة الكاتب العام للمجلس وبمساعدة طاقم من جهازه الإداري قصد تركيعه من خلال "فبركة" ملف متكامل يضم على حد تعبيره مجموعة من الافتراءات والادعاءات التي تم إيجادها تحت الطلب، بالإضافة إلى إصدار الكاتب العام لمجموعة من الإستفسارات تهم غيابه المزعوم عن العمل، واعتراضه على القرار الصادر عن وزير الداخلية بتاريخ 28 يونيو 2012 والذي يقضي بتسوية الوضعية الإدارية للموظف المذكور وترسيمه بالسلم 11 كمتصرف بالمجلس الجماعي.

وذكر المسؤول الإداري صاحب الشكاية المشار إليها أن مسلسل الظلم والتعسف لم يقتصر عليه وحده، بل شمل موظفين آخرين ينتميان إلى قسم تنمية الموارد المالية ويتعلق الأمر بكل من "عبد السميع.ب" الذي رفض بدوره أن يخضع لابتزاز نفس النائب الذي عرض عليه هو كذلك أن يكون وسيطا له، ليكون مصيره الإيقاف عن العمل مع وقف راتبه الشهري رغم أنه قام بمراسلة رئيسة المجلس الجماعي في أكتوبر 2011 داعيا إياها التدخل لإنصافه ورفع الظلم عنه، لكن مراسلته قوبلت بالرفض، وتضيف الشكاية ذاتها أن المصير نفسه تعرض له "يوسف أولاد بن يزة" - موظف بسوق الجملة للخضر والفواكه - الذي قام بتبليغ وكيل الملك بمحكمة الاستئناف بمراكش عن حالة موثقة لسرقة المال العام، فأٌمر آنذاك بفتح تحقيق قضائي غير أن نتائجه مازالت مجهولة، فتم إمطار هذا الموظف بمجموعة من الاستفسارات يتهم من خلالها بسرقة وتسريب الوثائق التي كان قد قدمها لوكيل الملك باستئنافية مراكش، فتم توقيفه هو الآخر عن العمل مع إيقاف راتبه الشهري. واعتبرت الشكاية ذاتها أن هذه التجاوزات المشار إليها تدل على قوة وجبروت هذا الأخطبوط الذي وصف بالفاسد وبالمتمسك بإدارة المجلس الجماعي، وتساءل "يوسف أولاد ابن يزة" عن مبررات صمت بعض الهيئات الحقوقية التي لم تتفاعل بشكل إيجابي مع الإستفزازات والضغوطات التي يتعرض لها من طرف لوبي اختلاس المال العام بالمجلس الجماعي، مضيفا أن تبليغه عن حالة السرقة للوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف بمراكش وضعته في مرمى تصفية حسابات واستفسارات تأديبية ملفقة من أجل النيل منه  وتضييق الخناق عليه، مشيرا أن عدم وجود ضمانات تحمي المبلغين عن الفساد الإداري والمالي والقانوني بهذا المرفق لن تساهم في إماطة اللثام عن كل التجاوزات والخروقات التي يعرفها المرفق العام لأن هناك العديد من الموظفين يتوفرون على بيانات وشواهد مهمة في هذا الإطار غير أن خوفهم من منطق تصفية الحسابات والمضايقات جعلهم يلتزمون الصمت. 

 

ماهي مبررات صمت وزارة الداخلية والمجلس الجماعي لمراكش عن تداعيات الاختلالات بسوق الجملة؟

قامت الجريدة بمراسلة رئيسة المجلس الجماعي لمراكش كتابيا من أجل معرفة وجهة نظرها في الموضوع ومعرفة حقيقة الاختلالات والاختلاسات المالية بسوق الجملة ثم المبررات والحيثيات التي رافقت إعفاء بعض الموظفين الذين تحدثوا عن ما وصفوه بلوبي الفساد المالي والإداري بالمجلس الجماعي، غير أننا عدنا بخفي حنين، ولم نتلق أي إجابة في الموضوع، وهو ما يثير الكثير من التساؤلات لماذا لم تتخذ عمدة مراكش أي إجراءات ولم تفتح أي تحقيق بخصوص الاختلالات والاختلاسات التي وردت في متن مجموعة من الشكايات التي تقدم بها عدد من الموظفين مقرونة بمجموعة من شواهد الإثبات والفواتير  وبيانات الكشوفات؟  لا شك أن الأمر يعكس - حسب بعض المصادر القريبة من المجلس الجماعي فضلت عدم الكشف عن هويتها - قراءة أخرى لرئيسة المجلس تسير في اتجاه تحقيق بعض التوافقات بتفادي فتح تحقيق في هذه الاختلالات، وذلك لكي تحافظ ما أمكن على وحدة الصف مع بعض نوابها المتهمين في هذا الموضوع، خصوصا أنها لم تستطع ضبط السير العادي لجلسات المجلس منذ عدة شهور، وتخشى إن قامت بفتح تحقيق أن ينتج عن ذلك المزيد من التصدع في صف النواب الذين يؤازرونها والمتهمين في هذه الاختلالات والاختلاسات، ووقفت المصادر ذاتها في هذا الموضوع على أن العديد من النواب بالمجلس الجماعي أصبح لهم نفوذ كبير على عمدة المدينة ويفرضون جراء ذلك تصوراتهم ورؤاهم التي تخدم مصالحهم الخاصة مقابل حفاظهم على بعض التوازنات السياسية لفائدة العمدة، وبذلك تكون هذه الأخيرة تمارس سلطاتها ومهامها بصورة شكلية في حين أن هؤلاء النواب هم من يتحكمون في قواعد اللعبة ويمارسون السلطة بشكل فعلي. وعلى ضوء هذه المعطيات نتساءل عن منطق الاستبعادات والتوقيفات التي تعرض لها عدد من الموظفين الذين تجرؤوا على تقديم شكايات بشأن الاختلالات المالية والإدارية التي يعرفها سوق الجملة، لماذا تم توقيفهم أو تم تغيير المصلحة التي يشتغلون بها بعد الشكايات والمراسلات التي تقدموا بها وليس قبلها؟ ألا يعكس الأمر ردود أفعال انتقامية ضد هؤلاء الموظفين؟

الخطير في المراسلات والشكايات التي تم رفعها إلى رئيسة المجلس الجماعي لمراكش أنها تتضمن اتهامات مباشرة لموظفين محددين بعينهم في ارتكاب جرائم نهب المال العام، و إذا تمكن القضاء من إثباتها فعمدة مراكش ستكون متابعة هي الأخرى بتهمة التستر عن جريمة  النهب وعدم التبليغ عنها، وهو ما سيضع فاطمة الزهراء المنصوري أمام فوهة بركان المساءلة القضائية.

وموقف وزارة الداخلية لا يقل حرجا عن موقف المجلس الجماعي لمراكش، فقد سبق للرئيس السابق لقسم الجبايات بسوق الجملة أن بعث شكايتين – تتوفر الجريدة على نسختين منهما-  إلى وزير الداخلية الأولى بتاريخ 29/04/2013  والثانية بتاريخ 23/10/2013 غير أنه لم تتخذ أي إجراءات في الموضوع، ماهي مبررات الصمت عن هاتين الشكايتين التي تضمنت اتهامات خطيرة لنواب بالمجلس الجماعي؟

وفي سياق مرتبط بتداعيات شكاية اختلاس وتبديد المال العمومي بسوق الجملة التي تم رفعها على أنظار قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بمراكش ذكرت مصادر مطلعة لمراكش الإخبارية أن الجولة الثانية من البحث التفصيلي في هذه القضية ستنطلق يوم 4 مارس المقبل، ويراهن عدد من الفاعلين والمتتبعين على هذا الموعد لانطلاق بوادر تحقيق نزيه وشامل يتجاوز مساءلة صغار الموظفين والأعوان المغلوب على أمرهم  ليكشف الحجاب عن  الرؤوس الكبيرة التي تحيك قواعد لعبة الاختلالات والاختلاسات خلف الكواليس وتسخر صغار الموظفين والأعوان كأدوات اشتغال وأكباش فداء لا يتورعون عن الاستغناء عنها لدفع تهمة الشبهات عنهم.