لوبيات القطاع السياحي بمراكش

يعيش قطاع السياحة بجهة مراكش خلال العقد الأخير على إيقاع إكراهات اشتغال جعلته يتخبط في مطبات ومشاكل بنيوية وهيكلية تُكبّل سيره العادي وتجبره على التقهقر والتخلف عن مواكبة ركب التحول الذي تعرفه العديد من المجالات الموازية له...إكراهات الاشتغال هاته لا يخبر خباياها إلا أبناء القطاع، لأن أهل مكة أدرى بشعابها على حد منطوق المثل العربي، فالقطاع يظهر لمن يراقبه من بعيد بمثابة الجوهرة التي تشع جمالا ورونقا وتدر أرباحا مهمة تحرك عجلة الاقتصاد الجهوي والوطني، غير أن الرؤية الفاحصة عن كثب تكشف عن العديد من المعيقات والإكراهات الشديدة التركيب والتعقيد التي تحيل سراب إشعاعه إلى عتمة وواقع سوداوي تتزايد قتامته يوما بعد أخر، وفي هذا السياق أفاد مجموعة من الفاعلين في المجال السياحي بالمدينة الحمراء أن المشاكل التي يعرفها هذا القطاع نابعة بالدرجة الأولى من عشوائية تدبير الجهات المختصة، وتنامي سطوة لوبيات أحكمت سيطرتها على القطاع السياحي وباتت تتحكم في سيرورته لضمان استفادتها من عائداته المادية بنسب تتجاوز المألوف...

مراكش الإخبارية تنقلكم في ملف عددها للتعرف على جوانب من الاختلالات والتجاوزات التي يتخبط فيها القطاع السياحي بمراكش، وأهم اللوبيات التي تقف وراءه وتحتكر مداخيله المالية، كما ستقف عن مبررات صمت المسؤولين وبعض المعطيات الحصرية التي تخفي منظومة الاحتكار والاستغلال المجحف الذي يطبع واقع حال القطاع السياحي. فما هي تجليات هذا الواقع؟ وما هي اللوبيات التي تقف وراءه؟ وما هي مبررات الصمت الملغوم للمسؤولين والسلطات المختصة؟

دينامية سياحية... وبؤس الساكنة المراكشية

مدينة مراكش هي الوجهة السياحية الأولى على الصعيد الوطني، ولا أحد يجادل في ما تختزنه هذه المدينة التي استحقت لقب عروسة الجنوب من مقومات طبيعية وخصائص حضارية وتاريخية تستقطب إليها الزوار والسياح من مختلف بقاع العالم، فأعجب بسحرها وجاذبيتها العديد من رؤساء الدول ورجال السياسة والمال والأعمال والرياضة والفن...وأصبحت قبلتهم المفضلة لقضاء العطل ومناسباتهم الخاصة، ولا غرو في ذلك فقد اختارتها العديد من الدراسات الاستطلاعات من  ضمن مدن الأحلام العشر على الصعيد الدولي ومن الوجهات السياحية الأولى عالميا، كانت أخرها "ترافيلير شويس تريبادفيزور" التي صنفت المدينة الحمراء في الرتبة السادسة عالميا ، إلى جانب تتويجها من قبل مؤسسة "لونلي بلانيت"...إذا كان هذا ظاهر الجاذبية السياحة للمدينة الحمراء، فإن باطنها يكشف تجليات واقع قاتم، ولعل أول ما يتبادر إلى ذهن المتتبع لحركية زوار المدينة هو أن السكان المحليين يعيشون في رخاء ورفاه نظرا لما تذره عليهم من عائدات لها انعكاسات إيجابية على عجلة اقتصاد المدينة، لكن حقيقة الوضع غير ذلك، فالأرقام الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تصنف المدينة في المراتب المتأخرة للتنمية، ومؤشرات الفقر والخصاص تضرب بأطنابها لدى الساكنة المحلية، وزاد غلاء المعيشة في تأزيم الأوضاع الاقتصادية للعديد من الأسر التي لجأ أفرادها إلى ممارسة أنشطة أخرى مُكمّلة بضواحي المدينة من أجل تأمين حاجياتهم اليومية، وحسب شهادات استقتها الجريدة من الشارع المراكشي فإن توافد السياح والزوار عوض أن يساهم في تحسين مستواهم المعيشي، فإنه على النقيض من ذلك ساهم في غلاء المعيشة وفي ارتفاع سعر الولوج للعديد من الخدمات، التي أصبحت تستهدف السائح الخليجي والأوربي بالدرجة الأولى عوض المواطن المراكشي.

من جهة أخرى فالعديد من العاملين بالقطاع السياحي سواء في الفنادق أو "ديور الضيافة" لا يجنون الشيء الكثير، إذ أن أجرتهم الشهرية لا تتعدى في أغلب الأحيان 2200 درهم، مقابل ساعات طويلة من العمل تتراوح بين 8 و12 ساعة يوميا، فيضطرون إلى القيام بحسابات دقيقة مجهرية من أجل تغطية بعض ضرورياتهم المعيشية، ويُجبرون في بعض الحالات الاستثنائية نتيجة المرض أو غيره إلى اتخاذ إجراءات تقشفية أو اللجوء إلى الاستدانة من طرف زملائهم وأقربائهم، ولعل ضعف مردودية القطاع السياحي على الأفراد المشتغلين به لاسيما فئة العمال الذين يوجدون في أسفل الهرم، هو ما دفع العديد منهم إلى ترك هذا المجال والالتحاق بالأنشطة الفلاحية بضواحي المدينة.

صرّحت سناء (32 سنة) عاملة طوابق بفندق مصنف بمراكش أنها تعمل في هذا المجال لما يزيد عن 9 سنوات، غير أن أحوالها الاجتماعية لم تتحسن بما فيه الكفاية، لأن مدخولها الشهري يبقى ضعيفا، وتفكر بتغيير نشاطها المهني والالتحاق بمدينة الدار البيضاء لأن فرص الشغل هناك أحسن، وتُدر مستحقات أكثر- تضيف المتحدثة-

وبلغة الأرقام فقد تم افتتاح 90 مؤسسة فندقية في الفترة الممتدة بين سنتي 2002 و2014، وتضم المدينة الحمراء 175 فندقا مصنفا و950 دار ضيافة، وكان مطار المنارة قد استقبل في السنة الأخيرة حوالي 4 ملايين مسافر، وتستقبل المدينة حوالي 280 رحلة في الأسبوع، وعرفت المدينة الحمراء تسجيل مليون و890 ألف وافد بنسبة زيادة تقدر ب6% أي ما يعادل 6 ملايين و88 ألف ليلة مبيت بمعدل ملء وصل إلى 53%
 ويأتي السياح الانجليز والألمان على رأس القائمة بمعدل نمو يتراوح ما بين 30 و40% مقابل تسجيل تراجع ملموس على مستوى السوق الفرنسية (-6% بالنسبة لعدد الوافدين و5-% فيما يتعلق بعدد ليالي المبيت خلال سنة 2014، وتحتكر مراكش لوحدها حوالي ما بين 50 إلى 40% من مداخيل القطاع السياحي على الصعيد الوطني، بالإضافة إلى ذلك فقد توجت مراكش سنة 2014 كوجهة معروفة ومعترف بها في عالم المؤتمرات واللقاءات والأحداث باحتضانها لعدد كبيرمن التظاهرات العالمية ذات الطابع الثقافي والرياضي والفني من قبيل المهرجان الدولي للفيلم بمراكش والجائزة الكبرى لسباق السيارات. 

وشهدت تنظيم مؤتمرات ومنتديات عالمية كبيرة استقطبت من 1000 إلى 5000 مشارك من بينها "المنتدى العالمي لحقوق الإنسان" و"مؤتمر الغاز والنفط" و"القمة العالمية لريادة الأعمال" و"اللجنة الاقتصادية لإفريقيا" و"القمة العالمية لإدارة المنتجعات الصحية". 
 المنطق السليم يفرض القول أن هذه الدينامية السياحية تُدر مداخيل مهمة كفيلة بإعطاء حركية ودينامية إيجابية لعجلة الاقتصاد المحلي، لكن حاصل هذه الحركية لا ينعكس بشكل جلي على المستوى المعيشي للسكان المحليين.

ضعف استفادة السكان المراكشيين من مداخيل القطاع السياحي تجد مبرراتها حسب عدد من المُطلعين على خفايا هذا القطاع في أن العديد من المؤسسات الفندقية لا تروّج أرباحها في السوق الداخلي للمدينة، بالإضافة إلى أن العديد من وكالات الأسفار والمؤسسات الفندقية ذات رساميل أجنبية تستخلص من زبنائها واجبات الحجز في بلدانهم الأصلية، وبالتالي فتلك الأرباح لا تدخل التراب الوطني ولا تروّج في اقتصاد المدينة الحمراء، وفي السياق نفسه أضافت مصادر الجريدة أن هناك لوبيات سياحية تستأثر بنصيب وافر من الأرباح، وهذه اللوبيات موزعة في مجال النقل السياحي والخدمات الفندقية و"البازارات" والإرشاد السياحي، إذ تنفرد بأرباح مهمة ولا تترك سوى الفُتات لغالبية العاملين في القطاع، وهو ما يتعارض مع منطوق الخطاب الملكي 30 يوليوز 2014 في سياق حديثه عن التوزيع العادل للثروات بقوله" ...إننا نبحث دائما عن الفعالية والنجاعة، وعن أفضل السبل، ليستفيد جميع المغاربة من مختلف المنجزات، على حد سواء".

 

لوبيات النقل السياحي تضرب بالقانون عرض الحائط، وتدفع القطاع نحو هاوية الإفلاس

 

تعتور القطاع السياحي بمدينة مراكش العديد من النقط السوداء التي تجعله يتخبط في مشاكل معقدة يصعب فكها، ومن بين هذه النقط السوداوية التي وردت على لسان المهنيين في القطاع، هو النقل السياحي، الذي أضحى وسيلة لمراكمة الأرباح بطرق غير شرعية تغلب عليها أساليب التحايل والنصب، إذ أن العديد من المشتغلين في هذا المجال لم يكتفوا بتوفير خدمة النقل التي يشير إليها القانون، بل عمدوا إلى ممارسة أنشطة أخرى تدخل في مجال اختصاص وكالات الأسفار - التي يقدر عددها ب165 وكالة- مثل تنظيم رحلات وجولات سياحية داخل مدينة مراكش وخارجها وتدبر أماكن المبيت والأكل والشرب وغيرها من الخدمات الأخرى التي تخرج في بعض الأحيان عن الأبعاد الأخلاقية والمهنية كالتوسط لممارسة الدعارة، ويرابط عدد من أصحاب سيارات الأجرة والصغيرة بالقرب من الفنادق السياحية المعروفة بالمدينة لاسيما بحي جليز وبالقرب من ساحة جامع الفنا، وينتظرون اقتناص زبائن نوعيين من السياح الأجانب، ونقلهم إلى وجهاتهم مقابل تسعيرات مبالغ فيها تتراوح بين 200 و400 درهم داخل المدينة وما بين 1500 و2000 درهم بنواحي مراكش، وأغلب السياح لا يفطنون لهذه التسعيرات المبالغ فيها، لأن التنقل بواسطة سيارات الأجرة في بلدانهم الأصلية غالبا ما يكون ثمنه مرتفعا، ويعمد العديد من أصحاب سيارات الأجرة الصغيرة إلى تعطيل العدّادات وتقدير تسعيرة تتجاوز التسعيرة الحقيقية بثلاثة أضعاف أو أكثر، ولمواجهة هذا الوضع قامت المصالح الولائية ولجان المراقبة التابعة لها بوضع لافتة تحدد التسعيرة، إلا أن ذلك لم يضع حدا لهذه الممارسات الاحتيالية التي خلّفت حالات من الاستياء في صفوف عدد مهم من السياح الأجانب الذين دخلوا –حسب شهود عيان - في مشادات كلامية في العديد من المناسبات مع السائقين، بعد اكتشافهم للفرق الشاسع بين التسعيرة المُصرح بها في اللافتة وبين التسعيرة التي يطالبهم بها السائقون...ما الفائدة من هذه اللافتات إذا لم تواكبها إجراءات ضبطية ودوريات مراقبة للتأكد من التزام السائقين بالتسعيرة القانونية؟

من جهة أخرى فإن العديد من سائقي سيارات الأجرة يتواطؤون مع أرباب محلات تجارية "بازارات" ومطاعم ومقاهي فيقومون باستقدام السياح مقابل عمولة متفق عليها تصل في بعض الأحيان إلى 50%  من قيمة المقتنيات التي تكون هي الأخرى مبالغا فيها، والضحية الكبرى في هذه العمليات والممارسات التي تُدبّر عن بُعد بين أصحاب "البازارات" والمطاعم وبين السائقين هو السائح الذي أصبح بمثابة الفريسة التي يجب أن يقتات منها الجميع بطرق شرعية وغير شرعية.

الأرباح التي يدرها أصحاب بعض سيارات الأجرة من نقل السياح الأجانب جعلتهم يعزفون عن تقديم خدماتهم للمواطنين المراكشيين الذين يحتكمون للعدّاد وللتسعيرة المتعارف عليها، فأصبح من العسير على المواطنين خلال فترات المد السياحي وأيام العطل أن يستفيدوا من خدمات سيارات الأجرة لاسيما الصغيرة منها، نظرا لتكالب أصحابها على السياح والزوار الأجانب لاسيما الخليجيين منهم، إذ يتم الاستغناء عن تسعيرة العداد ويُطلق العنان لأثمنة نقل مبالغ فيها.

أثناء مرورنا بساحة جامع الفنا أثارت انتباهنا لافتات إشهارية لرحلات سياحية إلى بعض المدن والمناطق الجبلية القريبة من مدينة مراكش بأثمنة مغرية، كنا نعتقد في البداية أن الأمر يتعلق بإحدى وكالات الأسفار، لكن بعد دردشة قصيرة من الشاب الذي اتخذ لنفسه كرسيا بالقرب من اللافتة اتضح أن تنظيم الرحلة يشرف عليها شخص لا يتوفر على أي رخصة قانونية، وقد دأب على ذلك لما يزيد عن 10 سنوات بعيدا عن أي متابعة قانونية ومن دون أن يؤدي أي ضريبة على أنشطته السياحية التجارية التي تدر عليه أرباحا شهرية مهمة، ذلك أن تقديم خدمة نقل السياح يفرض الاشتغال في إطار "وكالة للنقل" يؤطرها دفتر تحملات، بالإضافة إلى أن تنظيم الرحلات يدخل ضمن اختصاص وكالات الأسفار، وقد ذكرت مصادر الجريدة بساحة جامع الفنا أن هناك عشرات الأشخاص الذين يشتغلون وفق هذا النهج خارج إطار القانون، وتُدر عليهم خلال فترات المد السياحي أرباحا مهمة تتجاوز بكثير الأرباح التي تحصل عليها وكالات النقل التي تشتغل في إطار القانون، وفي هذا السياق يرى ناشطون مهنيون أن ضعف مراقبة المصالح المختصة لهذه التجاوزات، يضر بقطاع السياحة ككل وتدفع العديد من وكالات النقل نحو هاوية الإفلاس، كما أن عدم اتخاذ السلطات المختصة لأي إجراءات زجرية في حق هؤلاء يشجع على تزايد هذه الممارسات، ويدفع وكالات النقل إلى إعلان إفلاسها والانخراط في أنشطة نقل غير قانونية تدر أرباحا مهمة بعيدا عن التزامات دفتر التحملات، التي لا يلتزم بها سوى "كوانب السياحة" على حد تعبير بعض السماسرة...

أسرّت مصادر الجريدة أن النقل السياحي بالمدينة الحمراء يُسيطر عليه أشخاص يشتغلون في إطار لوبيات تجمع بينهم مصالح الاستفادة المشتركة من النشاط الاقتصادي الأول للمدينة الحمراء (السياحة) وهاته اللوبيات لها علاقات مصلحية مع عدد من المسؤولين والفاعلين في القطاع الذين لا يتوانوا عن مساعدتهم وتسهيل أنشطتهم الخارجة عن القانون مقابل عمولات مالية، وإذا لم تتم هيكلة هذا القطاع بشكل محكم للتضييق على هاته اللوبيات فإن ذلك سيؤدي بالنقل السياحي (القانوني) إلى الإفلاس وسيزيد من الإساءة لسمعة المنتوج السياحي المغربي لأن هاته اللوبيات لا يهمها سوى الربح الآني ولا تتوانى في ذلك عن استعمال كل أساليب النصب والاحتيال وتسعى لتقديم خدمات مباحة وأخرى غير مباحة كالتوسط لممارسة الدعارة مقابل تعويض مالي مناسب.

 

"بازارات" ومطاعم تمتهن النصب والاحتيال باسم التجارة

 

تحولت العديد من المحلات التجارية "البازارات" والمطاعم إلى بؤر للتحايل والتآمر على السياح الأجانب، وفي هذا الإطار ذكرت مصادر الجريدة أن أرباب هذه المحلات يستقطبون لصالحهم مجموعة من المرشدين السياحيين من أجل أن يستقدموا السياح إليهم مقابل عمولة متفق عليها، وأضافت المصادر ذاتها أن هذه البازارات والمطاعم تزايد رأسمالها بشكل مطرد خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تزايد أرباحها، فأصبحت تحتكر عمليات البيع للسياح الأجانب بفضل تشعب علاقاتها مع المهنيين والفاعلين في القطاع، وفي  السياق نفسه صرّح صاحب محل صغير لبيع المنتوجات التقليدية بساحة جامع الفنا أن أرباب "البازارات الكبيرة" باتوا يحتكرون عمليات البيع بشكل كبير ولا يتركون لباقي التجار الصغار أمثاله سوى الفُتات، وأورد المتحدث ذاته أن هذا الاحتكار تسبب في كساد العديد من المحلات التجارية التي لم تقو على هذه المنافسة غير المتكافئة، ولم تصمد كثيرا في مجابهتها لارتفاع مصاريف الكراء، واضطرت نتيجة محدودية شبكات علاقاتها مع المتحكمين في القطاع السياحي إلى تشميع محلاتها والاتجاه إلى ممارسة أنشطة أخرى.

تنتشر البازارات الكبيرة التي تستحوذ على النصيب  الأكبر من كعكة الرواج السياحي بحي القصبة وبدرب ضباشي، وعلى طول الطريق المؤدية إلى المنطقة الجبلية "أوريكا"، وفي نقط متفرقة من الطريق المؤدية إلى مدينة الصويرة...للتأكد من صحة ما يروج عن بعض "البازارات" التي تقوم ببيع منتوجات الصناعة التقليدية للسياح الأجانب بأثمنة خيالية تتجاوز نطاق المعقول، قصدنا أحد البازارات المعروفة بعمليات بيعها الاحتيالية بدرب ضباشي وانتظرنا إلى أن جاء وفد سياحي يتقدمه أحد المرشدين ثم دلفنا بعدهم، سألنا عن سعر إحدى منتجات الصناعة التقليدية فلم يعرنا عامل المحل أدنى اهتمام، وصوّب كل اهتمامه اتجاه السياح الأجانب، سألته إحدى السائحات عن سعر صندوق خشبي متوسط الحجم، فأجابها ب: 1700 درهم ثم شرع في تعداد مكوناته وطريقة صنعه بحماس شديد، محاولا إقناع الزبونة الأجنبية أنها لن تجد نظيرا لذلك الصندوق التقليدي بالسعر الذي اقترحه عليها، علما أن سعره الحقيقي لا يتجاوز 40 درهما على أكثر تقدير، أما المرشد السياحي فقد اتخذ لنفسه مجلسا غير بعيد عنهم يشرب فنجان شاي ويراقب عمليات البيع الخرافية، علمنا عن طريق أحد العارفين بخبايا هذا المجال، أن المرشد سيعود في وقت لاحق لكي يستلم "الجعبة" عمولته النقدية من صاحب المحل، مضيفا أن هذا هو السيناريو المتعارف عليه بين الفاعلين في هذا القطاع، والبازار الناجح هو البازار الذي يتوفر على أكبر عدد ممكن من السائقين والمرشدين الذين يأتوه بالسياح الأجانب.

الأمر نفسه ينطبق على أصحاب المطاعم ولو بهامش ربح أقل نسبيا مقارنة مع أصحاب "البازارات" لأن أسعار الوجبات والمأكولات تكون محددة سلفا في قائمة المعروضات الغذائية، وتتركز هذه المطاعم بشكل خاص بحي جليز وببعض دور الضيافة بالمدينة العتيقة ونواحيها، وهي من المطاعم التي لا تعترف بمعنى الأزمة لأنها دائمة الرواج، وفضاءاتها لا تكاد تخلو من الوفود السياحية من مختلف الجنسيات خلال فترات المد السياحي، وينفق أرباب هذه المطاعم على المرشدين والسائقين بسخاء كبير لكي يضمنوا ولاءهم ويُبرمجوا مطاعمهم ضمن محطات توقف جولاتهم بالسياح الأجانب.

وفي الوقت الذي تستأثر فيه هذه المطاعم المحظوظة بكم مهم من الأرباح المالية، فإن مطاعم أخرى أوصدت أبوابها وسرّحت عمالها بعدما عجزت عن ضبط موازنة مداخيلها ومصاريفها، وهذه المطاعم المحظوظة تشكل أقلية معروفة في أوساط المهنيين والفاعلين في القطاع السياحي وطريقة اشتغالها لا تكاد تتغير مع تغير الوجوه المُقبلة عليها من السائقين والمرشدين السياحيين.. فالقاعدة ثابتة والربح مضمون...

 

الفنادق المصنفة والاستغلال المجحف للعاملين المتدربين

 

هي فنادق معروفة على الصعيد العالمي، تقصدها شخصيات مرموقة من عالم الاقتصاد والسياسة والفن والرياضة، وهي من أولى الفنادق بالمدينة الحمراء التي تستفيد من المد السياحي، تستأثر بالنصيب الوافر من عمليات الحجز، والفائض عن طاقتها الاستيعابية يُوزع على الفنادق الصغيرة ودور الضيافة، وتفرض نفسها بمثابة المخاطب الرسمي أثناء الحديث عن الطاقة الإيوائية بمدينة مراكش (60 ألف سرير)، وأثناء تنظيم ملتقيات أو تظاهرات دولية تنبري لاستقبال الشخصيات المرموقة لأنها وفق وجهة نظر أربابها هي الأولى والأكثر تأهيلا لخدمتها نظرا لتراكم تجاربها في خدمة قادة العالم والنجوم...لكن خلف سمعتها وصورتها اللامعة هاته..تتوارى معالم وجه أخر قاتم، لا يتكلم سوى لغة الاستغلال المجحف لغالبية البسطاء من العاملين لديها، فبقدر ما يجتهدون للرفع من جودة خدماتها بقدر ما تجتهد هي الأخرى في التقتير على تعويضاتهم وترويج آماني "الترسيم" لكي يستمروا في العمل لديها.

فالعديد من العاملين راكموا سنوات طويلة من العمل المضني في مجموعة من المؤسسات الفندقية ثم خرجوا أصفار الأيادي بدون تغطية صحية أو تعويض مالي يكفل لهم توفير بعض الضروريات المعيشية، وفي هذا الإطار صرّح عدد من المتحدثين للجريدة ممن كانوا عاملين سابقين في فنادق مصنفة بمدينة مراكش، أن رؤساءهم استغلوهم بشكل فضيع مقابل دريهمات معدودات من خلال عقود عمل يتم تجديدها كل 6 أشهر، علما أن مؤسساتهم الفندقية تراكم أرباحا مهمة، وإذا كان بعض العاملين يتقاضون أجرة 2200 درهم شهريا، فإن عاملين آخرين أمضوا ما يزيد عن سنتين أو ثلاث سنوات من العمل كعاملين مُتدربين،  ويروي خريجو معهد الفندقة والطعامة بمراكش فصولا من المعاناة التي كابدوها قبل أن يحظوا بعقد عمل مؤقت، إذ يُضطرون تحت ذريعة قلة التجربة التي يواجههم بها المشرفون على المؤسسات الفندقية إلى تكبّد أشهر طويلة من العمل الشاق بدون أجرة، وعند مطالبتهم بالإدماج يتم الاستغناء عن خدماتهم أو التملص منهم بالقولة الشهيرة "ها ضوسيك عندنا سير حتى نعيطو ليك"، فيضطرون إلى إعادة الكرة مع مؤسسات فندقية أخرى على أمل أن يلجوا سوق الشغل ويودّعوا مرحلة "التلمذة والتدريب"، والمثير حسب الشهادات التي استقتها الجريدة أن أرباب المؤسسات الفندقية يتعاملون وفق وجهة نظر شبه موحدة، يؤطرها منطق الرغبة في الاستفادة من خدمات العاملين الجدد بدون تكلفة ولأطول مدة ممكنة، وفي هذا السياق فإن "فندق.س" (5 نجوم) بالحي الشتوي الذي يعد من أكبر وأشهر الفنادق بالمدينة الحمراء يعتمد بشكل كبير على العاملين المُتدربين، إذ تغص أروقته بما يزيد عن 150 عاملا متدربا، وفور انتهاء مدة تدريبهم يتم الاستعانة بأفواج أخرى من المتدربين الجدد مستغلا صفته وسمعته المهنية، وذكرت مصادر جيدة الإطلاع بهذه المؤسسة الفندقية التي تنضوي تحت لوائها 3 فنادق مصنفة معروفة أن نسبة تشغيلها ضعيفة جدا وناذرا ما تُوقع عقود عمل جديدة، من جهة أخرى أفادت مصادر الجريدة أن فنادق أخرى أقل شهرة ومهنية تلجأ إلى وسطاء مأجورين من أجل استقدام طلبة متدربين، لأن ليس لها الاستعداد الكافي للتشغيل والالتزام بحقوق العاملين لديها، بالإضافة إلى أن  منطق اشتغالها هذا يُدرّ عليها أرباحا صافية بتكاليف أقل. ويذكر بعض العاملين أنهم عانوا الأمرّين قبل أن يتم التوقيع معهم على عقود عمل مؤقتة، وعند انصرام مدة تلك العقود يتم تجديدها مرة أخرى وكأنهم يعملون لأول مرة لصالح مؤسساتهم الفندقية، ووفق هذا التحايل أفنى العديد من العاملين زهرة شبابهم من دون أن يتم الاعتراف بهم بشكل رسمي من طرف مشغليهم، وهو ما دفع بعضا منهم إلى تغيير وجهتهم المهنية بعدما تأكدوا أن استمرار اشتغالهم وفق هذه الشروط هو أشبه بالحرث فوق أديم البحر ولن يُؤمن لهم ذلك مستقبلا معيشيا مريحا.

 

مرشدون سياحيون: صمّام أمان اللوبيات السياحية بمراكش

 

يعتمل الجسد المهني للمرشدين السياحيين بجهة مراكش تانسيفت الحوز (حوالي 900 مرشد) جملة من الأورام والمنغصات، التي جعلت أصابع الاتهام تتوجه إلى ناشطين فيه، بالوقوف وراء مجموعة من الممارسات التي تسيء للمنتوج السياحي المغربي ولوجهة مراكش على وجه التحديد، نتيجة تواطئهم مع لوبيات وسماسرة القطاع السياحي، الذين لم يتأت لهم إحكام سيطرتهم واحتكارهم للقطاع لولا الأدوار المحورية والتواطؤية التي يقوم بها عدد من المرشدين السياحيين، حيث يشكلون حلقة وصل بين الوفود السياحية وبين أرباب الفنادق والمطاعم ومحلات الصناعة التقليدية وقاعات التدليك... وبحكم ممارستهم المهنية فهم على دراية تامة بلوبيات القطاع السياحي وباستراتجيات اشتغالها، ولا يتوانى عدد كبير منهم من الانخراط في هذه الاستراتجيات وتوجيه خدماتهم الإرشادية لصالحها (لوبيات) مقابل عمولة متفق عليها، ويذهب بعض المهنيين والفاعلين إلى وصف عدد من المرشدين بصمّام أمان لوبيات القطاع السياحي، ولا يتوانى البعض الأخر عن نعتهم ب"لوبي اللوبيات السياحية بمراكش"

على النقيض من ذلك صرح مرشدون سياحيون للجريدة أنهم يشكلون الحلقة الأضعف في الدورة السياحية، بحيث أجبروا على التأقلم مع إكراهات اشتغال عديدة، ويسعون في خضم التناقضات التي يعرفها القطاع إلى تحصيل الفُتات من عائدات السياحة لتوفير بعض ضروريات عيشهم تقيهم شر سؤال الآخرين، مشيرين في السياق ذاته إلى هشاشة وضعهم الاجتماعي المرتبط بفوضوية التسيير وعشوائية التدابير المنظمة لممارسة المهنة بالمدينة الحمراء رغم وجود القانون 12/05 المنظم لمهنة المرشد السياحي الذي صدر بموجب الظهير الشريف 34.12.1 الصادر بتاريخ 16 شوال 1433 الموافق 4 شتنبر 2012.

 صرح "أحمد حاتم" رئيس جمعية المرشدين السياحيين بجهة مراكش تانسيفت الحوز في وقت سابق للجريدة - من خلال ربورتاج عن الإرشاد السياحي بمراكش تحت عنوان " المرشدون السياحيون بجهة مراكش بين إكراهات الاشتغال وحلم تطوير الممارسة المهنية"-

أن الصيغة الحالية لجمعية المرشدين تسعى إلى إحداث القطيعة مع الماضي وبحث الوسائل الكفيلة لوضع المرشد في المكانة اللائقة به والعمل على إزالة عدد من المعيقات التي تعترض السير العادي لهذه المهنة، مشيرا أن المكتب المُسير اضطلع بوضع برنامج عمل من خلال مشروع "النبراس السياحي" للنهوض بالواقع الحالي للممارسة المهنية، واستشراف مجموعة من الأهداف التي يراهن عليها من أجل تحقيق الإشعاع السياحي للجهة.

وأورد متحدثون للجريدة أن السلوكات الانتهازية والممارسات اللامهنية لبعض  المرشدين السياحيين غير النظامين تنعكس أثارها بشكل سلبي على المنتوج السياحي المغربي بشكل عام، حيث تطفو على السطح بين الفينة والأخرى ممارسات احتيالية وتواطؤية مع أرباب الشركات السياحية و"البازارات" من أجل ابتزاز جيوب الوفود السياحية، فترتبت عنه نتائج سلبية جعلت بعض زوار المغرب ومدينة مراكش على وجه الخصوص يقررون بشكل قاطع عدم العودة مرة أخرى لما تعرضوا له من سوء المعاملة وممارسات الغش والتدليس.

الدولة تتملص من مسؤولياتها اتجاه القطاع السياحي بمراكش

قال وزير السياحة لحسن حداد على هامش الدورة 11 للمناظرة الوطنية للسياحة إن القطاع السياحي يشكل قاطرة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب  حقق نتائج إيجابية ومشجعة خلال السنوات الثلاث الأخيرة  حيث ارتفع عدد الوافدين بنسبة 8 بالمائة وازدادت الطاقة الإيوائية ب 30 ألف سرير فضلا عن إحداث 50 ألف منصب شغل. 

وأضاف الوزير أن هذا القطاع الذي أبان عن مدى مناعته رغم الظرفية العالمية الصعبة  حقق أيضا 174 مليار درهم من المداخيل بالعملة الصعبة ورقم معاملات يفوق 310 مليار درهم، مشيرا أن هذه الحصيلة تبين مدى قدرة هذا القطاع على تجاوز الأزمات وتذليل الصعاب، مضيفا أن الحكومة تؤكد التزامها لجعل الصناعة السياحية رافعة للتنمية ومصدرا لخلق الثروة وإحداث مناصب الشغل في أوساط الشباب.

وتابع أن الحكومة سارت على نهج الدينامية التي أطلقتها رؤية 2010 التي شكلت أرضية وخارطة طريق لاعتماد العديد من المشاريع السياحية المهيكلة... خلف الخطاب الرسمي للحكومة يرى بعض الفاعلين المهنيين أن القطاع السياحي بجهة مراكش تنخره العديد من المشاكل والمنغصات التي تقف وراءها لوبيات مهنية تستأثر لوحدها بكعكة والمداخيل وتقف سدا منيعا اتجاه كل المحاولات والمبادرات الهادفة إلى تأهيل هذا القطاع وضبط الممارسة به لأنها تستفيد بشكل كبير من الفوضى وعدم الهيكلة التي يعاني منها. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه من خلال التصريحات التي تقدم بها الوزير على هامش المناظرة الوطنية للسياحة هو إذا كان هذا القطاع في حالة جيدة ويسير بشكل مطرد من حسن إلى أحسن بارتفاع نسبة عدد الوافدين التي تقدر ب8% فلماذا لا تتمظهر تجليات هذا النمو على المستوى المعيشي للساكنة المحلية؟ وأين تذهب هذه المداخيل ومن يستفيد منها؟

يرى عدد من المهنيين في القطاع السياحي بمدينة مراكش أن الدولة تتعامل بنظرة مزدوجة في تعاطيها مع هذا القطاع، فهي من جهة ترغب في الاستفادة من عائداته المالية، وفي الوقت نفسه تتعامل بمنطق اللامبالاة مع المشاكل التي يتخبط فيها، فما الذي يمنعها من تكثيف آليات المراقبة للوقوف على التجاوزات والاختلالات المهنية التي تقوم بها العديد من المؤسسات الفندقية؟ كما أنها لم تتدخل بشكل فعلي لوضع حد لممارسات الاحتكار التي يقف وراءها بعض الفاعلين الذين يستأثرون بحصة الأسد من المداخيل دون غالبية باقي المهنيين والمواطنيين المراكشيين، بالإضافة إلى أن صمتها عن إكراهات الاشتغال التي تتخبط فيها العديد من وكالات الأسفار ووكالات النقل التي أصبحت على مشارف الإفلاس يدعوا إلى طرح أكثر من علامة استفهام، لاسيما أن تضييق الخناق على سماسرة النقل والأسفار وحملهم على الإحتكام إلى المسوغات القانونية المنظمة، ستكون له انعكاسات إيجابية على مستوى مداخيل خزينة الدولة التي لا تستفيد شيئا من أنشطة سماسرة السياحة الذين يمارسون أنشطتهم بشكل عشوائي بعيدا عن أي تعهد قانوني أو التزام ضريبي.

الاختلالات التي يتخبط فيها القطاع السياحي بمراكش تطرح على المحك اختصاصات لجان المراقبة التي لم تٌقدم – حسب مهنيين في القطاع السياحي- ما كان مطلوبا منها على مستوى تتبع طريقة اشتغال بعض المؤسسات الفندقية وتجاوزات بعض الفاعلين الذين يضربون بالقانون عرض الحائط، مُتملّصين من الواجبات التي تفرض على باقي المشتغلين في القطاع، وفي هذا الإطار أورد بعض المهنيين في تصريحات للجريدة أن بعض لجان المراقبة التي من المفروض أن تسهر على حسن التنظيم والتدبير تغض الطرف عن عدة تجاوزات واختلالات  تتخبط فيها مؤسسات فندقية تسيء للمنتوج السياحي الوطني، فما هي الخلفيات التي تقف وراء هذا الصمت؟ وهل هناك مقابل لذلك؟

 

الفراغ القانوني والتعقيدات الإدارية تتسبب في تهريب العملات المالية المغربية نحو الخارج

 

 يرى فاعلون ومهنيون في القطاع السياحي أن الدولة تساهم في تهريب العملة النقدية للخارج بطريقة غير مباشرة من خلال منعها للمؤسسات الفندقية من تحويل أموالها للخارج، وإذا كان ظاهر هذا الإجراء القانوني يهدف إلى جعل السوق الداخلية المغربية تستفيد أكثر من مداخيل القطاع السياحي، فإن هذا المعطى يُضر بمصالح العديد من أرباب الفنادق الذين تربطهم علاقات تعاقدية مع وكالات أسفار دولية، ولتجاوز هذا الفراغ تم السماح لهم (أرباب الفنادق) بتحويل قدر معين من المبالغ المالية لهذه الوكالات، غير أن الإجراءات القانونية المتبعة في هذا الإطار بطيئة وتتطلب القيام بعدة تدابير إدارية معقدة، وهو ما يحول دون التزام المؤسسات الفندقية بتسديد ما عليها من واجبات مالية لوكالات الأسفار الدولية في الآجال المحددة، وذكر مهنيون في القطاع السياحي أن الوكالات المشار إليها إذا لم تتوصل بواجباتها المالية في أوقاتها المحددة فإنها توقف نشاطها المهني معها فورا، وبالتالي تضيع عليها مداخيل مالية مهمة يصعب عليها تغطيتها من السياحة الداخلية، وأمام هذا الفراغ القانوني والبطء الإداري اهتدى العديد من أرباب الفنادق إلى إقامة وكلاء تابعين لها بعدد من الدول الأوربية يقومون باستخلاص مستحقاتهم المالية هناك، وتوجه باقي مداخيلهم إلى أبناك أخرى أجنبية، وهو ما يعني أن هذه المداخيل لا تُروّج في السوق الداخلي المغربي وتحرم المغاربة والمراكشيين من إمكانيات مهمة يُمكن أن تستثمر في مشاريع تنموية مدرة للدخل، من جهة أخرى يلجأ بعض أرباب الفنادق إلى ركوب موجة المغامرة والتعامل مع أبناك افتراضية  كبنك facto box الذي أوجده أشخاص فرنسيون استغلوا الفراغ القانوني والبطء الإداري المغربي فتمكنوا من خلق آليات اشتغال تسهل المعاملات المالية للمؤسسات الفندقية مع وكالات الأسفار الدولية، وقد تمكن هذا البنك الافتراضي من أن ينال ثقة العديد من أرباب المؤسسات الفندقية المراكشية.. ووفق هذا المنهج يتم تهريب قدر كبير من العملات المالية خارج أرض الوطن من دون أن تتخذ أي إجراءات لوقف هذا النزيف المالي الذي يسدد ثمنه غاليا الاقتصاد الوطني والاقتصاد المراكشي منه على وجه التحديد.

 

مندوبية السياحة ولجنة المراقبة بولاية جهة مراكش تغضان الطرف عن الاختلالات التي يتخبط فيها القطاع السياحي

 

قامت جريدة مراكش الإخبارية بمراسلة المندوبية الجهوية للسياحة بمراكش من أجل معرفة وجهة نظرها حول المشاكل والمنغصات التي يعيشها قطاع السياحة بمراكش، وكذا التدابير والإجراءات التي اتخذتها في حق العديد من المهنيين الذين كانوا وراء مجموعة من الخروقات والاختلالات التي أضرت بسمعة السياحة بمراكش، وأثرت بشكل سلبي على عجلة الاقتصاد المحلي الجهوي وكذلك الوطني، كما استفسرنا مندوبة السياحة في المراسلة ذاتها عن خارطة العمل والاستراتجية المستقبلية التي تعتزم اتخاذها للنهوض بالقطاع السياحي بالجهة...، غير أننا لم نتلق أي جواب عن مراسلتنا هاته، ولم نتفاجأ بهذا الأمر لأنه كان متوقعا، إذ أن  مندوبية السياحة تغيب عنها آليات التواصل مع وسائل الإعلام، والإدارة الحالية تفتقر بشكل حاد لمنطق اشتغال تواصلي مع الصحافة، وفي هذا السياق صرحت مصادر من مندوبية السياحة رفضت التعريف بهويتها أن المندوبة "فدوى الشباني" لا تستطيع الإجابة على أسئلتنا لأن القطاع يغوص حد الغرق في العديد من التجاوزات والاختلالات، وإذا فتحت باب التواصل مع الصحافة فإنها تكون قد فتحت على نفسحها بابا لا تأمن عواقبه وتداعياته الخطيرة على منصبها الإداري، لذلك فهي ترتكن لمنطق الصمت ومنطق الأذان الصماء لكي تتفادى هذا السيناريو، من جهة أخرى أفادت مصادر الجريدة أن المندوبية الجهوية للسياحة بمراكش لم تستطع مواجهة لوبيات القطاع السياحي بالمدينة الحمراء ولم تقو على مجابهتها، لأنها تحكم قبضتها بشكل جيد على القطاع، وهي حاليا أقوى من مندوبة السياحة، مضيفا أن محدودية طريقة اشتغال هذه الأخيرة لا تؤهلها لكي تكون ندا لهذه اللوبيات، لذلك فإنها لا تجرؤ على تحريك المياه الأسنة في بركة القطاع السياحي، وتكتفي بمهامها الإدارية الشكلية من دون أن تتدخل بشكل فعلي لتدبير القطاع بشكل محكم وقطع الطريق على القوى المحتكرة له، من جهة أخرى أورد عدد من المهنيين في تصريحات للجريدة أن المندوبية الجهوية للسياحة بمراكش شبه غائبة عن المشهد المهني وناذرا جدا ما تتدخل، وفي العديد من المناسبات تكون أخر من يعلم وتكتفي بالمُعاينة الصامتة وكأنها غير معنية. وحول البرامج والمخططات الاستراتجية للنهوض بالقطاع السياحي بالجهة أسرّت مصادر الجريدة أن الرؤية ضبابية وغير واضحة لتحقيق الأهداف التي سطرتها الوزارة الوصية في أفق 2020.

من جهة أخرى قامت الجريدة بمراسلة ولاية جهة مراكش تانسيفت الحوز من أجل الوقوف على نتائج وخلاصات لجنة المراقبة للمؤسسات الفندقية ووكالات الأسفار والنقل والإرشاد السياحي.. والتدابير التي اتخذتها في هذا الإطار بتنسيق مع باقي الفاعلين المهنيين والمتدخلين، غير أن مراسلتنا كان لها نفس المآل الذي ألت إليه سابقتها للمندوبية الجهوية للسياحة بمراكش، ولم نتلق أي جواب أو تعليق على الموضوع، فلجأنا إلى مصادرنا الخاصة  - الجيدة الإطلاع على حملات المراقبة التي قامت اللجنة المُختصة في الولاية-  وأوردت في هذا السياق أن اللجنة المشار إليها تتكون من ممثلين عن الولاية وعن المجلس الجماعي والمندوبية الجهوية للسياحة والشرطة السياحية والوقاية المدنية...وقد قامت بعدة حملات مراقبة وتفتيش إلا أن أغلبها باءت بالفشل، إذ أن عناصر من اللجنة المشار إليها --- تضيف المصادر ذاتها- متواطؤون مع عدد من أرباب المؤسسات الفندقية والبازارات ونشطاء في تنظيم الأسفار والنقل، حيث يتم إخطارهم قبل مجيء اللجنة، فتتخذ جميع الإجراءات الإستباقية ويتم إجهاض عمليات المراقبة، في السياق نفسه يتوجه عدد من المشتغلين في القطاع السياحي بأصابع الاتهام إلى لجنة المراقبة بأنها تغض الطرف عن العديد من الاختلالات والتجاوزات التي يعرفها القطاع متسائلين عن مبررات ومقابل هذا الصمت الملغوم.

إن إحجام المندوبية الجهوية للسياحة بمراكش وولاية جهة مراكش عن الإجابة على مراسلتينا يطرح أكثر من علامة استفهام، لاسيما أن الدستور الحالي للمملكة ينص على أحقية عموم المواطنين ووسائل الإعلام في الوصول إلى المعلومة، ويعد هذا الأمر ارتداد عن المبادئ والتوجهات الكبرى التي جاء بها المتن الدستوري وارتضاها المغاربة والمؤسسة الملكية.  

الملف من إعداد: حسن البوهي