أسرة مسرح مراكش تقاوم معاناة الفقر والإهمال بالصبر وبانتظار الأمل القادم من بعيد، فهل من مجيب .... !!؟

في مراكش ودون بقية المدن والأوطان الأخرى، لا يتذكرك أحد، ولا يعطيك حقوقك أحد إلا بعد إسدال الستار على أيام حياة الفنان، فتقام الحفلات والتأبين والمآتم، وقد تدبج القصائد والأشعار في حق أعماله التي أفنا شبابه وعمره من أجل إخراجها وإمتاع الجمهور بها، هذا إن لم تطله يد النسيان ويدفن كانسان عادي يلقى مثواه الأخير.

  هذا هو حال معظم فناني مدينة مراكش، مدينة الفرجة والبهجة والمتعة الحقيقية التي صنعتها وجوه علامة بارزة في ميدان الفن المسرحي التراجيدي والكوميدي، فنانون سجلوا مسارا وتاريخا مع المسرح وهو يخطوا خطواته الأولى نحو الظهور والانتشار عبر ربوع المملكة.

  فنانون ظلوا أوفياء للمسرح حتى وان هو خذلهم مرات كثيرة، إلا أنهم استمروا في عشقه وحبه والعيش من أجله ولو كان ذلك من دون مقابل، فنانون ظلت حياتهم في كنف المسرح سفرا بلا نهاية.... وحكاية معاناة وآلام ومأساة وتحد لمجهول قد يأتي أو لا يأتي..... .

   فنمهم من قضى نحبه وهو يصارع تعاليم معادلة الأيام التي فرضها اختيارهم لفن المسرح، ومنهم من حمل آلامه من منفى المسرح الذي حفر قبره أياد الضياع والحرمان، إلى منفى الحياة في صمت ودونما صرخة قد يسمع صداها في الأفق البعيد الذي قد يسمعهم ويرد الاعتبار لسنوات استنزف فيها المسرح يوما بعد يوم كل طاقاتهم ومجهوداتهم وربيع عمرهم دون أن يعارضوا أو يبخلوا في ذلك إلى حد النهاية التي يستسلمون فيها لقدرهم، ليغادروا الحياة في جنازة مهيبة سيذكر أثناءها انجازاتهم التي لم يعترف بها وهم على قيد الحياة.

  ومنهم من لا يزال على قيد الحياة، ينتظرون ويبحثون في صمت عن طريق الخلاص والنجدة من وهم اعترى أحلامهم وهم أطفال، ومن أمل في العودة إلى اعتلاء عرش الفن في زمن ضاع فيه مجد المسرح، وحكم على فنانيه بالبقاء أسرى الفقر والإهمال والتهميش.

  مسرحيوا المدينة الحمراء لا يمكن أن تنزح أوضاعهم عن هذه المعادلة التي حتمها عليهم المسرح، وكل من يقف على إدارته وتسييره بالبلاد، ولعل خير دليل على هذه المقاربة، رحيل الشاعر والمخرج المسرحي محمد شهرمان الذي غادرنا يوم الخميس الفارط إلى مثواه الأخير، تاركا وراءه أجندة مليئة بالأعمال التاريخية الخالدة في ذاكرة مسرح مراكش والشعر المغربي، إلا أنها وللأسف لم يحتفى بها وهو على قيد حياته حتى نتمكن من تكريس ثقافة الاعتراف بقدراته وإبداعاته التي كانت من الممكن أن تتبلور إلى نجاحات أخرى قد تكون دفنت مع هذا المبدع الوفي والمخلص لعالم لم يعترف يوما بوجوده.

  أما الحالة الثانية، فهي مليكة الخالدي، الفنانة التي لا زالت تنتظر وتبحث عن نبراس أمل سيرسي سفينتها في ميناء الأمن والسلام، حيث ستعاد إليها بسمتها التي فارقتها بعد ما ألم بها المرض ليتركها الجميع، ولتودع عالم المسرح والتمثيل، لترتكن زاوية من زوايا بيتها القديم كمعلمة تاريخية طالها النسيان.

  المسرح وفناني مراكش، هما ملف مخضرم بالعديد من القضايا التي تحمل في طياتها أكثر من علامة استفهام، ملف جمع العديد من ضحايا الأيادي الطاغية القائمة على رأس إدارة أبي الفنون، التي نتمنى أن تحرك قرارات وأن تتخذ مواقف مشرفة في حق هؤلاء الفنانين حتى لا تنسى المدينة الحمراء أبناءها الذين ساهموا بطرقهم في الخاصة والفريدة من نوعها في رسم لوحة مراكش مدينة البهجة والمتعة.       

ورحل  ينبوع الكلمة الجميلة في هدوء وصمت 

  مراكشي الأصل ولد سنة 1948 حنكته ودهائه ورزانته تقارع شموخ جبال الأطلس، رجل عاشق للكلمة الجميلة، كلامه منظوم شعرا وحديثه موزون بأوزان البحور لا يتحدث إلا مدركا معنى الكلام، أنيق ومتزن رزانة الحكماء، الاحترام يتدفق من عينيه وطلاسم وجهه مشرقة على الدوام خفيف الظل يداعب الكلمات بأسلوب خفيف يصنع صورا شعرية متعددة  الأبعاد، يمتع الأذان شعرا و أدبا ويروح عن النفوس بروحه الفكاهية، محبوب المصاحبة والمعاشرة، لا يسمح لجسده بحرية الحركة يمشي متأملا متحركا بدقة وعناية. تسلل إلى عوالم الإبداع،  مولوع  بالمسرح عشقه وارتبط به أشد ارتباط  منذ شبابه، وعانق الخشبة أسحرته  فكان لها وفيا، تفنن وأمتع  كرس معظم وقته للمسرح، معلما وأستاذا للعديد من الوجوه ورموز الفن المسرحي بالمغرب مدرسة كونت جيلا  من الفنانين.

  زجال أغنى الموروث الثقافي المغربي بمجموعة من الأزجال التي تغنى بها الصغير والكبير واستلهمت فضول المجموعات الغنائية فأشبعها نظما كان أبرزها \\\\\\\\\\\\\\\"الكلام المرصع\\\\\\\\\\\\\\\"،\\\\\\\\\\\\\\\"العيون عنيا\\\\\\\\\\\\\\\"  كلماتها ساهمت في توهج مجموعة جيل جيلال  التي تحولت الى انشودة السلام في الملحمة الوطنية المسيرة الخضراء ،كلماتها صامدة أمام الثورة الغنائية الشبابية بل واستطاعة ان تحيى مرة اخرى بعد ان عاود غنائها الكثير من الفنانين كالدوزي والفنانة نبيلة  أدى من كلماته الفنان البشير عبده أغنيتين \\\\\\\\\\\\\\\"خمس نجوم\\\\\\\\\\\\\\\" و ياصانع مجد الأجيال\\\\\\\\\\\\\\\"، أما الفنان محمد علي فقد أدى أغنية جميلة تحت عنوان \\\\\\\\\\\\\\\"عشقي فيك يا بلادي\\\\\\\\\\\\\\\"

  خطاط؛ حروف كلماته ستبقى محفورة في الذاكرة الوطنية، تسلل إلى
قلوب عشاق المسرح في بداية الستينيات ، صنع لنفسه مكانة بين الرواد بعناوين خالدة في التاريخ، بأعمال غزيرة ومتميزة كمسرحية \\\\\\\\\\\\\\\"خدوج\\\\\\\\\\\\\\\"و \\\\\\\\\\\\\\\"التكعكيعة\\\\\\\\\\\\\\\" للمخرج عبد الكريم بناني ومسرحية \\\\\\\\\\\\\\\" نكسة أرقام\\\\\\\\\\\\\\\" و\\\\\\\\\\\\\\\"الرهوط\\\\\\\\\\\\\\\" و \\\\\\\\\\\\\\\"الضفادع الكحلة\\\\\\\\\\\\\\\" التي نال من خلالها جائزة أحسن نص مسرحي سنة 1972، اسهامات ساعدت في إزدهار وتطور المسرح المغربي رجل لا يعرف الطريق الى الفشل شغوف لم يتخلى عن حبه الأبدي، رغم المعاناة التي لم تقف يوما حاجزا في طريق الشغف و الامل، السلاح الوحيد الذي ضمن به الرجل العصامي الاستمرارية .

  مسار حافل وسخاء في العطاء منذ سنة  1969 الى حدود سنة2007 راكم من خلالها تجارب من قبيل دواوين \\\\\\\\\\\\\\\" أحمر وأخضر\\\\\\\\\\\\\\\" \\\\\\\\\\\\\\\" الشموع\\\\\\\\\\\\\\\"\\\\\\\\\\\\\\\" فرحة الشباب \\\\\\\\\\\\\\\" سيدي فلتان \\\\\\\\\\\\\\\"، \\\\\\\\\\\\\\\" بابا عقربة \\\\\\\\\\\\\\\"الاقزام فالشبكة\\\\\\\\\\\\\\\" و\\\\\\\\\\\\\\\" عمي مشقاف \\\\\\\\\\\\\\\"ومن انتاجاته التلفزيونية مسرحيات \\\\\\\\\\\\\\\"خدوج\\\\\\\\\\\\\\\"،\\\\\\\\\\\\\\\"سي مشوار\\\\\\\\\\\\\\\"،\\\\\\\\\\\\\\\"فروج  و فروجة\\\\\\\\\\\\\\\".

  نال التعب والمرض من جسده النحيف بعد ان داق مرارة الاهمال والتهميش ونكران الجميع له  ارتكن الى نفسه، رفض الواقع ومعه صحن سلطات مراكش، التي كرمته متأخرة، وبأي تكريم يا ليتها لم تفعل، فقد أهانت هرم و أيقونة يستحق أكثر من التفاتة، أم أنه يفتقد لجمال نانسي عجرم ورقصة هيفاء !!!،استسلم محمد شهرمان للمنية مودعا زمن العار تاركا زخم معرفي وثقافي يتغدى به يتيم الفكر ويحيا به الانسان .رحل محمد شهرمان عن سن خمسة وستين سنة يوم الخميس الرابع من ابريل الجاري 2013، في هدوء منكسرا ومنطويا على نفسه في ركن بعيد، تاركا من ورائه رسائل شعرية وكلام يوصي بالكرامة والوفاء الذي لم يلقاه يوما في وطن، لزال يتمادى في اهمال الفنانين المغاربة .

 

"مليكة الخالدي": ذاكرة مراكش وإبداعها المدهش، تقع ضحية المرض والإهمال غير المبرر  بعد سنوات من التألق والعطاء مليكة الخالدي تقع بين فكي الفقر والمرض

 

   في سكون وصمت أجبرت على مغادرة خشبة المسرح التي شهدت ميلادها، وبألم ووجع وحسرة لم يكترث إليها احد ابتعدت عن أضواء الكاميرا التي عشقتها عشقا جنونيا، وبنبرة حزينة تترك ميكرفون الإذاعة الذي رسم لها صوتا جميلا عبر الأثير، وبدمعة بريئة وجريئة فارقت عالم النجومية والشهرة الذي ولجته وهي طفلة، وتألقت فيه وهي امرأة تصنع مجدا كرسته صوتا وصورة، وغادرته وهي امرأة ضعيفة، طريحة الفراش ، أسيرة الأسرة البيضاء وسلسلة من تعليمات الأطباء.

  مليكة الخالدي التي عشقت المسرح عشقا جنونيا، وأخلصت له طيلة الست والأربعين سنة، اليوم هي تتكئ على عصا الفقر والقهر والحرمان من أبسط ظروف العيش الكريم. بعدما عاشت أوج نجاحاتها وتألقاتها على خشبة المسرح، وأمام عدسات كاميرات التلفزيون والسينما، وخلف ميكروفون الإذاعة.

   إبداعات كللتها سلسلة نجاحات كرستها مجموعة من الأعمال الفنية التي لا حصر لها كمسرحية \\\\\\\\\\\\\\\"الحراز\\\\\\\\\\\\\\\"، \\\\\\\\\\\\\\\"الزواج بالحيلة\\\\\\\\\\\\\\\"، \\\\\\\\\\\\\\\"هجالة وعريس هبيل\\\\\\\\\\\\\\\"، \\\\\\\\\\\\\\\"مولات الري والشوار\\\\\\\\\\\\\\\"، \\\\\\\\\\\\\\\"الربيب بتريكتو\\\\\\\\\\\\\\\"، \\\\\\\\\\\\\\\"أنا مزاوك في الله\\\\\\\\\\\\\\\"، والسلسلة الإذاعية \\\\\\\\\\\\\\\"با رزوق\\\\\\\\\\\\\\\" والمسلسلات التلفزونية \\\\\\\\\\\\\\\"أولاد الحلال\\\\\\\\\\\\\\\"، \\\\\\\\\\\\\\\"من دار لدار\\\\\\\\\\\\\\\"....، وكذا الأفلام السينمائية \\\\\\\\\\\\\\\"رصيف السكة\\\\\\\\\\\\\\\"، و\\\\\\\\\\\\\\\"الطريق إلى كابول\\\\\\\\\\\\\\\".

  أجندتها المليئة بترسانة من الأعمال الفنية الخالدة تتراءى كل يوم أمام أعين مليكة وهي مرتكنة زاوية من زوايا بيتها القديم الذي يشكوا بدوره مرارة الأيام والإهمال الذي لحقا به بدرب الساقية بحي سيدي يوسف بن علي. وسط غرفتها الصغيرة، وبين جدرانها المتهالكة تعيش مليكة الخالدي أسيرة ماض خلدته بيديها وبجمالها وبموهبتها الفنية التي كانت محط أطماع كل الأسرة الفنية. ذكريات استوطنت في رحم ذاكرة مليكة الخالدي وأبت أن تخرج منها قسرا أو حتى اختيارا، لتزيد من عذابها وألمها النفسي إلى جانب معضلة جسدها الهامد الغير القادر على الحركة.

   قصر شامخ من الإبداع الفني والعطاء اللامتناهي تهدم لبرهة ليضيع حصاد الست والأربعين سنة في فراغ الخواء، لتتمزق أجنحتها الملساء لتصير أشلاء لتتماهى معها أحلامها في الأفق البعيد، ولتبتعد حيث اختفت صحتها التي أنهكها المرض وفقر الحال الذي لم يتوقف عندها فحسب، بل ذهب ليشمل أسرتها التي كانت تعتمد على مدخول مليكة رغم تواضعه إلا أنه كان كافيا مع مدخول زوجها عبد السلام الخالدي لتغطية مصاريف الحاجيات اليومية للأسرة.

  رحلة فنية وجولات كثيرة قامت بها مليكة الخالدي رفقة فرقة الوفاء للمسرح، رحلة انتهت بها إلى مرساة اختار لها القدر في أن تكون سريرها الذي استقبلها جثة هامدة منهكة وغير قادرة على الحركة بسبب شللها النصفي الذي شل حركتها ومسيرتها الفنية، مرحلة صعبة وصلت إليها في خضم وداع للأحبة وتجاهلهم وهي في أوج احتياجها لمن يدعمها بعدما تخلى عنها أبو الفنون مخلفا وراءه تبعات الوداع وأحلام من قناع وهمهمات اللوم والعتاب، تركها وحيدة غير آبه لما آلت إليه، آخذا معه أسارير عنفوان شبابها لتصارع أمواج الزمن والعباب بأشرعة من ضياع أتلفها الإنسان والإهمال، بعدما صدت أمامها كل الأبواب التي دقتها وهي تبحث عن سبيل الخلاص والانعتاق من ركام السنوات التي أفنتها وهي تخدم المسرح من أجل أن ترسم ابتسامة على محيا الجماهير ومحبي الفرجة المسرحية المتألقة والمتضمنة لجميع شروط الفرجة الحقيقية الممتعة.

   لم تعلم مليكة الخالدي يوما أن هذه البسمة ستفارق شفتاها لتنقلب إلى دموع ورموز حزن وتعاسة وشقاء يستحيل أن تفك شفراتها مهما طال الزمن.

  مأساة صارت معها أيام مليكة الخالدي ضبابا تتصارع في ثناياه مع الزمن ووزارة الثقافة التي أهملتها وتركتها فريسة للعوز والفاقة والحسرة على زمن ضاع لم يخلف إلا الشلل وغرفة ضاقت من فرط التفكير الغير المجدي والانتظار اللامبرر.

  ذلك يوم صعب .... وزمن صعب حين اضطرت مليكة الخالدي مجبرة لا مختارة على أن تعيش منزوية ومنفردة، محاصرة بعدد من الأقلة الذين يسألون عليها من رفقاء الدرب الفني، الذي تربع على عرشهم الفنان عبد اللطيف طاهور الذي يرى مليكة الخالدي فنانة مقتدرة، ضحت من أجل الفن، تضحية ينبغي أن تتوج بمقابل قد يساعد مليكة الخالدي على مواجهة صعاب الحياة ومصاريف العلاج، حتى تنعم هذه الفنانة بظروف عيش كريم.

  وفي هذا الصدد يقول الفنان طاهور « من أجل رد الاعتبار لهذه الفنانة طرحنا فكرة بتنظيم حفل تكريمي لهذه الفنانة وذلك بالتنسيق مع جمعية النساء الحركيات فرع مراكش، وذلك بجمع التبرعات المالية التي ستسهر عزيزة بوجريدة رئيسة هذه الجمعية على جمعها من بعض المحسنين ».

  أما عزيز بوجريدة، رئيسة جمعية النساء الحركيات، تجد مليكة الخالدي نموذجا لامرأة مراكشية فنانة استحقت التقدير والاحترام، وفي إطار الأنشطة الجمعوية لهذه الجمعية والتي تهتم بالمرأة والفتاة المراكشية، وكذا فناني المدينة الحمراء بإقامة عدة تكريمات لمجموعة من الفنانين المراكشيين وغيرهم من باقي المدن الأخرى، كأمل التمار وعبد القادر مطاع ...، حيث أكدت عزيزة بوجريدة على إقامة تكريم لمليكة الخالدي التي أصبحت طريحة الفراش دون معيل لها، وذلك بتقديم مساعدات مادية لهذه الفنانة، هذه التظاهرة ستعرفها مراكش في الأيام المقبلة.

  كما أضافت «.... ونتمنى أن تلقى هذه البادرة تجاوبا من جميع الجهات، وأن تكون حدثا فاعلا قادرا على إخراج فنانتنا القديرة من أزمتها المادية والصحية، وعلى أن تكون فعلا ايجابيا مساهما في تحريك الجهات المعنية بالأمر ووزارة الثقافة من أجل الاهتمام بالفنان المغربي بشكل عام وبفناني مراكش بشكل خاص، وكذا دعمهم بمختلف الوسائل حتى تتم مساعدتهم على تجاوز محن الوضعية التي يمكن أن يؤولوا إليها بعد انقضاء عطاءاتهم الذي قد يكون المرض سببا فيه أو العمر الذي قد يقف حائلا بين الخشبة وعشقهم الجنوني للمسرح».

  وفي كلمة له بحق مليكة الخالدي، يقول المخرج المسرحي عمر الجدلي: «  تعتبر الفنانة الحاجة مليكة الخالدي أحد الأسماء المسرحية الرائدة التي ارتبط تألقها بفرقة الوفاء المراكشية، وقد كانت من الفنانات الأوليات اللاتي اعتلين خشبة المسرح ضدا على النظم التقليدية السائدة في عقدي الستينيات والسبعينيات، وتحتفظ الذاكرة المسرحية بدورها المتميز \\\\\\\\\\\\\\\" عويشة \\\\\\\\\\\\\\\" في مسرحية الحراز التي قدمت أمام الملك الراحل الحسن الثاني رفقة رواد الوفاء المراكشية بلقاس وعبد الجبار الوزير وعبد السلام الشرايبي وباقي أسماء الزمن المسرحي المراكشي الجميل، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر...الجدير بالذكر في هذه الشهادة هو الوضع الصحي المزري الذي تعيشه فنانتنا أو عويشة الحراز، هذا الوضع الذي يندى له الجبين، خصوصا والمرأة أعطت الكثير للمسرح المغربي وحالتها يعرفها العادي والبادي بعدما كتبت عنها وسائل الإعلام دون أدنى تجاوب من لدن الوزارة الوصية، مما يفتح قوسا عريضا حول وضعية الفنان المغربي الذي يفتقر إلى الرعاية الاجتماعية والصحية دون تقاعد أو اعتبار في مراحل عمرها الأخيرة، ويكفينا هنا أن نشير إلى وفاة الفنان المخضرم محمد شهرمان الذي صارع المرض لشهور وشهور دون أن يجد أدنى عناية أو اهتمام. فرحل مخلفا وراءه علامة استفهام حول حقيقة وضع لا يمكن أن تحجبه الروتوشات ومساحيق التجميل، وخصوصا في مدينة مراكش التي طفح الكيل بفنانيها المسرحيين الذي يبخسون حقهم في الشغل وفي العناية وفي الدعم وفي الرعاية الاجتماعية.

مليكة الخالدي صاحت بأعلى صوتها وهددت بمسيرة من مراكش إلى الرباط وبإضراب عن الطعام دون أن يلتفت أحد. هي الآن بيننا حية ترزق لكنها في حاجة إلينا، الآن وليس بعد فوات الأوان. لم تنصف هذه المرأة ولم يتعامل مع ملفها، مع أنها لا تطلب سوى تدخل للاستشفاء كما حدث مع زملائها في مدن أخرى كالدار البيضاء وغيرها من المدن الأخرى».

  

إهمال وزارة الثقافة ووالي جهة مراكش، يثير غضب \"مليكة الخالدي\"، التي هددت بمسيرة اعتصامية اتجاه الرباط على متن كرسيها المتحرك

 

  طفلة بريئة عشقت المسرح، أحبت الوصول إلى النجومية، قدمت كل ما لديها من عطاء ووقت لخدمة الفن، تألقت وأبدعت في أعمالها الفنية، فكانت فنانة مسرحية مبدعة ألفت فرجة ومتعة لا يمكن أن ينسيا من ذاكرة أبي الفنون، وممثلة ألهمت مشاهدي القناة التلفزيونية برزنامة من المسلسلات والسلسلات التلفزيونية، وسينمائية متألقة وراقية في الفيلم السينمائي \\\\\\\\\\\\\\\"الطريق إلى كابول\\\\\\\\\\\\\\\" وغيره.

   حلمها بالنجومية أوصلها إلى الشهرة وإلى قلوب الملايين من المغاربة الذين لا زالوا يتذكرونها من خلال لقبها بالتايكة.

  الفنانة مليكة الخالدي، مسيرة فنية كللت بنجاحات لا زالت عالقة في ذاكرة الفن المراكشي والمغربي بشكل عام، ومأساة ومعاناة تجرعت مرارتها لوحدها أمام غياب ولا مبالاة الجهات المعنية بالأمر.

  فصول حكايتها، كانت مصدر إعجاب ومفخرة بفنانة مراكشية استحقت لقب المرأة النموذج، ومنعطفا مليئا بالمآسي والأحزان والمعاناة والإهمال الذي حير العديد من الجماهير الواسعة والجريدة التي زارت مليكة الخالدي في بيتها بدرب الساقية بحي سيدي يوسف بن علي، حتى تتمكن من الوقوف على حقيقة وضعها الصحي ومعاناتها اللامتناهية التي أنهكتها وجعلتها فريسة للمرض.

·        بداية لنتكلم عن بدايات المشوار الفني لمليكة الخالدي مع المسرح؟

  بداياتي مع فن المسرح، كانت مع أول دور أرشح له في مسرحية \\\\\\\\\\\\\\\"الحراز\\\\\\\\\\\\\\\"، أتذكر جيدا دور عويشة الذي رسم معالم مساري المهني الجديد الذي اخترته وأنا في سن الخامسة عشر من عمري، أحببت هذا الدور كثيرا الذي كان لي أول خطوة لي في عالم الفن الذي أحببته وعشقته بجنون. 

·        رأي مليكة الخالدي في وضعية الفنان المراكشي، وفي وضعك كفنانة تعرضت للإقصاء والتهميش بعد تعرضك للشلل النصفي؟

  مقارنة مع باقي فناني المدن الأخرى، الفنان المراكشي وخاصة بمجال المسرح هو أكثر عرضة  للإقصاء والتهميش وخاصة في الحالة التي يصاب فيها بمرض مزمن، حيث يجد نفسه منعزلا ومنزويا ومعرضا للإهمال والتناسي المتعمد من رفاق الدرب والجهات المعنية بالأمر، ووضعي اكبر دليل على ما يعانيه فناني المدينة الحمراء من تهميش وحيف من لدن وزارة الثقافة وباقي الجهات الأخرى.

·        بعد إصابة مليكة الخالدي بالشلل النصفي، ألم تتلقى أية عروض فنية يمكن أن تلائم وضعيتها الصحية؟

  بعدما ألم بي هذا المرض، وغبت عن الساحة الفنية لم يقدم لي أي احد يد العون وأنا في ظل أزمة خانقة أرهقت كاهل أسرتي التي تتجرع معي مرارة مأساتي، فإلى جانب الألم الجسدي والنفسي وألم التوقف عن العمل وألم الحنين إلى الأضواء والنجومية، تعرضت إلى ألم اشد خطورة على الفنان، ألا هو جحود الآخرين ونكران الجميل، وكأن مليكة الخالدي لم تقف يوما على خشبة المسرح، ولم تقدم يوما عملا كان عاملا في إنجاح المسرح وفي زيادة جماهير أبي الفنون.

·        كيف ترى مليكة الخالدي وضعية المسرح المراكشي اليوم؟

  مات المسرح مع جيل عبد الجبار الوزير، بلقاس، احمد الشحيمة الذي لازال يصارع ويواجه تحديات المسرح مع غيره من الفنانين.

  وعلى الرغم من تيسير ولوج عالم المسرح والتمثيل بالتخرج من معاهد فنية متاحة أمام الجميع، ومن  دعم وزارة الثقافة الذي أصبحت تحظى به أغلب معظم الأعمال الفنية، إلا أن المسرح مات، وفقد وميضه، وتوقف عند ميناء شيوخ المسرح. أمثال عبد الجبار الوزير وبلقاس واحمد الشحيمة وغيرهم الذين قدموا الكثير لمسرح المدينة الحمراء.

·        جمود مسرح المدينة، هل هو راجع إلى عدم وجود مواهب كفأة غير قادرة على رفع شعلة المسرح أم أن هناك عوامل أخرى ساهمت في هذا الجمود؟

  كما قلت مسبقا أرضية ولوج المسرح هي مفروشة لكل من أراد أن يصبح ممثلا مسرحيا. لكن الموهبة غير متوفرة، حتى المواضيع التي يصفق لها الجمهور أصبحت عادية غير قادرة على تحريك حسن المتعة الفرجوية عند المشاهد، وهذا راجع إلى كون الجيل الحالي غير مبالي لجوهر العمل المسرحي بقدر ما هو مهتم بالمظهر الخارجي للفنان.

·        التكريم الذي خطب به مليكة الخالدي بمناسبة اليوم العالمي للمسرح سنة 2011، هل هو كافي ومنصف مقارنة مع الأعمال التي قدمتها خلال مسيرتك الفنية؟

   تكريمي بباقة زهور وتحفة فنية....أمام تجربتي المسرحية والتلفزيونية والسينمائيةالتي دامت 46 سنة تكللت بعطاءات ومجهودات بذلتها طيلة السنة مقابل اجر مهني زهيد لا يمكن أن يغطي حتى تكاليف الجولات الفنية التي قمت بها من اجل عرض الأعمال المسرحية التي شاركت فيها كممثلة عادية آو حتى كبطلة، غير كافي بالنسبة لممثلة محتاجة إلى دعم واعتناء كبيرين.

·        أمام الإقصاء والتهميش الذي تعرضت إليه، الم يجعلك تندمين يوما على المجهود والوقت الذي أخذه منك الفن في سبيل ترسيخ ثقافة مسرحية مراكشية يمكن أن تضيع يوما ما بسبب إهمال المسؤولين؟

  مأساتي مع المرض، وغياب التغطية الصحية للفنانين المسرحيين الذي لم تتخذ في حقها تعاضدية الفنانين أي قرار، كان سببا رئيسا يبرر ندمي على السنوات التي ضيعتها في خدمة شيء سينكرني يوم احتياجي إليه.

  لو عاد بي الزمن إلى الوراء، لما اخترت مهنة الفن ولما تورطت في عالم خفُت بريقه في برهة صدمتني وصدمت من حولي.

·        اليوم، من هو المعيل لمليكة الخالدي؟

  لا يمكن أن أقول زوجي الذي يعمل كمخرج مسرحي يعاني بدوره من مرارة إهمال وقسوة عالم المسرح، فأبنائي وبعض المحسنين يتولون تغطية مصاريفي اليومية وتكاليف علاجي.

·        ماذا تطلب مليكة الخالدي من الجهات المعنية بالأمر؟

  قبل ستة أشهر وجهت طلبا إلى السيد والي جهة مراكش تانسيفت الحوز، الذي لم يكلف نفسه عناء السؤال عني أو حتى مقابلتي، مكتفيا بإرسال مقدم الحي من أجل التقصي عن مضمون طلبي الذي ركزت فيه فقط على مقابلة السيد الوالي، لا أعلم ما دخل المقدم في مسألة  لا علاقة له بها ولا فكرة لديه بما يدور بين الفنان والمجلس البلدي الملزم بدعم الفنان المسرحي، وخاصة عند استذكار خطاب الملك الحسن الثاني الذي أكد على مسألة تخصيص 1% من ميزانية المجلس البلدي لكل مدينة من أجل تمويل المسرح.

  هذا الإهمال والتقصير الذي تعرضت إليه من طرف الوالي ومستشفيات المدينة التي كانت تضع حاجز المادة دائما أمام حصصي العلاجية، جعلني أفكر في تنظيم مسيرة احتجاجية واعتصامية من مراكش إلى الرباط أمام وزارة الثقافة التي لم تساعدني ماديا  كفنانة تحتاج إلى الدعم كما يحصل في باقي المدن الأخرى.

·        علاقات مليكة الخالدي مع رفقاء دربها الفني؟

 منذ أن انزويت في هذا الركن الركين من زوايا بيتي الذي تقتلني فيه العزلة القاتلة والفقر المدقع، وأنا أفتقد رفقاء دربي الذي لم يسأل منهم إلا القلة، كالفنان طاهور الذي قدم لي يد العون في كذا مناسبات كانت ستخلق لي أزمات خانقة لولا تدخل هذا الصديق، بالإضافة إلى طاهور، زارني كل من المخرج المسرحي عمر الجدلي وعبد اللطيف المنياري الذي سأل عني مؤخرا بمناسبة اليوم  العالمي للمسرح.

·        الكلمة الأخيرة؟

  بهذه المناسبة، أطلب من جميع الجهات المعنية بالأمر وخاصة وزارة الثقافة والمجلس الجماعي لمدينة مراكش، ووالي جهة مراكش، بإنصافي ورد الاعتبار لي ولمسيرتي الفنية التي أخذت أجمل لحظات حياتي التي كانت ستكون على أفضل حال لو اتجهت إلى ميدان آخر غير الفن.

   هذا الطلب ينبغي أن يعمم على جميع فناني مدينة مراكش حتى لا يتخبطوا مرارة عشق الفن والنجومية في زمن يعيش فيه المسرح أسوأ أيامه التي زادت من قتامتها إهمال وإقصاء المجلس الجماعي للمدينة الحمراء.