نساء من جهة مراكش آسفي: مسار تألق وإبداع .... ومسيرة نضال وكفاح

شكلت المرأة على ممر العصور حجر الزاوية داخل الأسرة، وذلك بالنظر لما تمثله من أدوار فاعلة في استمرار البشرية وتعاقب أجيالها، ورغم ذلك، إلا انها بقت مهمشة، لا تراعى لها حرمة ولا تنال أي اعتبار، بحيث وصل الأمر إلى وأدها وهي صغيرة مخافة من العار، إلى أن جاء الإسلام وعزز مكانتها وحفظ لها بالتالي حقوقها كاملة غير منقوصة.

 وتزامنا مع تطور المجتمعات، واضطرار المرأة إلى الخروج إلى معترك الحياة إما عاملة أو متسوقة أو لقضاء مآرب شتى، فقد باتت المرأة والوضعية هاته، معرضة للكثير من الإكراهات، والتي قد تتنافى وطبيعتها الأنثوية، مثل التحرشات اللاأخلاقية والعنف  وأشياء أخرى. ولعل هذا ما لم تقبله المرأة بطبيعة الحال، ليبدأ مشوارها الإحتجاجي والتصدي لكل أشكال الظلم.

هذا ومجرد نبش صغير في التاريخ فيمكن القول إن رد فعل النساء قد بدأ منذ زمن بعيد، وبالضبط في 1857 حيث خرج آلاف النساء للاحتجاج في شوارع مدينة نيويورك على الظروف اللاإنسانية التي كن يجبرن على العمل تحتها، وتحت ضغط النضالات والمسيرات المستمرة، نجحت النساء في دفع المسؤولين السياسيين إلى الالتفات إلى مشكلة المرأة العاملة. وفي الثامن من مارس من سنة 1908 عادت الآلاف من النساء العاملات للتظاهر من جديد في شوارع مدينة نيويورك  حيث طالبت المسيرة هذه المرة بتخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال ومنح النساء حق الاقتراع، معترك نسائي ومعركة بات كمحطة للإحتفاء بالثامن من مارس كيوم للمرأة الأمريكية تخليدا لخروج مظاهرات نيويورك سنة 1909.

وإسوة بكل دول العالم، المغرب يحتفي باليوم العالمي للمرأة كل سنة، يوم نحتفل فيه بالمرأة المغربية، وهي مناسبة للالتفات إلى العنصر النسوي وتفقد أحواله وتصويب كل الاختلالات التي تعرقل مساهمة نسائنا في قطار التنمية، ليس بالشعارات فقط كما دأبت على ذلك بعض الجمعيات التي نصبت نفسها مدافعة عن المرأة، وإنما بالنضال المستمر من أجل أن تتبوأ المرأة المكانة التي تستحقها داخل المجتمع، بدون تمييز ولا تبخيس لأدوارها الطلائعية. لذلك فالثامن من كل شهر مارس هو مناسبة لتعميق النقاش في الكثير من القضايا التي تقف حجرة عثرة أمام المرأة وتحرمها من المساهمة الفعالة في تنمية البلد.

ورغم كل الإعلانات والإشهارت التي تبروز المرأة المغربية المناضلة سواء كانت عاملة او موظفة أو حتى ممارسة لمهن حرة، داخل بيتها او خارجها، إلا أن الكثير من الطموحات لا زالت تعتري أحلام العديد من النساء، وخاصة إذا ما قارنا بعدد حالات النساء المعرضات للعنف، وكذا التمييز الحاصل في عدد من الوظائف بين الرجل والمرأة، وكذا إرتفاع حالات الهدر المدرسي بين صفوف الإناث والجهل بشكل عام، وبين صفوف المرأة القروية على وجه الخصوص.

يوم ليس بمنحة لها

يحتفل العالم في الثامن من مارس باليوم العالمي للمرأة كتقدير لدور المرأة في مناحي الحياة المختلفة وليس فقط كونها نصف المجتمع. واستحقت المرأة هذا اليوم الذي إكتسبته بعد مشقة ولم يكن منحة لها.
وكان للحركة العمالية في بداية القرن العشرين آثارها التي أدت إلى الإحتفال بهذا اليوم والذى يتيح لنا فرصة الاحتفاء بإنجازات المرأة .
لم يتم تخصيص يوم الثامن من مارس كعيد عالمي للمرأة إلا بعد سنوات طوال، وذلك لأن منظمة الأمم المتحدة لم توافق على تبني تلك المناسبة إلا سنة 1977م عندما أصدرت المنظمة الدولية قرارًا يدعو دول العالم إلى اعتماد أي يوم من السنة يختارونه للاحتفال بالمرأة، فقررت غالبية الدول اختيار الثامن من مارس. وتحول بالتالي ذلك اليوم إلى رمز لنضال المرأة تخرج فيه النساء عبر العالم في مظاهرات للمطالبة بحقوقهن.

نفس الشيء بالنسبة للمغرب، حيث عرفت الحركة النسائية المغربية ثورة وإن كانت بنسب أقل من نظيرتها بالغرب، إلا أنها كانت لها نتائجها، فخرجت المرأة المغربية من نمط سيدة البيت إلى سوق العمل والشغل، وولجت النساء مدارس المستعمر، واشتغلت بالمعامل، والوظيفة، وولجت العالم السياسي وميادين أخرى عدة، وخير نموذج نتقدم به في هذا الباب، الكاتبة والأديبة والسياسية ابن مدينة مراكش مليكة العاصيمي، أقدم امرأة منتخبة بالمغرب منذ سنة 1976 إلى الآن، شغّلت منصب نائبة رئيس بلدية مراكش مدة 16 سنة، وأول امرأة أصدرت جريدة بالمغرب، مؤسّسة ومديرة لجريدة "الاختيار" ومجلة "الاختيار" سنة 1973، وانخرطت في حركة الشعر الحديث منذ زمن مبكر، ومصدرة العديد من لامؤلفات والداويون والكتابات الشعرية.

المرأة المغربية وثورة فبراير

في العصور القديمة كان صعود المرأة إلى العرش يرتبط بالجمال والإغراء، أو بأشياء أخرى في أحيان كثيرة....، كما كان حال الملكة الفرعونية الشهيرة كليوباترا التي تزوجت من أخيها من أجل الوصول إلى الحكم والحفاظ على دولة البطالمة، كما هو حال شجرة الدر وزنوبيا ملكة تدمر وغيرهن في بلاد الشرق.

 وفي الغرب أيضًا، حيث عاشت ماري أنطوانيت في القرن السابع عشر كنموذج آخر للتسلط والقهر، رغم أنها لم تكن الحاكمة، إلا أنها كانت وراء قيام الثورة الفرنسية بسبب نفوذها الطاغي على زوجها لويس الرابع عشر، والذي أدى مع تفاهة زوجها الملك إلى قيام ثورة ذبحت الزوج والملكة معًا في ذات الوقت وفى نفس القصر الذي شهد سنوات تسلطهما على الشعب.

 ومع ذلك، إلا أن المرأة ظلت كما الجوهر الحقيقي تلمع بريقا أينما حلت وارتحلت، تمكنت من أن تصنع لنفسها ثورة حقيقية، ومن أن تغير صورة المرأة إلى مكافحة قادرة على كل عمل لم تتصوره الأنظمة التي تستعبد المرأة وتغتصب إرادتها. لتعلن بذلك النساء النضال الحقيقي ضد ذهنية المجتمع السائدة، لتثبتن أن المرأة قادرة على خوض غمار السياسة ولعب دور في صناعة القرار ..... مثلها في ذلك مثل الرجل.

رحلة توجت في المغرب بحركة 20 فبراير، حيث أدهشت المرأة المغربية العالم بدورها فى هذه المحطة وما تلاها من فعاليات سياسية، مثلما أدهشت ثورات “الربيع العربي" العالم وأربكت حسابات دول عظمى...

فقد كانت المرأة المغربية حاضرة وبقوة إلى جانب الرجل ضمن حركة 20 فبراير، وخاصة على مستوى المدن المغربية الكبرى، محاولة أن تضع لمستها الأنثوية ضمن دينامية 20 فبراير من خلال مشاركة قوية وواسعة للنساء إلى جانب الرجال في هذا الحراك، خاصة في بعض المدن التي شهدت مسيرات واسعة كطنجة والدار البيضاء ومراكش. مما يدل على توق النساء إلى الحرية والعدالة الاجتماعية والتحرر من نظام الاستبداد. رغم أنها كانت مشاركة جاءت من اجل المطالب العامة مع غياب مطالب خاصة بالنساء.

في يومهن العالمي: نموذج 7 نساء من قلب جهة مراكش آسفي

.... ونلتقي مرة أخرى، نلتئم بهدف التغيير، نجتمع بين دروب الحياة، نعرج على انجازاتها، نرصد مواقفها...... هي أينما كانت... وكيفما كانت... مربية .... موظفة ... عاملة ... أو صاحبة قرار.....هي المرأة النموذج ... آن لها اليوم أن تسطر بكفاحها مثالا لأجيال قادمة....

لطالما ظلت المرأة عبر الأحقاب المتعاقبة ضحية الذكورية المتسلطة التي تحملتها حواء دون غيرها ... وحولتها إلى متاع يشترى ويباع وقتما يُشاء ... وكيفما يُشاء..... ها هي اليوم تزيح الرماد عن حياتها .... يتغير مسارها بفضل نضال وكفاح نساء رفعن التحدي وجعلن من صوتهن أقوى من صوت الرصاص والقاذفات ....  نساء رسمن على خطوط الزمن بصمتهن ... تركن فوق أديم أيام الحياة آثارهن.. . رتبن الأحداث والمواقف والكلمات ليسطرن ترسانة حقوقية نسائية .... تحملن الشاق.... صبرن على ألم العيش .... بنفوس راضية... وقلوب صافية.... جعلن من الحياة معتركا لعلو الهمة ولتكريس حقوقهن ... بكل جدارة وروعة ... فأصبحت قصصهن خالدات.....

هن بنات الشمس التي ترفض أن تتبدل أو تغيب، تنبعث كل يوم من جديد لتنسل عبر خيوطها الذهبية بين غيوم تكاثفت وازداد ضبابها في كبد السماء ومجتمع لا يرحم..... تتباعد وتتزاحم، لتوهج دفئا ونورا ينسدل فوق الجبال الشامخة والتلال العالية والحقول الواسعة، يعاكس سنابل قمحها وأقحوانها ... فتتوهج نورا على نور .... حيث الغسق الوردي يطل، وحمرة الشفق تُضْرِجُ وجنات الكون الساكن، خلف بيوت وجدران وقلوب، يفرشنها بقصاصات ملونة من آمال وأحلام، وينسجنها بخيوط حب وعشق .... يسكن ضفاف الروح، وخلجات القلب، على أنغام صمتهن وصولفاج وجعهن وفرحهن، ليصرن نجوما وقمرا وورودا تتفتح في أزمنة الجفاف ... موسيقا تدب إلى الوجدان لتعمر في الكيان كيانا...

نساء يستحققن أن يتوجن فوق عرش الفرح والحياة، مغربيات جعلن من وطنهن دائم النبض والإشراق و الحياة، بل وجديرات بمسؤوليات أكبر وألقاب أكثر....

"مراكش الإخبارية" وهي في خوض البحث عن نماذج منهن بين أسوار الحمراء وما يحيط بها من مدن وقرى داخل الجهة، عجزت خطواتها عن التقدم في البحث، وضجت مساحاتها بمفردات وتفاصيل عديدة، وقصص كثيرة تنبض بالمحبة والخير والعطاء، ولم يكن بيدها سوى أن تختصر المسافات، وأن تتيمن ببلدة سبعة رجال وبجهة اتسعت أرجاؤها... وأن تدرج نموذج سبع نساء كسرن جدار الزمن، واعتقلن أحلامهن وألبسنها ثوب التحدي ... ليجعلن من المستحيل ممكنا، دون أن يقتبسن من كلمات الشعراء لحنا، أو من قصص الخيال لحنا يعزفن به على أوتار حياتهن المتماوجة...... فرفضن أن يكن قطعة ديكور تؤثث بيوت ذكورية، أو تحف فنية تزركش رفوف أثرية.... فكسرن جدار الزمن ... رسمن خارطة العمر ... أبدعن في مجالات عديدة ... فتركن بصمتهن في الحياة، وصرن نموذج عصرهن. 

سعاد العيادي: أيادي ناعمة جعلت من البيئة درسا يوميا

ما أجمل أن نمر بين فضاءات خضراء تسترق أبصارنا في كل محيطاتها وجنباتها، وما أروع أن نستلقي ولو لبرهة صغيرة بين مكان يعج خضرة ونظافة، ولكن كم من الصعب أن نتناسى من يسهر على ضمان هذه الروعة، بشكل مداوم، دون إغفال أي شذرة يمكن أن تتسبب في إزعاجنا أو تقلق راحة أعيننا.... ومع ذلك فالتاريخ لا يمكن أن يتناسى أو يتغافل ذلك، ولا يمكن أبدا أن يتجاهل جهود سعاد العيادي التي منحتها الأقدار فرصة أن تغرس بكفيها الناعمتين شجرا وورودا وحدائق نتباهى بها عالميا، نعم نتباهى بها دوليا، ونتباهى بسيدة مثل سعاد، سيدة وإمرأة أوقفت نشاطاتها من أجل ان تعيش للبيئة، وأن تجعل كل ما يحيط بنا صديقا للبيئة، إنطلاقا من حيث نتلقى أول التعليم، بمدارسنا الإبتدائية، حيث بلورت فوق أديمها مشاريع كانت فيما مضى مجرد حبر على ورق، فصارت مع السيدة سعاد العيادي شيئا ملموسا وواقعا يفتخر به المغاربة أجمعين، فكانت بذلك أول إمرأة مغربية تتربع على عرش مدارسنا الأيكولوجية التي رأت النور مؤخرا داخل مملكتنا المغربية.

ورغم واجباتها الأخرى في الحياة، ورغم كل ما تأتي به الأقدار من أحزان، ومفارقة الزوج وبنتها الوحيدة التي غادرت من أجل استكمال دراستها بالخارج، إلا ان سعاد استطاعت أن تكمل الطريق لوحدها، وأن تستجمع أنفاسها وأن تكون سيدة ميدانها وميدان كل المغاربة في وقت تخلت فيه سواعد الرجال عن المدرسة البيئية، إلا انه وبفضل هدوء سعاد، وبسمتها الإستثئنائية استطاعت أن تمهد الطريق أمام مدارس كانت فيما مضى مجرد مستنقعات من الاوحال والأزبال، لكنها الآن صارت جنة خضراء توجت كأحسن المدراس الأيكولوجية دوليا، على غرار مدرستي الطيب المريني و11 يناير بمدينة مراكش.

فرغم أنها بنت أسرة العيادي العريقة الأصل والمعروفة سياسيا وتاريخيا، إلا ان سعاد لم تغريها السياسة ولا عالمها، واكتفت بقراءة الكتب والاهتمام بفن العيش، والبيئة، مجسدة بذلك نبراس أمل يضيء العالم وسط عتمة التكنولوجيا واللهث نحو مستجدات العصر وإن كان ذلك على حساب البيئة.

لالة عائشة: أسطورة لكل النساء

عندما تصر على النجاح، لا يستطيع أن يقف أمامك  حائل أو عائق، حتى ولو كان عادات وتقاليد جنوبية متشددة على شيء يعتبرونه مجرد أنثى، كائن لا حول ولا قوة له وسط مجتمع ذكوري لا يعرف إلا أن يصدر الأوامر، متناسيا أنها نموذج على الإصرار والتحدي، ومسار تحاول أن ترسم ملامحه الناجحة عبر تحقيق الذات ونقش معالم المستقبل على قضبان سكك من حديد، بكل ما تحمله العبارة من معاني أصيلة، تتحمل كل المشاق من أجل أن تبني لأبنائها جسرا من الأمل تعبره حتى ترسو بهم فوق شاطئ النجاح...

نعم الكثيرات عرفن معنى هذه العبارة منهن السيدة عائشة الزحفلي، لم تدرس لا بالمدارس ولا بالمسيد، اكتفت بما علمته لها الحياة وهي في سن صغيرة، امتثلت لأوامر القدر وشمرت عن سواعدها لتساعد أسرتها وهي في سن السابعة من عمرها، عمر الزهور، نعم سن اكتشفت فيه مرارة العيش ومرارة أن تكسب قوتها إنطلاقا مما وجدت عليه والديها، بيع الخبز وسط المدينة القديمة بمراكش، وسط طوابير النساء حين وقت كانت فيه النساء تساعدن أزواجهن الذين يطهون الخبز التقليدي، نساء يبعن الخبز بأزقة وساحات مراكش، حين كن المراكشيات تجابهن قوة المستعمر وضيفتنا لالة عائشة طفلة صغيرة تخاف من أن تصوب بندقية أحد الجنود فوق رأسها، فبقدر الخوف الذي اعتراها حينها، بقدر شغفها في أن تبيع كل ما تعينه لها والدتها من قطع الخبز كل يوم. وذلك قبل أن تصير لالة عائشة فتاة يختار لها والدها زوجا في 75 من عمره وهي في السابعة عشر فقط، لترتدي النقاب كأمراة مغربية أصيلة مقبلة على تكوين أسرة، إلا أنها ولحسن حضها اكتشفت فيما بعد فارق السن بينها وبين زوجها السابق، فارق جعل مدة زواجهما تقصر إلى أن حصل طلاقهما، لتعاود التجربة مع رجل آخر، كان وطوال فترة زواجهما التي امتدت لأكثر من 40 سنة مجرد ضيف موسمي، يزور العائلة بين الفينة والأخرى قبل أن يقرر مغادرة الأسرة وأن يعيش بعيدا عن أولاده السبعة ولالة عائشة التي لم يطلقها بعد، وذلك دون أن يحز في عينيه شيء من الأبوة أو الرحمة على سيدة لا حول ولا قوة لها. لا حول ولا قوة لها نعم، إذ كيف لها أن توفق بين السهر على تربية أبنائها أو الخروج من جديد إلى سوق الشغل من أجل أن تكسب قوتها وقوت أسرة ليست بالصغيرة أبدا، نعم كيف لها أن تؤدي باب الأب المعيل والأم الحنون والناهي والآمر والمربي ... داخل أسرة بها 5 أولاد وبنتين، كلهم الآن كبروا وصارت معهم عائشة جدة وسيدة ننحني لها إحتراما وتقديرا.

زهرة: إمرأة بألف رجل

جذبنا سحر أناملها ..... فاقتربنا منها ... لنتعرف أكثر على منتجاتها التي تنوعت في ألوانها وتفننت في تجسيد كل ما يمليه عليها خيالها الخصب والمستوحى من جمال وأصالة المرأة المغربية بلمسات جذابة تستهوي الكل، نعم إنها زهرة أشهر صانعة مسمن بحي المحامدي بمراكش، التي فتحت قلبها لطاقم مراكش الإخبارية وروت له عن كل تفاصيل قصتها مع القدر والبشر، هذا الأخير الذي أراد من زهرة أنثى محطمة، والقدر الذي حكم عليها أن تجابه الحياة ومشاقها وأن تصنع لنفسها مكانة مهمة داخل مجتمع ذكوري بامتياز.

زهرة التي ولجت سوق الشغل وهي في سن صغيرة، تحملت عبئ عائلتها الفقيرة، اشتغلت وكدت في ميادين عدة، قبل أن تختار أن تذهب إلى أسواق الشمال، وأن تصبح سيدة أعمال تنجذب إليها كل الانظار، وذلك قبل أن تختار وجهة مراكش، لتمارس فيها نشاطها التجاري، حيث تعرفت حينها على زوجها السابق الذي حد من كل طموحاتها وترك طفل صغير على مسؤوليتها، طفل صار اليوم رجلا يساند أمه في أنشطتها.

كيف استطاعت زهرة بناء مستقبلها، وكيف تجاوزت محنتها، وكيف ربت إبنها، كيف تحملت مصاريف أسرتها المعوزة، وكيف وكيف وكيف ..... أشياء بالفعل يحتار أمامها الإنسان، وخاصة أن زهرة إمرأة لم تلج الفصول الدراسية كما غرار بقية النساء، بل ولم تكن بيدها أي حرفة سوى ذاك العجين الذي استطاعت أن تصنع منه حلويات ورغيفا وأشياء أخرى لا يمكن لشهيتك أن تقف امامها.

رغم كل الصعاب والمحن، ورغم كونها انثى داخل شارع القواس أحد اهم المناطق الاقتصادية بمنطقة المحاميد بمراكش والمكتظ بالذكور، إلا أنها استطاعت أن تجد مكانها بينهم، وأن تفرض على الكل احترامها، وان يصير اسمها علامة تجارية بامتياز بالمنطقة.

فاطمة تزنيتي.jpgفاطمة تزنيتي: زرعت الحقول من أجل ابنائها

في غمرة التفاعل المجازي المضطرم بين واقع يهفو إلى أحق مراتب الانجساد وبين الجسد الأنثوي الذي لا يدثّره سوى ما كان من إهابه الاستعاري، ولا يملك غير أبجديته المستغلقة والمغلفة وسيرته الكونية المأساوية، تنهض اللحظة الأمومية، طافحة بندوبها، جراحاتها، واحتداماتها..... وتنبلج معها لقطة جذرية، تليدة، وخالصة من كامل الأدران والتشوّهات التي راكمتها أعصر من العماء الروحي والتكلّس العاطفي.

 و مع أنها لحظة أليمة ومكلّفة جدا، إلا أن انبثاقها من عمق متخيّل فردوسي يسكب عليها نكهة لحظة حبورية، جذلانة .... لأن التضحية وهي تنكبّ على الجسد المستهام ... شبقة، دائخة، ومسلّمة في حطام العالم ونعمائه ودسائسه..... لا تصنع هذا الجسد من خلال تماثلاته المفترضة مع جسد عالم معطى، و إنّما هي تكتبه اهتداء بمجهوليته، بالتباس عريه، وبما وراء العري من ممكنات ومستحيلات...

 إنها هي تلك التي تنشئ من مجازها جسدا كوسموبوليتيا لا يشبه إلاّ مطلق عريه، لا تغفل أن تحوّل فضائحية الصفحة إلى نوع من برّانية حميمة لعالم رمزي مستحدث داخله يقيم الجسد إقامة لحظة الحبّ المتخلّقة من نطفة التغريب الخيالي ....

إن لحظة الأمومية تلخصها حكاية فاطمة تزنيتي، حكاية تتفتح عن لقطة معافاة من كلّ الرّطانات، بحيث ولا لغة تعلو فوق لغة البوح، الأسراريّة، الشهوة، و الانغداق السّخي، رغم ما قد توحي به من اعتيادية تظل عمقيا... لحظة استثنائية، منقطعة عن سواها من اللحظات إلاّ فيما يخص كونها لحظة معاناة، فما تجترحه من آلام و مباهج يندلق  للتّو، من فجائية التّماس بين مجازين لاهبين، مجاز الفراق و مجاز المسؤولية، و ما تبتنيه من تواريخ، و مصائر، و فداحات، جميع هذا الذي تعتلج به يجعل من فاطمة تزنيتي نسيجا وحيدا يصارع الزمن وبقايا زواج متناثر بين 3 أبولاد وبنتين وجسد أرملة بلغ  من العمر أشده ...

إلا أن الأقدار شاءت من فاطمة أن تتناسى سنها ذاك، وان تبقى وفية لزوج هاجرها إلى الديار الفرنسية أكثر من 20 سنة، وأن تخرج إلى الأراضي الفلاحية بإقليم الحوز، وأن تبحث عن لقمة عيها وعيش أبنائها من بين المنتوجات الزراعية.

من أجل هذا، بقيت فاطمة تزنيتي وفية لعملها ولزوجها الذي لم تره إلا بعد أن سلمت الأقدار جثته بنعش لم تستطع فاطمة أن تودعه وأن تودع معه أحلامها بلقاء حبيب غاب عمر طويلا، وآمال بلقاء جديد....

نزهة حيكون: رائعة نُقش إسمها بأسوار مراكش

نزهة حيكون.jpgالاختيار لا يأتي متأخرا... الاختيار مصحوب بأول شهقة وعي، تمنحها تلك المغادرة المبكرة من رحم الدفء الأمومي باتجاه الفجيعة التي تأخذ الخطى إلى سوح قد تكون غير مألوفة ومعتادة، الاختيار هو وجود تلك الاكتشافة الواحدة غير المقصودة والمقررة أصلا، تلك النظرات الساقطة للتو المبهورة بالضياء وباللغط، تلك التي تعطي المعاني لهذا الوجود، ولان الوجود الذي تكتشفه الأنثى، غالبا ما يكون مأخوذا من رحم المعاناة ... من لحظة التمسك بالحياة ... إلى لقطة لا يستطيع معها الفرار إلى أيما مكان يرغب أو يريد، ثم إلى رغبة الجمال في مغادرة أوكاره في لحظة بحث عن الاستقرار والاكتشاف الآخر والإبقاء على ألق الروح.

في الآونة الأخيرة اكتسحت المرأة المغربية مختلف المجالات لتبرهن على أن الرجل ليس الوحيد الذي يمكنه انتصاب مراكز عليا داخل السلك الحكومي أو السلك الخاص.

فقوة حضور المرأة المغربية تميزت أيضا بامتهانها لمراكز عليا تماما مثلها مثل الرجال.

فكما شهدنا الرجل داخل قبة البرلمان، فالمرأة أيضا باتت حاضرة لتقول كلمتها وتدافع عن أرائها وأراء غيرها، كما شاهدنا أيضا قوتها في ميادين أخرى كربانة طائرة، طبيبة معلمة، شرطية، ..... وسائقة، وغيرها من المناصب التي تميزت من خلالها على إبهار المجتمع دوما بالجديد... نفس الشيء لسيدتنا نزهة حيكون التي عمقت من أبحاثها، واستطاعت أن تتغلب على وحدتها داخل أسرة لا تتكون إلا من هي ووالدها الذي توفي مؤخرا، وأم أطال الله في عمرها.

نزهة حيكون التي جعلت من القلم سلاحها في الحياة، عمقت من أبحاثها في مجالات الأدب والثقافة، وتوجت بجوائز انطلاقا من إبداعاتها في الساحة الأدبية داخل وخارج المغرب، رغم ميولاتها التي كانت تتجه إلى الدراسات الفلسفية، لكن الأقدار شاءت أن تسجل بقسم الآداب العربية لكون دراسات الفلسفة لم تكن مشمولة في البرنامج الجامعي لمدينة مراكش.

نزهة حيكون تعتبر الزوج في حياتها النصف الثاني، إذ لولاه لما كان هناك نجاح في حياتها، ولما كان اسم نزهة يتردد في المحافل الأدبية وداخل الساحات الفنية والمسارح العالمية.

وإلى جانب والديها وزوجها وأبنائها، تتذكر نزهة حيكون شخصا آخر في حياتها، إنه الدكتور عبد الواحد ابن ياسر الذي قبل بالاشراف على بحثها للدكتوراة بعد انقطاع طويل عن البحث الأكاديمي، و ايضا في كون الفضل يعود إليه في مشاركتها ضمن مسابقة الهيئة العربية للتأليف المسرحي والذي تأهل فيها نص نزهة حيكون "أثواب الهم" ضمن العشرين الأوائل عربيا.

المسار الاكاديمي لنزهة التي تشتغل حاليا أستاذة للغة العربية متوج بعدد من الدراسات والدبلومات والأبحاث التي لا زالت تتعمق فيها ضيفة 8 مارس لهذه العدد، والتي من بينها موضوع: الجسد الأنثوي في المسرح العربي المعاصر.

صباح الخياطي: المرأة التي سطعت بسماء آسفي

ذات صباح خريفي في بداية الثمانينات من القرن الماضي تحول الموسم الى ربيع في بيت آل خياطي بقدوم ومولد ابنتهم صباح، وتيمنا بالصباح الذي أشرقت فيه سميت كذلك، حيث نشأت وترعرعت في بيت كان الاب والأم حريصين فيه على اعطاء ابنائهم القدر الكافي من الحب والعطف والأخلاق الطيبة المترسخة في الاسرة ابا عن جد.

وفي غمرة هذه الاجواء كبرت ولعل حبها للأطفال ما دفعها وبعد اتمام دراستها ان تختار العمل في مجال التربية والتعليم، حيث وجدت نفسها منخرطة في كفاح يومي للتربية والتعليم ومناصرة للعمل الجمعوي من خلال التأطير لمجموعة من الملتقيات والتداريب داخل وخارج الوطن وعلى سبيل الذكر لا الحصر فهي الكاتبة الاقليمية لمنظمة فتيات الانبعات ورئيسة المرصد المدني لحقوق الانسان ونائبة منسق المنظمة المغربية للدفاع عن الوحدة الترابية باسفي، أما على المستوى الدولي فهي حاصلة على جائزة "بلوغ الاخر مخيلة الطفولة والمراهقة" عن المعهد العالمي للمسرح بمدريد سنة2012 وفي نفس السنة مثلت المرأة المغربية في "مؤتمر التحول الديمقراطي لبلدان العالم العربي"ببيروت، كما شاركت في"اللقاء الدولي حول المناصرة" بعمان بالأردن السنة الماضية.

تزاوج صباح خياطي بين عملها الوظيفي كأستاذة للتعليم الابتدائي ودورها كأم في تربية ابنها سعد البالغ من العمر11سنة وتعمل أيضا كعضو فاعل في الجمعية المغربية لتربية الشبيبة، وكمناضلة سياسية أيضا.

ويبدو أن رهانها على التربية وتكوين جيل قادر على تحمل الأعباء والتوجه بكل ثقة نحو المستقبل هو ما يدفعها للانخراط كلية في مجال العمل التربوي بكل تجلياته .

الاحتفاء بامرأة من طينة صباح خياطي هو احتفاء بالمرأة المغربية في أبعادها المختلفة، احتفاء بالأم والمربية والمناضلة والعاشقة لتراب هذا الوطن.

فتيحة بوروس: جمعوية بإمتياز

تجمع ساكنة حي المسيرة لمسار فتحة بوروس كفاعلة جمعوية ومربية استطاعت بفضل ملكاتها وتعدد اهتماماتها أن تنجح في ترجمة أفكارها إلى أعمال ظلت منقوشة في ذاكرة مدينة مراكش.

ولعل إصرار هذه المرأة وانخراطها في مجموعة من المبادرات الهادفة جعل منها نموذجا لسيدة فرضت وجودها وأثبتت قدرتها على كسب رهان التحدي والنجاح في مجموعة من مجالات اشتغالها خاصة قضايا المرأة والعمل الجمعوي والقوافل الطبية والأعمال الخيرية بمختلف أطيافها بهذه المدينة التي شكلت لها فضاء مناسبا لإبراز موهبتها وميولاتها.

وقد اختارت بوروس أن ترسم طريقا على الرغم من الإكراهات والصعوبات، لمسار حافل بالعطاء في مجال العمل الجمعوي من خلال مشاركتها المتعددة في عدد من المحاطت الجمعوية، والتي توجت بقوال طبية، وتضامنية مع الساكنة القطانة في مناطق نائية بجهة مراكش آسفي على وجه الخصوص.

وبعزيمة قوية استطاعت فتيحة بوروس، صقل تجربتها في مجال العمل الجمعوي عبر تبني مشروع يهم المرأة على وجه الخصوص، وذلك عبر فتح الاب لكل النساء الراغبات في تعلم فنون الطبخ والخياطة وصناعات اخرى تعد بها فتيحة في مشروعها الذي إقترب من أن يخرج إلى الوجود.

وعلى الرغم من انشغالاتها بقضايا أسرتها، يبقى العمل الجمعوي إحدى السمات البارزة في مسار فتيحة بوروس التي ندرت جزءا من حياتها لخدمة ساكنة العالم القروي، حيث ناضلت إلى جانب زملاء لها في جمعية المسيرة للتضامن والتنمية في تحقيق بعض من المتطلبات الاجتماعية للساكنة خاصة في المجال الصحي ودعم التمدرس، وكذا مشاركتها بجمعيات تعنى بقضايا النساء والشباب والأطفال.

ولا تخفي هذه السيدة سر نجاحها الذي كان من ورائه شريك حياتها الذي ساعدها في تحقيق أمنيتها كربة بيت وفي اهتمامها بقضايا المرأة التي كانت لها دوافع ذاتية تمثلت في نشأتها داخل أسرة تحب عمل الخير في أي وقت.

وتعمل فتيحة بوروس جاهدة، من خلال هذه التجربة، على تغيير النظرة التقليدية لوضع المرأة عبر قيامها بمجموعة من الأنشطة التحسيسية والتوعوية في محاولة لتكسير الثقافة التقليدية السائدة في المجتمع المحلي التي تعيق إبراز الوضع الحقيقي للمرأة.