ذ: مولاي عبد الحكيم الزاوي

نفسانية التواكل

     ثمة الحاضر أو "نار الأسئلة" التي تلازمه، وثمة "الوعكات السياسية" و"العياء الاديولوجي" و"الكاريزمية الجوفاء" المتطاحنة في زمن الهويات السياسية والعقدية، والاستبلاد المنمط بأقنعة صناديق الاقتراع، التي دفعت بروني كاليسو، واحد من مشرحي منجزنا السياسي المعاصر، يصيغ مقولة "التكرار" كبراديغم محايث لتاريخانية فعلنا السياسي.

  فداخل "الدولة الصارمة" التي قضت بدولنة المجتمع، وبجعل السلطة تنغرس بشكل مثير في فضائنا اليومي، وقامت باستبعاد الإنسان من دائرة الضوء نحو أقبية النسيان، تعليما وتثقيفا، تربية وتنشئة... وعبر مقولة "الدولة المسرح" لرائد انتربولوجيا الأديان المقارنة كليفورد كيرتز، تكونت هذه النفسانية المغربية، العصية على الادراك والاستيعاب، المتمردة على كل مقاسات التحليل النفسي المعتادة، المنحلة من كل التوصيفات السوسيولوجية، التي تربت على الانهزامية والتواكل، على الخنوع والانبطاح، على الاستنجاد بالأجنبي في لحظات التيه والضياع، على الانشداد الوجداني للميثولوجيا، كلما عجز مدركها العقلي عن تفكيك الأشياء، على التماهي مع الاستبداد السياسي، الماتح من تجربة المخزن التاريخية، على الاستسلام الوجودي من الاخر المتفوق في لحظة عدم.

    نفسانية تاريخانية استدمجت القابلية للأشياء، وقضت بأن تكون على هامش الوقائع، كما ارتضت القابلية للاستعمار، كما تفصح عن ذلك "استبانة" العروي الأخيرة، ورضت أن تعيش خارج "مداراته الحزينة"، بل وتقاذفت "طاجين" لحظة الإستقلال بعبارة رجل الإقتصاد الراحل ادريس بن علي، دونما احساس بعمق اللحظة السياسية، وبمسؤولية الزمن التاريخي، وما تقتضيه من حس وطني مرهف، ومسؤولية أخلاقية في تدبير أشد اللحظات عتمة في اسطوغرافيتنا التاريخية، فهل تلخص مأساتنا حاضرا في تواكل نخبنا مع الفساد، في تماهي الحماية "كمنظومة إصلاح نصا" مع تقاليد مغربية منغرسة في وجدان المغاربة، ورعايتها لمغرب الاستقلال ؟

  فمن واجب الإنسان إما أن يموت واقفا على قمة جبل، أو أن يكون ممددا على تبن زنزانة مظلمة، لا منزلة بينهما، فهل أضحت نخبتنا في واقع الحال أقل وطنية وحماسة من نخبة الأمس؟ نخبة علال الفاسي والمهدي بن بركة وعبد الله ابراهيم وعبد الرحيم بوعبيد...؟ وهل العائق الأكبر هو أنفسنا كما أفصح عن ذلك صاحب الاختيار الثوري؟ مستعيضا بنفسه عن نظرية المؤامرة والتكالب الأجنبي التي عمرت ردحا من الزمن في أفئدة مثقفينا دون أن تجد مسوغات لتبرير هذا التأخر الحضاري.

   ولأن "التاريخ دائما معاصر" بعبارة كروتشي، فلأنه يمكننا من إدانة أذناب الاستعمار الجديد، وسدنة تهجير النظريات وتوطين المفاهيم وغسل العقول، وتنميط الواقع، فحينما يغدو الفكر- التاريخ، مجرد وعاء للتوليف ودغدغة العواطف، وحشد الذاكرة بالملاحم، مفتقدا إلى تشخيص وتحليل واقتراح لسرديات كبرى، تجيب عن انتظارات الفرد المغربي، تلتزم بقضاياه اليومية، تنهجس بآلام وأمال من هم تحت، من يئنون في دهاليز النسيان، ومطامير معذبي الأرض، نكون قد غادرنا طوعا الزمن التاريخي دون استئذان، ويكون "مثقفونا" مع قليل من التحفظ والارتياب في حالة نشاز، كمن يصارع طواحين الهواء، ونكون بذلك، نحيا زمن أفيون المثقفين، كما زعم السوسيولوجي الفرنسي ريمون ارون؟ وزمن مكر التاريخ بالتوصيف الهيغيلي، الذي يكتب خفية عن الأنظار، يصعد منه المفبرك، وينغمر الأثير في أجنحة الظلام.

   ولأن الذي يحرك هواجس الواقع اليومي هي القراءة، وخارج أنطولوجيا الحاضر لا معنى للقراءة، في مجتمع يدمن الجهالة والتكلس، ويتنطع بالاستبداد، ويخاصم طوعا الزمن التاريخي، فإن طريق الخلاص، تعدو متعذرة في وصف وضع ألف "الجمود على الموجود" و" الاستقرار في ظل الانحطاط"، وتغدو معه مقولة العروي أكثر معقولية في فهم هكذا واقع "لا يخلصنا من هذه المحنة سوى معجزة"، دونما تعسف على زفرات التاريخ، وتجني على تمردات الزمن، ومصادرة لحقه في الهدم واعادة