"رأي" متسع يخصصه موقع مراكش 7 لأراء متتبعينا وقرائنا الكرام، وكل ما هو مندرج فيه لا يعبر عن رأي وخط هيئة التحرير

مولاي عبد الحكيم الزاوي

المجتمع المدني والبيئة بين التباسات التنظير واكراهات سوسيولوجيا الواقع

      أضحى التفكير في علاقة المجتمع المدني بالقضايا الكبرى للإنسانية، من بين الانشغالات الراهنة اليوم لمختلف مباحث العلوم الانسانية، وتحديدا سوسيولوجيا التنظيمات، كمبحث نظري وتطبيقي يهم تفكيك العلاقات التي تؤسس للممارسة المدنية في علاقتها بالبيئة، هذا الانشغال السوسيولوجي يروم البحث عن مداخل أولية في تفسير وتحليل مظاهر التغير الاجتماعي والثقافي داخل المجتمعات الانتقالية، كبنيات مجتمعية تشهد على استمرارية الأنساق التقليدية في أشكال مدنية حديثة، من خلفية الثابت والمتحول، الاتصال والانفصال، التقليد والتحديث... وقد اعتبرت إشكالية النهوض من معضلة التأخر التنموي منذ منتصف القرن الماضي محور جل تدخلات المجتمع المدني بهدف تذليل فجوة التفاوت، وتجسير التأخر التاريخي، واستكمال شروط واليات بناء الدولة المدنية الحديثة، دولة التنظيمات والمؤسسات والهياكل القانونية. وعلى قدر الأهمية المثلى التي تحظى بها العملية التنموية كانشغال مركزي بالمغرب وخارجه، فإنها لم تعد تخضع اليوم قياسا بالمنجز الجمعوي للعشوائية والارتجالية، وإنما أصبحت توظف استراتيجيات تنبني على التخطيط والحكامة بشكل يتيح تحقيق غايات محددة.
        تتناسل من داخل التمهيد عدة أسئلة كبرى، تسائل منجزنا المدني في تداخله مع الشأن البيئي من قبيل: هل استكمل الفضاء المدني بالمغرب شروط المواطنة؟ وهل استوعبت النخب الجمعوية شروط الترافع عن الساكنة وأولويات المطالب؟ ألا يعيق تصحر النسق السياسي وتكلسه الفكري تشكل الفضاء المدني؟ هل التجربة التاريخية الجمعوية بالمغرب ناجزة للقيام بمداخل أولية للتفكير في أسباب العطب وعسر التحول في سوسيولوجيا التنظيمات؟ هل يمثل الفضاء الجمعوي العمق المجتمعي؟ أم يعكس إخفاقات الانتماء السياسي وفشل المشروع المجتمعي؟ وهل الترافع عن البيئة اليوم يشكل ثرفا أم ضرورة كونية في مجتمع لم يستكمل بعد نضاله الحقوقي؟

    العلاقة بين المجتمع المدني والبيئة علاقة مركبة، ملتبسة، ومعقدة تحمل جوانب متعددة للتفسير والتحليل، تمتح من مداخل متعددة، تعقيد يشخصه الباحث في  إلتباسية تأصيل نشأة مفهوم المجتمع المدني ضمن الثرات الفلسفي للفلسفة الليبرالية، من خلال أعمال الرواد الأوائل، لكل من طوماس هوبس وجون لوك، وأعمال الفيلسوف الفرنسي جون جاك روسو وغيرهم... حول رصد تحولات ومخاضات بناء المجتمع  الديموقراطي من منطلق تأسيس نظريات التعاقد الاجتماعي، تمنح للمجتمع المدني سلطة للتغيير، الرقابة، التأطير والمواكبة...حيث تنتعش سلطة المجتمع المدني وتخفت، هنا وبالخارج، حسب كيفية توزيع السلط داخل الدولة، وفاعلية مؤسسات التنشئة الاجتماعية، ونضج الفاعلين السياسيين والاجتماعيين حول شروط ممارسة اللعبة الديموقراطية. فالمفاهيم الكبرى التي تهيكل مختلف مناحي حياتنا العامة، في المدرسة والشارع،  في الجامعة والإعلام... انتقلت إلينا مع "صدمة الغرب/ صدمة الحداثة" التي ارتبطت بحملة نابليون بونابرت على مصر في بداية القرن التاسع عشر، وبالاهتزاز الوجداني والحضاري الذي أحدثه انكسار اسلي 1844م  وتطوان 1859م، والتي ستسم بداية القرن العشرين بتحولات عميقة ستهشم وستفكك مختلف البنيات التقليدية بمغرب القبائل والزوايا، بمغرب التويزة والتضامن العضوي بتحديد اميل دوركهايم، نحو مغرب ستتم هندسته من طرف هوبير ليوطي، تشريعا وممارسة، حيث ستقتحم الفضاء العام خطابات/ مفاهيم جديدة مع رجة الاستعمار.

     يتغدى سؤال علاقة المجتمع المدني بالبيئة من لحظة الانعطاف الكبرى التي وسمت خطاب المجتمع السياسي الدولي، من ارتباط قضية البيئة بالانشغالات الكبرى للإنسانية وللوجود، التي أضحت هما مشتركا، وقلقا ماكروحضاريا، يهم جميع المجتمعات، شرقا وغربا، على المستوى الرسمي أو الشعبي، تفسره عدة معطيات، وضع كهذا يطرح تساؤلا جوهريا حول موقعنا كمجتمعات عالمثالتية ضمن هذا النقاش الكوني؟

   ويلاحظ المتتبع للشأن السوسيولوجي على مستوى استقراء وتأصيل تاريخانية ولادة سوسيولوجيا التنظيمات ارتباطها بعلم الاجتماع الصناعي من خلال أعمال ألتون مايو  وهنري فايول وفريدريك تايلور بهدف دراسة سيكولوجية الطبقات العمالية، والاقتراب من أحاسيسهم وسلوكياتهم، في المصانع الامريكية ودرجة تأثيرها في مردودية الانتاج.  وفي سياق اخر، تشكل أعمال الأنتربولوجي المغربي عبد الله حمودي بالمغرب اطارا مرجعيا لمحاولة تفكيك ومقاربة نشأة التنظيمات الجمعوية بالمغرب من خلال تساؤل مركزي حول ثنائية الاتصال والانفصال التي تميز هذا البناء المدني بالمغرب، تحول دون بلورة رؤية مدنية فاعلة، ومؤثرة، قادرة على بناء مشروع مجتمعي يقود الفرد المغربي نحو الانخراط في مشاريع التنمية ويساهم بشكل مواطن في التغيير المنشود.   

    من ناحية الاسطوغرافيا السوسيولوجية، يلمس قارئ الانتاج السوسيولوجي بالمغرب راهنا تناسل عدة أبحاث ودراسات تهتم بسوسيولوجيا العمل الجمعوي، وترصد مونوغرافياته تحولاته، هوياته، ثقافاته، وانعطافاته، أملا في محاولة الامساك بشروط الممارسة الجمعوية بالمغرب، وتشخيص مطباتها واخفاقاتها، وعسر اندماجها في خلق ثورة مجتمعية قادرة على تحريك المياه الاسنة، مياه الزمن الرثيب، والبنية الممتدة بتعبير مناصري مدرسة الحوليات الفرنسية.

  يشكل مفهوم المجتمع المدني هاجسا نظريا لمختلف الادبيات السوسيولوجية التي تتغيا تتبع صيرورة نشأة المفهوم، فمبحث سوسيولوجيا التنظيمات نما وتطور في حضن سوسيولوجيا المقاولة وعلم الاقتصاد الرأسمالي للحاجة إلى فهم عميق ميكروسوسيولوجي لديناميات اشتغال الجماعات، والكشف عن أسباب تعتر وتراجع الانتاج، الناتج عن انقسامات العلاقات الاجتماعية من جهة، ولغاية جعل المجتمع المدني يساهم في الاقتصاد المحلي والوطني على غرار الاقتصاد الاجتماعي التعاوني من جهة ثانية.

  ينهجس العمل الجمعوي بالمغرب في عدة اكراهات، فقر نظري وعجز عن إبداع ممارسة مدنية ديموقراطية نقدية جديدة، بأساليب ووسائل تتفاعل مع امال وانتظارات المجتمع. فالتجربة الديموقراطية بالغرب اعتبرت الفكر المدني أس البناء الديموقراطي، فكر مدني يضع مسافة بين الفرد والمؤسسات السياسية، بعيدا عن خطاب التماهي والاندماج من أجل ضمان استدامة النسق، فالعمل الجمعوي يمتح في اشتغاله من نواقص مجتمعية مقلقة، غياب التربية على التفكير، وغياب الحرية، وضيق مجال الممارسة، وبؤس السياسة أمام سطوة التكنوقراط، "فالسياسة طاغية على الكل، والكل سينجر الى الحضيض" كما عبر عن ذلك المفكر المغربي عبد الله العروي في خواطره الصباحية، دون أن ننسى فشل مؤسسات التنشئة الاجتماعية في التربية المدنية، من الأسرة إلى المدرسة والجامعة، ثمة فضاء مدني مرتع لتكنولوجيا الاعلام، ينتج تشوها اجتماعيا، فباختزال المعرفة في المعلومة يتقوى السمع واللمس والمشاهدة ويضأل التفكير. فهل وجود جمعيات  دليل على وجود فكر جمعوي؟ سؤال يسائل التجربة الجمعوية بالمغرب، ثم ألم تعمل الأحزاب السياسية على تعثر نضج هذا الفضاء المدني؟

      فالمجتمع المدني ممارسة يومية، خيار اجتماعي، رهان سياسي ضد الدولة الشمولية من أجل تقييد السلطة التنفيذية، بعيدا عن معسكرات التآخي والتأييد والمجاملات، عندما يكون القول مفصولا عن الفعل، فإننا نتكلم كثيرا ونمارس قليلا كما قال جون زيغلر، وحينما تختزل الديموقراطية والفضاءات الجمعوية في بعد تقني صرف، تصير علاقة الدولة بالمجتمع تشوبها علاقة اليقظة والاحتراس ومحاولة الابتلاع، وممارسة التحكم في كل مداخل الفعل الجمعوي، وإضفاء صبغة السياسة على كل منجز مدني.

     إننا بصدد ممارسة مدنية تروم التزكية لا النقد، التطبيع لا الإبداع، في غياب أرضية موحدة للترافع، وانقسامات الفاعلين، مجتمع مدني يعيد انتاج خطابات المجتمع السياسي، تشييد بنية بئيسة على بساط المجتمع المدني، فلماذا لم يتجدر فكر الاختلاف في البنية المغربية (سؤال المعيقات) وكيف يمكن تجديره في هكذا واقع ( سؤال الممكنات)؟

    علينا أن نعيد مراجعة وقراءة معنى المجتمع المدني، وأن نحدد أهدافه واختياراته الكبرى، هل هو وسيلة للترافع عن قضايا والام المقصيين من مركب التنمية أم أنه الية للارتقاء نحو المناصب والتدرج نحو المجتمع السياسي؟ فالمشهد الجمعوي بالمغرب أفرز ثلاث ثقافات أنتجت ثلاثة خطابات: جمعيات سياسية، جمعيات تكنوقراطية، جمعيات قبلية، أمام ضعف المشهد الاعلامي الذي لا يؤسس لجدال عمومي بناء، ويساهم في انتاج فكر مدني يخترق الفضاء العمومي، فالغائب الأكبر من مسيرتنا التاريخية هدوء الفكر وعمقه وجرأته.

   ومهما بدا للبعض منا الحضور الوازن لتيمة البيئة ضمن أجندة الشأن العام بالمغرب، فإنها تبقى هامشية قياسا بحجم النقاش والتدافع المدني من أجل مصالحة الانسان مع واقعه الايكولوجي، قياسا بهشاشة الأرضية النظرية لمؤسسات المجتمع المدني، إذ يمثل الترافع حول البيئة وقضاياه الكبرى مدخلا نحو بناء وتنشئة الانسان في عالم متغير، تسمه المصالح والرهانات الكبرى، فالبيئة كما وضح عراب النضال البيئي بالعالم بيير رابحي تدخل ضمن رهانات القوة، وكبرياء العظمة وعلياء الاستقواء.

  بدأ خطاب البيئة ينتعش انطلاقا من السبعينات، في زمن تقاطب الإيديولوجيات، الرأسمالية الأمريكية في مواجهة الاشتراكية السوفياتية، حينما جثمت البشرية أنفاسها مخافة اندلاع مأساة انسانية جديدة، تذكر بطيش الانسان وبلاعقلانيته الجامحة وبربريته السادية، فاتجهت الأنظار نحو اتفاقية سالت النووية لكبح هذا الجموح البشري، واستيقظ العالم على فاجعة تشرنوبيل ليكتشف حجم الدمار الذي انتجه بنفسه، لتتقاطر الأسئلة حول المداخل الممكنة لإعادة مصالحة الانسان مع الأرض، وليبدأ النقاش حول التفكير في القمم والمؤتمرات البيئية التي توسع من دائرة التفكير، وتشرك الكل في النقاش.  

  نقاشات تسير بإيقاعات متفاوتة، تسطع وتضمر، هنا وهنالك، حسب رهانات المصالح وتجاذبات القوى الجيواستراتيجية لعالم أنهكته الحسابات، وأضنته الخلفيات السياسية التي تجعل الفضاء المشترك بين الانسانية محور نقاش وجودي، بغض النظر عن الانتماءات العرقية والدينية والمزايدات السياسية والإيديولوجية. من منطلق انغراس قيم الفردانية الجشعة التي زكاها اقتصاد سوق العولمة، وتناسل مرجعيات فكرية تتحدث عن موت المجتمع المدني في زمن عولمة الاقتصاد، بمقتضى تحليلات مدرسة شيكاكو السوسيولوجية الامريكية.

  فالعولمة حولت العالم إلى كازينو تلفه الفوضى، "فوضى خلاقة" باستعارة من كونداليزا رايس، تهلهل السدى الاجتماعي، تحلل الروابط التضامنية، تفكك منظومة القيم والتوجه نحو التفكير البراغماتي المرتبط باقتصاد السوق...فعالم اليوم أضحى يسأم من المجانية والإحسان، ويقبل على العمل المأجور.

  يمكن فهم علاقة الشذوذ بين الانسان والبيئة، بالاشتغال على الذات، ومقارباتها نفسيا، لمحاولة إعادة الإنسان إلى عمقه البيولوجي وأصله الحضاري، ومصالحته مع الأرض/ الأم، بإعادة النظام العام للأشياء، بإقامة ثورة كوبرنيكية  في الفكر والسلوك الانساني تجاه البيئة، غير ذلك، سنردد كثيرا سؤال ادغار موران، إلى أين يسير العالم؟ ونردد معه نظرية الارتطام بالحائط، كنظرية تشهد على هذا الإصرار الممنهج لما تبقى من توازنات المنظومة البيئية. فصناعة الحروب، صناعة الأغذية المسرطنة، صناعة الأمراض كلها تعبير عن الاستقواء الذي يبيح كل شيء.

  في سياق اخر، تسير المقاربة الحقوقية نحو اعتبار الحق في البيئة يدخل ضمن شبكة الجيل الثالث من الحقوق الأساسية، في لحظة يشهد العالم على تأخر مجتمعات عالمثالتية على استكمال شبكة حقوق الجيل الاول، ففي المغرب مثلا لازال النقاش الحقوقي لم يستكمل بعد بخصوص أعطاب الذاكرة السياسية، وتجاذبات سنوات الجمر والرصاص، فهل أصبح النضال حول البيئة زفير المضطهدين؟ وقضية من لا قضية له؟ بعد موت وتصحر بعض القضايا النضالية؟ وكيف يمكن لعالم مشدود بالانقسام أن يتوحد حول المأساة؟ أم أن النقاش حول البيئة يشكل حلقة من حلقات استراتيجيا الالهاء؟

  البيئة تحتاج الى إرادة مدنية صلبة، وإرادة سياسية وحقوقية من أجل الترافع عن حق الانسان في العيش، إرادة كونية تختزل مكنونات الذات البشرية فطريا في الاستقواء، يجب على البشرية أن تنصت إلى حكماء الأرض، إلى منتقدي سياسة الغرب المتوحش، كما عليها أن تراهن على إعادة بناء مدخل القيم الاجتماعية، فهل نقبل بالذئب حارسا لأحلامنا، كما قال الروائي جورج أورويل في رائعته مزرعة الحيوان؟ وهل نقبل بمغرب يحضر نفسه للهاوية؟ فأخطر أصولية تهدد وجودنا في هذا العالم هي أصولية السوق، التي تختفي في قناع ناعم وبارد "العولمة"، علينا أن نعيد بناء "ميثاق جديد مع الأرض"، علينا أن نقوم بفضح امبراطورية العار المتوحشة التي تصنع الفقر المهيكل، والتي تجعلنا نتسابق نحو الفانتزمات التدميرية، ف"البشرية لم تلد بعد الإنسانية".

البيبليوغرافيا:

1- مصطفى صفوان، عدنان حب الله، اشكاليات المجتمع العربي، قراءة من منظور التحليل النفسي، المركز الثقافي العربي، الطبعة الاولى، 2015.

2- الصادق النيهوم، فرسان بلا معركة، ثالة للطباعة والنشر، 2010.

3- امحمد مهدان، السوسيولوجيا القروية بالمغرب، مقاربات وقضايا، 2013.

4- برهان غليون، نقد السياسة، الدولة، والدين، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية،2011.

5- ايمانويل ليفنانس، الزمان والاخر، ترجمة وتقديم، جلال بدلة، معابر للنشر، 2014

Pierre Vermeren , Ecole, Elite et pouvoir au Maroc et en Tunisie au 20 siècle, alizes,20036-

7- جاك لوغوف، التاريخ الجديد، ترجمة وتقديم، محمد الطاهر المنصوري، المنظمة العربية للترجمة، 2011.