مولاي عبد الحكيم الزاوي

غير قليل من صخب

     ألا يزال الغرب يأتمر بفلسفته الأنوارية وينافح بعقله عن الإنسان وسط ركام من الصور البربرية التي تتناقلها وسائل الميديا عن مأساة حلب السورية؟ هل وصل بعِقَاله نحو خيانة قيمه، والتنكر لإنسانيته تحت سطوة اقتصاد السوق وضواري الرأسمال الجشع؟

      قد تبدو انهجاسات عتيقة، لمن دَأب على استغوار شِعَاب فلسفة يورغن هابرماس النقدية، واستأنس بمطارحات أوزوالد شبنغلر، وصيحات فانون وستيفان هيسيل، لكنها تظل أُس فهم الكينونة والوجود، ومُفترضا لسبر دهاليز السياسة الدولية في لحظة فارقة من تاريخ الإنسانية.

     سجالات ساخنة تعود بقوة إلى باحة التداول اليومي، بمتغيرات وأوراق جديدة، سايكس بيكو جديد، بعباءة جديدة، وماهدين جدد، أَوَ لم يقل كارل ماركس أن المجتمعات التي لا تستفيد من تاريخها، تاريخها ينتقم منها.

    لحظة فارقة من انطولوجيا الزمن العربي المتصحر، ممخوضة بعذابات الضمير الإنساني، لبشرية لم تلد بعد الإنسانية L’humanité n’a pas encors accouchée l’Humanité، حَمَّام دم بشري يُهْدر أمام مرأى عدسات الإعلام، ومتعهدي الانسانية،  مُفصحة عن مسيرة جديدة من مسيرات الشر الإنساني المستبطن في عالم ما بعد الحداثة، لغرب تماهى بشكل فج مع ضواريه الرأسمالية، وأضحى متنكرا لقيمه العقلانية من حرية وعدالة وكرامة بإسم اللهث نحو تملك المستقبل، بعدما انتهى من الماضي والحاضر، لغرب أخد يتفرج مزهوا أمام ذئب ينهش شاة.

          التاريخ لا يلعب لعبته الجذرية إلا في التفاصيل الصغيرة، المكروسكوبية، الدقيقة، اللامرئية، تلك التي لا تكاد ترى في بارادايم حصيفي السياسة، ففي تجاويف الهامش والمهمش، يقبع معنى الوجود، وناموس التطور، قد تصادف أشخاص قادرون على التفكير عميقا في فوكو وكانط وماركس... لكنهم عاجزون عن إنتاج فكرة واحدة حقيقية حول الحاضر، حول الحدث، حول المُركَّب، حول الزلازل الدقيقة جدا التي تنمو أمامنا، في السر كما في العلن، حول فهم تفصيل صغير في قلب تفصيل أصغر منه، قد يرسم الأمور الحاسمة، ويصنع معنى للوجود والحاضر، وينأى بنا عن بارديغمات مغلفة.

     لقد سبق لصاحب كتاب الرأسمال كارل ماركس أن قال "أن المثقف الحقيقي هو الذي ينصت لحثيث العشب وهو ينمو". إن من يعتقد أن ممارسة عملية الفكر والتفكير ينصرف نحو الصعود إلى سطح المعرفة الفلسفية لكل من فوكو وكانط وماركس، هو شخص لا يمارس إلا نوع من السياحة الفكرية، ولا يمكنه أن يحفر عميقا في جُبِّ فضائح العقل والسياسة.

   يجب أن ننعي المثقف العضوي، ونستعيض عنه بمثقف آخر، قد يكون صاحب معارف، لكنه ليس صاحب مواقف، قد يكون عَرَّابا لمظلومي البشرية، لكن تفاصيل حياته لا توحي بذلك، قد يكون مؤلفا حصيفا، لكن منشوراته قد لا تقول شيئا خارج اجترارات النظريات، قد يكون غارقا في بُرجه العاجي، لكنه ليس مُعينا للترافع على من هم تحت. المهمة الحقيقية هي أن ندير ظهرنا لفانتازمات المعرفة، وعلياء الأفكار التي تقود نحو الانخراط  في لُجَّة استراتيجية الإلهاء، من أجل أن نعود بالعقل النيتشوي إلى ملامسة قضايا اليومي وميكرواستوريا الحاضر.

    ماذا يحدث حينما لا نقرأ جيدا حفريات التاريخ، ونتعمق في سرديات نيكولا ميكيافيلي بحفر واقعي، سنظل غارقين في كثير من الرومانسية وقليل من النباهة، سنظل خارج منطق الزمان، نلوك أجوبة تنسجم مع ما يعتمل داخل عقولنا، ونلوي الوقائع حتى تتكيف مع مضمرتنا الخامدة.

    على الأرض يا سادة، وفي سياق مأساة حلب السورية، لا خيار يعلو فوق خيارين: نظام بشار المدعوم من طرف الروس، وتنظيم داعش المسنود من طرف قوى خفية، وحينما ينتفي هذا الخيار الثالث، نكون كمن يختار بين الطاعون والكوليرا، وتلك حتمية مجبولة على جرأة الاختيار.

( يتبع)