مراكش الاخبارية |مشروع ترميم القنصلية الدانماركية يستحضر الوهج الثقافي والدبلوماسي للصويرة
 
مشروع ترميم القنصلية الدانماركية يستحضر الوهج الثقافي والدبلوماسي للصويرة

مشروع ترميم القنصلية الدانماركية يستحضر الوهج الثقافي والدبلوماسي للصويرة


حسن البوهي  2018-03-13 20:30:00   560

من المنتظر أن تشهد مدينة الصويرة في الأيام المقبلة انطلاق أشغال ترميم المقر السابق للقنصلية الدانماركية، هذه البناية التي تبقى شاهدة على الإرث الدبلوماسي والإشعاع الثقافي الذي راكمته مدينة الرياح في عهد السلطان سيدي محمد ابن عبد الله، بقدر ما يرى عدد من المتتبعين في مشروع الترميم مبادرة لحفظ الذاكرة وإعادة رد الاعتبار لهذه البناية التاريخية، يتوسم فيه (مشروع الترميم) آخرون مرحلة جديدة لإعادة الوهج الثقافي والدبلوماسي لهذه الحاضرة المغربية واستشراف المستقبل برؤى متفائلة تزكي قيم الانفتاح الإنساني.

نتعرف في هذا الربورتاج على الخصوصية المعمارية لهذا المقر الدبلوماسي وإرثه التاريخي المتواري خلف قاعاته وجدرانه، وطبيعة الأدوار الوظيفية التي سيضطلع بها بعد انتهاء أشغال الترميم.

خصوصية المعمار المغربي تلتئم برونق المؤثرات الفنية الدانماركية..

يعد المقر السابق للقنصلية الدانماركية بالصويرة واحدا من أهم المكونات المعمارية التي تؤثث بنية المعمار التراثي بالمدينة، فإلى جانب اتساع مساحتها التي تمتد على ما يقارب 1000 متر مربع بشارع حمان الفطواكي، فإن مكونات مختلف أجزائها الداخلية –حسب مجموعة من الخبراء والمختصين- ما زالت في وضعية مناسبة تسمح بمباشرة عملية الترميم وفق معايير قريبة من البنية الأصلية، ذلك أن الطابق الأرضي ما زال يحتفظ بجميع دعاماته المنحوتة بالحجر المنجور، كما أن أغلب القاعات بجدرانها التي يتراوح عرضها ما بين 60 إلى 90 سنتمترا ما زالت معالمها في وضعية جيدة، بالإضافة إلى السقف الذي استطاع أن يحتفظ بمقاطع مهمة من الزخارف رغم التدخلات البشرية والترقيعات التي أحدثت به على مر السنين، أما الطابق العلوي فرغم الوضعية المتضررة لأغلب أجزائه إلا أن قاعتين اثنتين تقدمان معلومات مهمة حول الحالة الأصلية التي كانت عليها، ويظهر ذلك في أجزاء من السقف الخشبي المشيد بالتقنية التقليدية "تسيوت" المعروفة على نطاق واسع في النسيج المعماري العتيق بعدد من المناطق بالمغرب، وإلى جانب ذلك تقدم واجهات جدران إحدى القاعات التي تحتل مكانة هامة في مجموع البناية – التي من المرجح أن تكون القاعة التي كان يباشر فيها القنصل الدانماركي أعماله الإدراية اليومية- (تقدم) مقاطع مهمة جدا لزخارف نباتية ناذرة تتداخل فيها مجموعة من الألوان الطبيعية الحمراء، الصفراء، الخضراء والزرقاء، وحسب إفادة عدد من الخبراء والمهندسين المعماريين المتخصصين فهذه الزخارف متفردة بخصائصها التقنية وأشكالها الهندسية، وتخضع عملية إعدادها لمجموعة من التقنيات التقليدية التي تباشرها فئة قليلة جدا من المعلمين بالأطلس المتوسط، وهو ما طرح تساؤلات في صفوف المهتمين حول الطريقة والسياق الذي واكب عملية انتقالها أو استقدامها من المناطق الجبلية بالأطلس المتوسط إلى المدينة الساحلية الصويرة، وفي محاولة للإجابة على هذا السؤال تشير الباحثة مارغريت ماتهياسدوتير MARGRET MATTHIASDOTTIR  التي قامت بإنجاز دراسة تحت عنوان "UN CONSULAT DANOIS AU MAROC" تشير أن المهندس المعماري اطلع قبل اختطاطه للقنصلية على خصائص المعمار المغربي وحاول أن يمزجه بخصوصية المعمار الدانماركي وهو ما تأتى له بنجاح وأعطى للبناية رونقها الخاص الذي يمزج بين بنيتي المعمار الأوربي والمغربي.

عندما تربعت الصويرة على مجد التجارة والعلاقات الدبلوماسية

يؤرخ مقر القنصلية الدانمركية بمدينة الصويرة لرصيد دبلوماسي حافل بعديد المنجزات الثقافية والاقتصادية التي تربط المغرب بدولة الدانمارك في القرن الثامن عشر، وبالرجوع إلى نوستالجيا السياق العام لتأسيس هذا المقر تخبرنا الكتابات والأبحاث التاريخية التي تؤرخ لهذه المرحلة أن السلطان سيدي محمد ابن عبد الله وقع اختياره على بناء مدينة الصويرة ومنائها من أجل تكسير شوكة القراصنة التي ينشطون في إطار الملاحة البحرية في كل من مدينتي أسفي وأكادير، وللحد أيضا من قوة بعض القوى المحلية الصاعدة التي كانت تستفيد من أنشطة القرصنة البحرية من أجل تقوية نفوذها بمنطقة سوس، فكان الميناء بمثابة الحجر الأساس الذي شُيدت عليه باقي مرافق مدينة الصويرة تحت إشراف المهندس الفرنسي "تيودور كورناي" في مرحلة أولى، والمهندس أحمد العلج في مرحلة ثانية، ثم  مولاي إدريس أحد أقارب السلطان سيدي محمد ابن عبد الله في مرحلة ثالثة، ولإضفاء اللمسات الأخيرة على المدينة الساحلية الجديدة ومينائها فكر السلطان بتعميرها، فقام بدعوة قناصل الدول الأجنبية إلى الإقامة بها وأعفاهم من الرسوم الجمركية، كما قام باستقدام رعاياه اليهود بمنطقة سوس الذين عُرفوا بحنكتهم في ممارسة الأنشطة التجارية، وهاجر إليها العديد من الحرفيين والصناع من مختلف مدن المغرب، مما أضفى على المدينة حركية تجارية مهمة بوأتها مكانة متميزة لتلعب دور الوسيط التجاري الذي يربط المغرب بأوربا ودول جنوب الصحراء، لذلك ينعت ميناء الصويرة في الأرشيفات التاريخية التي تعود لهذه المرحلة ب"ميناء تومبوكتو"، كناية عن المحطة التجارية "تومبوكتو" المتوغلة في بلاد السودان، وبفضل الأنشطة التجارية المكثفة التي كان يعرفها الميناء آنذاك عاشت المدينة إحدى أزهى فتراتها الذهبية، وقد لعبت القنصليات الأجنبية دورا محوريا في ذلك، بحيث لم يقتصر بناؤها على الجوانب الدبلوماسية بل امتد ليشمل الجوانب الاقتصادية والتجارية، ففي يوم من سنة 1760 تخبرنا الباحثة MARGRET MATTHIASDOTTIR  أن المهندس الشاب VILHELM SCHRODER عضو الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بالدانمارك تلقى الوثائق التي يحتاجها من أجل التوجه إلى المغرب بأمر من الملك فريديريك السابع لبناء مقر جديد للقنصلية الدانماركية بمدينة الصويرة، مرفوقا بفريق عمل مكون من البنّاء Lambrecht والصباغ Dendas والمهندس الطبيعي kuster، فانطلق الجميع في رحلة طويلة إلى المغرب عبر المحيط الأطلنتي متجنبين قراصنة جنوب إفريقيا الذي كانوا يقتنصون العبيد المسيحيين.

تتلمذ VILHELM SCHRODER على يد الأستاذ والمهندس المعماري المشهور NICOLAS HENRI JARDIN مدير الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بالدانمارك، الذي استطاع أن يدمج خصائص المعمار الكلاسيكي الذي يميز كل من مدينتي باريس وروما في بوتقة معمارية في الدانمارك مضيفا إليها المستجدات الحديثة التي عرفها مجال البناء آنذاك على مدى 15 سنة، فأشرف على اختطاط مجموعة من التحف المعمارية التي بوأت الدانمارك لأول مرة مكانة الريادة على الصعيد الأوربي، بالموازاة مع ذلك لا تقدم لنا الوثائق التاريخية معطيات كافية حول SCHRODER سواء فيما يتعلّق بتاريخ ميلاده أو مكان نشأته أو تاريخ وفاته.. وتكتفي بالإشارة إلى مساره المهني الناجح بالمغرب الذي استهله بمقر القنصلية الدانماركية بمدينة الصويرة وانتهى من أشغال بنائه سنة 1765 وفق أسس تستمد مرجعيتها من الخصوصية المحلية للمنطقة وخصائص المعمار الأوربي، فاضطلعت البناية طيلة النصف الثاني من القرن 18 و19 بلعب أدوار طلائعية على المستوى التجاري والدبلوماسي، وفي هذا الإطار يضيف عبد الفتاح إشخاخ محافظ مدينة الصويرة التابع لوزارة الثقافة والاتصال موضحا أن الجزء السفلي من البناية يخصص لعمليات تخزين السلع والمبادلات التجارية، في حين أن الجزء العلوي يخصص للسكن والمعاملات الإدارية الدبلوماسية، وهذا التقسيم الوظيفي ينطبق على باقي القنصليات الأجنبية الأخرى بالقصبة التي تعرف تمركز أكبر عدد من التمثيليات الدبلوماسية رغم أن الصويرة لم تكن يوما عاصمة سياسية للبلاد.

مقر دبلوماسي قديم.. بوظائف وأسس ثقافية جديدة

منذ الانتهاء من أشغال بنائها بالصويرة سنة 1765 لعبت القنصلية الدانمركية الأدوار الاقتصادية والدبلوماسية المنوطة بها، فكان  لها حسب بعض الكتابات التاريخية دور مهم في تحريك عجلة اقتصاد المدينة وأحوازها، وفي تعزيز دينامية الحوار الثقافي سواء مع المغاربة أو مع باقي التمثيليات الدبلوماسية للدول الأوربية المتواجدة بالمدينة، وسيرا على هذا النهج صرحت زهور أمهاوش المديرية الاقليمية للثقافة والاتصال –قطاع الثقافة- بالصويرة " نسعى إلى إعادة الوهج والإشعاع الثقافي الذي لعبته هذه القنصلية، حيث من المنتظر بعد الانتهاء من عمليات الترميم أن تتم إعادة توظيفه كمركز ثقافي لتعزيز التثاقف الحضاري بين المغرب والدانمارك، وإرساء أسس عمل مشترك يعزز قيم الحوار الثقافي بين الشعوب، وفي هذا الإطار سيتم تخليد ذكرى مرور 250 سنة على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين شهر أبريل المقبل، وستكون مناسبة لإعادة تسليط الضوء على متانة روابط الصداقة والعمل الدبلوماسي منذ تأسيس المدينة" وبالموازاة مع ذلك ستتم برمجة أنشطة احتفالية وورشات دراسية تليق بعمق العلاقات بين البلدين، وتضيف المتحدثة ذاتها أن المقر السابق القنصلية في حلته الجديدة سيساهم في الرفع من دينامية الأنشطة الثقافية التي تعرفها المدينة وفي تغطية الخصاص المسجل على مستوى قاعات العرض، وتسود حالة من الارتياح في صفوف العديد من المهتمين بالشأن الثقافي والتراثي حول هذا المشروع ويراهنون في المستقبل القريب على تجهيزاته ووظائفه الحديثة لتعزيز دور المدينة كمنارة للإشعاع الحضاري ورافعة للاقتصاد الثقافي.



اقرأ ايضا

  2018-12-11
'السيبة والفوضى' تجعل المئات يفكرون في اعتصام مفتوح أمام عمالة الحوز

اقرأ ايضا

  2018-12-10
وفاة ضابط بالقيادة الجهوية للدرك الملكي بمراكش بعد إهماله في مصحة خاصة 

اقرأ ايضا

  2018-12-09
الفرنسيون يرفعون شعار 'مراكش..لا'