البعد الخامس لكورونا

 
البعد الخامس لكورونا

البعد الخامس لكورونا


عبد اللطيف ناجم فؤاد  2020-03-24 20:57:22   555

 

بات جليا وواضحا أننا نعيش فترة مضطربة وهائجة إلى حد ما على مستوى الظواهر والأحداث من حيت الزمان والمكان . ومنذ مدة بدأنا نشعر بهذه الذبذبات أخذت تطفو على السطح و التي يمكن بطبيعتها أن تكون سلبية أو ايجابية على حد سواء .

ولعل السبب في هذا التغيير الذبذبي ليس لغاية سوى أن يدرك البشر ما مدى نجاعة ما جنته يداه من جهة وأن الحياة أكثر بكثير من الآلام والمعاناة ورغم ذلك يمكن القول أننا سنتمكن من مواصلة حياتنا الحالية بحتميتها جنبا إلى جنب مع حياة التناسخات و التجسيدات المستقبلية التي ما إن نتفاءل بها حتى تمسي شؤما واضطرابا في أنفسنا .

سارت البشرية على هذا النهج بسرعة مفرطة في خطاها مبالغة في الثقة بنفسها . لا تبالي نتائج وتداعيات تلك المكننة الحاذقة ذات الوجهين . بعدما سلبها الطمع والجشع والغطرسة كل مقومات الإنسانية حتى غدت تنهك قوى الشعوب الفقيرة المغلوبة وتدك طاقاتها البشرية والاقتصادية. حتى أوهمونا أو على الأقل تزايد إحساسهم وتعالى على المستوى الطبيعي وصاروا يحلمون بالبعد الخامس بمنظوره المادي المحموم بتنافسية الأقوياء وصراعاتهم المختلفة الأوجه نحو الأولوية لبسط الذراع الأقوى ومن ثمة السيطرة والاحتكار والهيمنة .

في خضم هذا الصراع تجاذبت قوى كبارا يتخذون من البشر وقودا لهذه الحروب وبدون هوادة ولا ضمير تجاوزت فيها القوى العظمى المتحكمة كل المعايير التقليدية للحروب التي عرفها العالم في النصف الأول من القرن الماضي . ودخل معها العالم في دوامة المجهول في حرب عالمية جرثومية بدأت ملامحها تلوح بتجارب لا يحمد عقباها ولا قرار إنهائها أو قطع خيوطها الخفية بأيادي القوى المسيطرة التي دخلت في حرب غير معلنة ومفتوحة على كل الاحتمالات قد تأتي على الأخضر واليابس وتزيد الطين بلة لكوكبنا الأرضي الجريح الذي تكالبت عليه المصائب والمخاطر من كل جانب : من الانحباس الحراري و اندثار طبقة الأوزون إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض مرورا بالتلوث إلى ويلات الحروب المفتعلة بين صغار الدويلات بخيوط خفية رفيعة المستوى من القوى العظمى ...

يمكن القول إجمالا أن العالم على تجربة الانتقال من الحرب الكلاسيكية إلى حرب بيولوجية متطورة . ولعل ما نعيشه اليوم في أبهى صور ذاك المجهول الخفي الجائح " كورونا " الذي انطلق من الصين وركب الطائرات حينا واستقل القطارات المكوكية والعادية أحيانا أخرى وامتطى البواخر الفاخرة . تخطى وتجاوز الحدود وعبر المحيطات دونما حاجة إلى جوازات سفر أو تأشيرات الدخول . في زمنه تخطى الأسوار العالية و الأسلاك الشائكة وجمع بين السجان و سجينه واخترق المستشفيات وآوى الطبيب والمريض في سرير وغرفة واحدة. لم يحترم الفوارق الطبقية ولا البروتوكولات و الاتفاقيات الدولية  . تسرب إلى الساسة و الوزراء وأنهك عضلات الرياضيين ونفذ إلى رئات وزراء الصحة والبيئة و الدفاع . أفرغ البرلمانات والملاعب والمساجد والكنائس والمطارات والمدارس والجامعات وأصبح مرتادوها سيان مع جهالها كما أفرغ الحدائق والأزقة والشوارع وأدخل قرابة المليار من الناس إلى مساكنهم مما كان له وقع خاص على الاقتصاد الدولي برمته قد يبشر بأزمة اقتصادية عالمية ....

هدرا حاولت بعض الدول في مساع حثيثة لاستدراك حدودها التي تناستها منذ عقود لتقلص سرعة انتشاره. فوجئ الجميع بالوصول إلى مقر الحكومات وأماكن صنع القرارات المصيرية الدولية في بعض من أكثر دول الغرب تقدما وثراء وقوة . إنه عدو البشرية جمعاء وعلى الكل التضامن لهزيمته بعيدا عن أي ميز أو عنصرية أمام الغريب الخفي "كورونا " الذي قد يقتل ملايين الأشخاص في كل أنحاء الكرة الأرضية وما على الدول العظمى التي آمنت بالتقسيمات الكلاسيكية : شمال جنوب وشرق وغرب  أقوياء وضعفاء مهيمنين وتابعين لهم إلا أن تغير منظورها الكلاسيكي ذاك . فقد كشفه وعراه هذا الزائر الغريب الذي أخفوه بغطاء التقدم الصناعي العسكري . وقد عبر عن هذا بشكل صارخ وعلني الرئيس الصربي الذي صدمه رد الاتحاد الأوروبي برفضه بيع معدات طبية لمواجهة الجائحة ونفض يداه عن التضامن بقوله : " الآن ندرك جميعا أن التضامن العالمي غير موجود . التضامن الأوروبي غير موجود لقد كان كل ذالك قصة خرافية على الورق" وبعدها استجابت الصين لطلبه مما يدل على التوجهات الجديدة ....

هكذا باتت شعوب العالم في مركب واحد ومصير واحد وأن الاستمرار بنهب خيرات الشعوب وتركها في مصيرها للجوع والصراع سيؤدي حتما إلى نتائج كارثية قد تحصد أيضا الدول العظمى الأخرى التي وكما سبقت الإشارة في أول المقال وكأنها تعيش في البعد الخامس بمساحيق مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وإلى ما ذلك من الأقنعة التي تخدر بها الشعوب الضعيفة وترى نفسها في برجها العاجي كما تود أن تراه ....

الزائر الغريب  إذن " كورونا " لم يطح بالحدود وحدها بل مزق ستائر العلو و الغلو لدى الإنسان في قمة حلمه بتفوقه ونخر رئتي النظام العالمي إلى حد قد يغير معالمه مستقبلا سياسيا واقتصاديا ونظم دفاعاته و استراتجياتها على أنقاض عدو خفي لا يعترف بقوتهم ولا باتحاداتهم و لا ببعدهم الخامس كمنظور مادي .

هذا الأمر جعلني أقف في تأملات فكرية قادتني إلى البعد الخامس في مفهومه الروحي وهو مستوى تتمثل فيه كل معاني نقاء الروح و الجمال والصفاء ومعاني التضامن والتآزر و استحضار كل معاني النعم الإلهية التي نسيها العالم و لم نكن نستشعرها من ذي قبل ولم نكن نعلم ولا ندرك مدى أهميتها على الإنسانية جمعاء حتى قادنا لها هذا الزائر الخفي الغريب "كورونا " وعرفنا مدى نعم الله على عباده أولها الصحة والقوت واللقاءات العائلية والاجتماعية ونعمة التواصل والتنقل لأي مكان وفي أي زمان بكل حرية ونعمة الأمان والعيش السعيد كما زادنا اعتزازا و تشبثا بديننا الإسلامي الحنيف وتعاليمه السمحة الداعية للقيم الإنسانية جمعاء وزادنا فخرا واعتزازا بوطنيتنا ومغربيتنا وما أبانوا عنه من تضامن وتآزر ووعي وروح المسؤولية والتفافهم حول بعضهم كرجل واحد أمام هذا العدو الخفي الشرس .... 

 

 

 

 

 

 



اقرأ ايضا

  2020-04-02
ريبورتاج : إغلاق العيادات الطبية بمراكش بعد انتشار كورونا يجر وابلا من الإنتقاذات على أصحابها

اقرأ ايضا

  2020-04-02
نشرة اخبارية لإقليم الحوز تكشف إصابة جديدة بكورونا بايت اورير.. وهذه هي حصيلة المصابين

اقرأ ايضا

  2020-04-02
عاجل..اٍصابة مؤكدة بفيروس كورونا بمدينة ايت اورير