استمرار ارتفاع عدد الوفيات بالقلعة والمجرم قرص فأر ظاهرة الانتحار تخيم على ساكنة السراغنة وتقض مضاجعهم

بديعة بديوش  2016-01-11 12:04:52

 شهدت مستعجلات السلامة بالقلعة شهرا ساخنا بتوافد حالات الانتحار الناجمة عن تناول قرص مبيد للفئران، الأمر الذي استنكرته ساكنة القلعة و الطاقم الطبي بالمستشفى، موفد جريدة مراكش الإخبارية عاين بعض الحالات للوقوف على مخاطر الظاهرة الغريبة على مجتمع محافظ وبسيط.

 

ازداد عدد الوافدين على قسم المستعجلات والأمر الذي صار شبه يومي بحيث سجلت عدد  من الوفيات مؤخرا بسبب تعاطي قرص مبيد الفئران.

 

الاستنكار الذي عبر عنه الجسم الطبي بالمستشفي هو لماذا لا تراقب هذه الأقراص التي تباع في الصيدليات كما تباع عند العطار. هذه الاقراص التي صارت في متناول الجميع وخصوصا صفوف المراهقين الذين يلعبون بحياتهم كلعبة الشطرنج ومازالت الممرضة حفيظة تتذكر حالة المراهقة (ح ) القاطنة بجنان البوليس بالقلعة والتي كانت تدرس بالصف الثالث اعدادي عندما طلبت منها أمها التوقف عن الدراسة والجلوس بالبيت إلي أن يأتيها ابن الحلال، فما كان من التلميذة المراهقة إلا أن ذهبت للصيدلية وأحضرت قرص مبيد الفئران وشربته وعند نقلها للمستشفى كانت تقول بلسانها أنها لا تريد أن تموت، وطلبت من الطاقم الطبي إسعافها، لكن توقيت رحيلها وافق مغامرتها فودعت الحياة وهي لا تعلم خطورة ما أقدمت عليه. تقول الممرضة حفيظة:" يجب مراقبة بيع هذه المواد وعدم السماح بها للشباب والمراهقين وحتى الأطفال، لأن الأمر يزداد خطورة كل يوم تتوافد علينا حالة انتحار جديدة، ومن يحالفه الحظ يصل قبل أن يتفاعل القرص ومنهم من يأخذ فقط ربع أو نصف القرص، أما من أخذ كمية أكبر أو تأخر في الحضور لقسم المستعجلات فيكون الأوان قد فات".

الأسباب متعددة والقرص  القاتل  واحد:

تختلف أعمار الأشخاص الذين وضعوا حدا لحياتهم بقرص مبيد الفئران، كما تتباين دوافعهم التي لم يعد لها حلا حسب حالتهم النفسية وقت اقدامهم على الجرم في حق أنفسهم، والحالة يشترك فيها صاحب التعليم العالي مع الأمي، فالمنتحر هو استاذ التعليم الثانوي  تخصص فلسفة والذي نقل إلى قسم المستعجلات بعد تناوله لسم الفئران، وبعد التدخل الطبي وغسل معدته خرج من المستشفي ليعود اليها بعد يومين وقد عزم على شرب كمية أكبر هذه المرة ولم تفلح جرة الغسيل للأمعاء والمعدة فلفض أنفاسه، الهالك وحسب المقربين منه فهو يعاني من مرض نفساني بعدما أدمن على شرب الكحول.

ومن منطقة جنان بكار بالقلعة أيضا أقدمت فتاة في العشرين من عمرها تشتغل بالنقل المدرسي الخصوصي وهي أم لطفلين على ابتلاع قرص مبيد الفئران لتتخلص من صدمة و تبعات الطلاق الذي تفاجئت به وهي لازالت بعمر الزهو.

وبمنطقة العرصة كان لحارس الدرجات ببلدية القلعة وهو شاب في الثلاثين من عمره يوما أنهى فيه معاناته مع زوجته، فشرب سم الفار ليترك للزوجة الدار والأولاد.

ظاهرة الانتحار بقرص الفئران لم تتوقف عند المجال الحضري بالقلعة بل تعدته لتصل إلى الأطراف المترامية لأكبر اقليم بالمملكة فدوار الليل عرف الحالة نفسها لشاب تم رفضه من قبل أهل الفتاة التي ذهب لخطبتها بعد أن تعاهدا على الزواج وأن لا يفرقهم إلا الموت، وبعد رفض  الأهل فرقهم قرص مبيد للفئران، والنهاية متشابهة مع شاب في العشرين من عمره من منطقة الأربعاء والذي وضع حدا لحياته بعد أن تاه بين إرضاء أمه وزوجته اللتان تتشاجران يوميا. فما كان منه إلا أن ذهب إلى السوق الأسبوعي بالأربعاء وأحضر سم الفئران، واستغل غياب الأم والزوجة خارج البيت فأغلق عليه الغرفة وشرب السم ونام بعدها ليجدوه قد فارق الحياة.

 

الطب النفسي يصف الظاهرة بالمعقدة والمقلقة:

أشخاص مشاكلهم تبدو للعامة أنها تافهة مقارنة مع من يتصارع مع المرض الخبيث وكثرة الألم والأوجاع وليس له ثمن لجرعة دواء، أو لقمة العيش،  لكنه يستمر في التشبث بالحياة مع زيادة المعاناة، لكن للطب النفسي رأي بالموضوع يقول الطبيب النفساني عبد الغني الخرشي:"الانتحار موضوع شائك ومعقد ولا يمكن التطرق له في مقال واحد، أو بضع دقائق، ولكن إذا ما تحدثنا عن المرض النفسي فهو ظاهرة ديمقراطية الكل معرض له من جميع الطبقات الاجتماعية ومن جميع الأصناف العمرية، ويدخل الانتحار في خانة العنف الموجه للذات، والمعروف أن  كل إنسان يولد بغرائز الحياة والموت، والشخص المتوازن هو الذي يغلب غريزة الحياة على الموت، كما هو الحال في غرائز الخير والشر، وهذا العنف الموجه نحو الذات يأتي كرد فعل للضغوطات الاجتماعية والاقتصادية التي تؤدي إلى حالة نفسية مضطربة والتي نراها في اختلالات الخطاب والسلوك".  كما شدد الدكتور عبد الغني الخرشي على خطورة انتشار ظاهرة الانتحار والتصدي لها بقوله:" وظاهرة الانتحار شيء مقلق لأنه يوجد داخل مجتمع محافظ رغم غياب الإحصائيات الحقيقية، وهو موجود مع أنه لا يمكن التحقق منه وخصوصا في النواحي النائية مثلا كمن يقع في بئر فلا نعلم هل وقع فيها أم أوقع بنفسه فأنتحر وغيره، ويمكننا القول أنه على غرار الأمراض الأخرى يلزمنا حملة وقائية، وهذا الأمر قد يفاجئ الجميع، لكن علينا أن ننتبه إلى خطورة الأمر وخصوصا ظاهرة انتحار المراهقين بسبب المشاكل الدراسية أو العاطفية، فالوقاية لها مفعول كبير، ويمكن ذلك بجعل خط أخضر للاتصال والاستماع إلى الناس الذين يعانون من حالة مرضية أو من يحتاج إلى التحدث عن مشاكله، فخطر الانتحار لديه أعراض نفسية غالبا ما تكون مزمنة يلزمها التتبع من طرف اخصائي أو من طرف العائلة، وهنا يمكن اتباع طريقتين: اما العلاج الكيماوي الأدوية، بموازاة مع العلاج النفسي السلوكي التحليلي الوقائي، وأكثر من هذا بعض العلاج يعمل على إعادة إدماج الفرد داخل المجتمع".

 

خطورة تحول القرص المبيد للبشر عوض الفئران:

يعرف القرص المبيد للحياة نقط بيع مشهورة اما الصيدليات أو العطار أو الأسواق الأسبوعية المتواجدة بالقلعة والقرى التابعة لها، ذهبنا عند طبيب صيدلي وطلبنا منه قرص مبيد للفئران، اجابنا بوجود علبة مكونة من عدد من الأكياس ثمنها 38 درهم للعلبة الكاملة، لكن يسمح ببيع القرص الواحد وهو عبارة عن كيس من العلبة ب 5 دراهم، وعندما أخبرناه بتلاعب الناس بحياتهم بسبب هذا القرص فقال:" هذا يرجع للأشخاص وهم من يحددوا كيفية استخدامه أما هو فقد وجد خصيصا للفئران وليس للبشر، والروح لا يحق لنا أن نزهقها مهما كانت الأسباب أو تعددت المشاكل، أما عن بيع هذه المواد من طرفنا فهذا السم يشبه جميع الأدوية والتي مكتوب عليها احترام المقادير فهناك أدوية قد تكون قاتلة عند تجاوز الجرعة، وكذلك استخدام هذا الدواء فنحن نبيعه تحت الطلب، والغرض منه إبادة الفئران، أما من يشتريه على أساس الانتحار فكيف نعرفه ولا يمكننا التكهن بالنوايا أو منعهم من شرائه".

وغير بعيد عن الصيدلي توجهنا نحو هشام العطار وطلبنا منه دواء لمحاربة الفئران فأسرع في الاتيان به دون أن يسألنا، وعندما أخبرناه بوجود عدد من الأشخاص انتحروا بهذا الدواء قال:" من لديه رغبة في الانتحار فلن يوقفه وجود هذا السم أو عدمه فربما رمى بنفسه من الطابق العلوي من بيته أو قطع وريده بسكين وغيره من الأشياء والدواء بريء منهم، ونحن نبيعه لمحاربة الفئران وليس لمحاربة الإنسان".

 

العامة ترفض الصلاة على المنتحرين:

تتضارب أقوال السكان بالقلعة، المقرب للمنتحر يذهب معه إلى وضعه في مثواه الأخير ويصلي عليه، وأغلب الساكنة ترفض الصلاة بل وتشدد على أنه منتحر لا يستحق شيء، الأمر الذي تحدث عنه الإمام محمد الغياث بقوله:( هذا العمل كبيرة من كبائر الذنوب، وقتل النفس ليس حلاًّ للخروج من المشاكل التي يبثها الشيطان، والوساوس التي يُلقيها في النفوس، ولو لم يكن بعد الموت بعث ولا حساب، لهانت كثير من النفوس على أصحابها، ولكن بعد الموت حساب وعقاب، وقبر وظلمة، وصراط وزلة، ثم إما نار وإما جنة؛ ولهذا جاء تحريم الانتحار بكل وسائله؛ ولهذا جاء التحذير عن الانتحار بقول الله سبحانه : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا *وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴾ [النساء: 29، 30]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [البقرة: 195]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾ [الفرقان: 68، 69].

وكذلك جاء التحذير في السنة حيث روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قتَل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومَن شَرِب سُمًّا، فقتل نفسه، فهو يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردَّى من جبل، فقتل نفسه، فهو يتردى في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا))؛ رواه مسلم.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الذي يخنق نفسه، يخنقها في النار، والذي يطعنها، يطعنها في النار))؛ رواه البخاري.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهِدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ممن معه يدَّعي الإسلام: ((هذا من أهل النار))، فلما حضر القتال، قاتَل الرجل من أشد القتال، وكثُرت به الجراح، فأثبتته، فجاء رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت الذي تحدَّثت أنه من أهل النار، قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال، فكثُرت به الجراح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما إنه من أهل النار، فكاد بعض المسلمين يرتاب، فبينما هو على ذلك، إذ وجد الرجل ألَمَ الجراح، فأهوى بيده إلى كِنانته، فانتزع منها سهمًا، فانتحر بها، فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، صدق الله حديثك، قد انتحر فلان، فقتل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال، قُمْ فأذِّن، لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر))؛ رواه البخاري. وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من خنَق نفسه في الدنيا فقتلها، خنق نفسه في النار، ومن طعن نفسه طعنها في النار، ومن اقتحم فقتل نفسه، اقتحم في النار))؛ رواه ابن حِبان.

وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قتل نفسه بشيء في الدنيا، عُذِّب به يوم القيامة))؛ رواه البخاري ، ومسلم

وعن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح، فجزِع، فأخذ سكينًا فحزَّ بها يده، فما رقَأ الدم حتى مات؛ قال الله تعالى: بادَرني عبدي بنفسه، حرَّمت عليه الجنة))؛ رواه البخاري ، ومسلم

هذه عاقبة الانتحار والعياذ بالله، ويجب على المسلم أن يعلم أن الانتحار فيه تسخُّط على قضاء الله وقدره، وعدم الرضا بذلك، وعدم الصبر على تحمُّل الأذى، وأشد من ذلك وأخطر، وهو التعدي على حق الله تعالى، فالنفس ليست ملكًا لصاحبها، وإنما ملك لله الذي خلقها وهيَّأها لعبادته سبحانه، وحرَّم إزهاقها بغير حقٍّ، فليس لك أدنى تصرُّف فيها، وكذلك في الانتحار ضَعف إيمان المنتحر؛ لعدم تسليم المنتحر أمرَه لله وشكواه إلى الله).

 

خطاب للشباب والمراهقين روح الحياة في روح الدين:

نبد العنف الموجه للذات التي كرمها الحق، لا يكون إلا بالفهم الصحيح لروح الدين والتعايش مع اختبارات الحياة وهو ما أكده استاذ الشريعة أحمد طه فقد وضح عدد من النقط التي يجب أن يتسلح بها الإنسان في مواجهة الأمراض النفسية حتى لا ينزلق وراء قرص الفئران أو غيره من المبيدات يقول:"

إن العودة إلى الدين أو التدين هي أفضل وسيلة للحماية من كل الأمراض النفسية التي تعاني منها البشرية جمعاء، كما أن العودة للدين الإسلامي الحنيف هي العلاج الأفضل للحماية من هذه الأخطار التي تتهدد مجتمعاتنا وقِيَمنا.

والتربية الإسلامية الشاملة تتلخص في ثلاثة أهداف رئيسية:

أ- وهو تمكُّن واستحكام اليقظة من القلب، فلا نريد يقظة لحظية، بل نريدها يَقظة حقيقية دائمة، تتمكن من القلب لتبدأ معها الحياة تدب في جَنباته.

ولقد أجمل آثارها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن علامات دخول النور القلب، فقال: ((الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله))؛ رواه الطبري والبيهقي.

ب- ولادة القلب الحي:

هذا الهدف لا يمكن الوصول إليه إلا باستمرار تزويد القلب بالإيمان بعد تمكُّن اليقظة منه، والمقصود بولادة القلب الحي؛ أي: تحرُّره من أَسْر الهوى وانفصاله عنه، أو بمعنًى آخر: انقطاع الحبل الذي يجمع العلائق التي كان القلب مُتعلقًا بها من دون الله - كالمال والجاه والناس - والتي تَحول بينه وبين التعلق التام بالله عز وجل، والالتزام به، والتوجه الدائم نحوه.

هذه الولادة تتم عندما يعلو النور في القلب على الظلمة بصورة كبيرة، ومن علامات حدوثها: رقة القلب وسرعة تأثُّره بالمواعظ، وهبوطه وخشوعه، وسجوده لله، وسهولة استدعائه إذا أراد صاحبه استحضاره، ومن آثارها كذلك: تحسُّن ملحوظ في علاقات المرء المختلفة، فيزداد قُربه من ربه، وتعلُّقه به، وتنقص رغبته في الدنيا بصورة ملحوظة، ويقل طمعه في الناس، ويَزداد تشميره نحو الجنة.

ومن آثارها كذلك: راحة البال والشعور بالسكينة والطُّمَأْنينة، والسلام الداخلي.

ج- الحضور القلبي الدائم مع الله، والتعلق الشديد به سبحانه، أو بمعنًى آخر: تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن الإحسان، فقال: ((أن تعبد الله كأنك تراه))؛ متفق عليه.

وهذا يحدث إذا ما استمر الإمداد الإيماني للقلب، فيزداد فيه النور، حتى يصير قلبًا سليمًا أبيضَ، والشعور الدائم برقابة الله تعالى، فالذي يؤمن بالله يعلم ما تُوسوس به نفس الإنسان، وأنه مَحَّص عليه كل أعماله صغيرة كانت أم كبيرة، ومُحاسِبه على ما يُقدِّم - لن يجرؤ على الإقدام على غير ما يرضي الله من أقوال أو أفعال، وسيكون في حَذَرٍ دائمٍ، ويقظةٍ لا تغفل عن المحاسبة، ومن آثار ذلك: خضوع المشاعر والسلوك في مجمله لله عز وجل؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان))؛ حديث صحيح.

وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان؛ حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه)).

ومن آثارها كذلك: التعامل مع أحداث الحياة وتقلُّباتها المختلفة تعاملاً إيمانيًّا؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، ولا يكون هذا إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكَر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صبَر، فكان خيرًا له))؛ رواه مسلم.

والقلب في هذه المرحلة العظيمة يعيش في سعادة عظيمة وعلاقة متينة مع ربه، فهو شاكرٌ لأنْعُمه، صابرٌ على بلائه، راضٍ بقضائه، مطمئنٌّ بذكره، في شوق دائم إليه، وتوجُّه مستمر نحوه، وتتَّسع الحياة عنده لتشمَل الآخرة، ويكون له منها غاية وهدف يسعى لتحقيقه، ويسعد بذلك كما عبر رِبعي بن عامر التميمي رضي الله عنه بقوله: "إن الله ابتعثنا لنُخرج مَن شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضِيق الدنيا إلى سَعتها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام".

أما الشخص الذي لا يؤمن بحياة أخرى، فإنه يُسابق السنوات القليلة المحدودة التي يعيشها في الدنيا، ويُسيطر عليه شعور الضيق والقلق والاضطراب، كلما تقدَّم به العمر، وقصَرتْ به طموحاته وآماله، وغالبًا ما يكون أمثال هؤلاء عُرضة للأمراض النفسية والعصبية، والإصابة بأنواع الاكتئاب النفسي والقلق والانتحار؛ لأنه حصر الوجود كله في هذه الحياة الدنيا، فإن فشل فيه أو عجز عن القيام بما يسعى له، فقَد قيمة الحياة والوجود بأسْره.

إن غياب الإيمان هو سبب الشقاء والنكد الذي نعيشه اليوم، وليس أبدًا قلة ذات اليد والضَّعف والظلم السبب الأول في كل هذه المشاكل؛ لذلك وصف لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذه النفسية المعذبة، قال: ((من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمْله، وأتتْه الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدِّر له)).

2- إعلاء منظومة القيم الإسلامية:

قيام المؤسسات التربوية بدورها من أجل إعلاء منظومة القيم الإسلامية العالية؛ لأنها تشمل جميع مظاهر النشاط الحيوي للفرد والمجتمع، فهي تضبط الفرد وتُوجِّه فكره وسلوكه إلى ما يعود عليه بالخير، وتُحفزه إلى الارتقاء بنفسه وتحقيق إنسانيته، وهي التي تعطي المجتمع ملامحه الحقيقية، وتضبط حركته، وترسم له وجهته وغايته، فإذا تجرَّدت الحياة البشرية منها لم تَعُد حياة إنسانية أبدًا، فأي كرامة لحياة لا تصان بالتقوى والأمانة؟! وأي قيمة لاجتماع بشري لا تَسوده الرحمة والتكافل، أو نظام سياسي لا يقوم على أساس العدل والشورى، والقيم؛ مثل: العلم والعمل، والحرية والصدق، والأمانة والصبر، والوفاء والعطاء، والقدوة والحب...

والعمل على تطبيقها في واقعنا المعاصر لما تُقدِّمه من حلول ناجحةٍ لجميع المشكلات والظواهر السلبية في المجتمع.

3- حملات التوعية المجتمعية:

زيادة الجرعات التوعوية اللازمة لأفراد وفئات المجتمع، عن طريق مختلف الوسائل الإعلامية والتعليمية، لبيان خطر جريمة الانتحار وبشاعتها، وما يترتب عليها من نتائج مؤسفة وعواقب وخيمة؛ سواءً على الفرد، أو المجتمع.

وعمل برامج تأهيلية علاجية تتشارك فيها الأسرة والمدرسة مع المعالِج النفسي، للنهوض بشخصية المصاب والتركيز على الجوانب الإيجابية لديه، ومساعدته على القيام بدوره في المجتمع، ومتابعته وتحسين ما يمكن تحسينه في محيطه الاجتماعي كتقليل الصراعات الأُسرية.

4- إحياء الروح المعنوية عن طريق بث الأمل في النفوس:

لقد حرَّم الله تعالى اليأس المؤدي إلى الانتحار، وندَّد باليائسين واعتبره قرين الكفر، فقال تعالى: ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87].

وندَّد بالقنوط واعتبره قرين الضلال، فقال تعالى: ﴿ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر: 56].

والأمل تَوْءَمُ الإيمان؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].

وقد فتح جميع الأبواب أمامك، واسمع إليه سبحانه وتعالى في الحديث القدسي الجليل، فقد روى الترمذي وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني، غفَرت لك على ما كان فيك ولا أُبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ولا أُبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقِيتني لا تُشرك بي شيئًا، لأتيتك بقُرابها مغفرة)).

فلقد ضاقت صدور كثير من العباد اليوم بسبب كثرة الماديات، ومشاهدة الفضائيات، والإسراف في المحرمات والسيئات، والاقتصاد في الطاعات والحسنات، فحصلت تلك الآهات، وكثُرت تلك الصرخات، بل وحصل أدهى من ذلك وأمَرُّ، فصارت الوسوسة، حتى إن البعض يفكِّر كيف يتخلص من نفسه جراء الضيق والحسرة والوحشة التي يعيشها، فلا طعم للحياة عنده، ولا هدف ولا غاية يرى أنه من أجْلها خُلِق، فلا بد من الأمل؛ فالأمل إذًا هو إكسير الحياة، ودافع نشاطها، ومخفِّف وَيْلاتها، وباعث البهجة والسرور فيها.

ما أضيق العيش لولا فُسحة الأمل! والأمل قبل ذلك كله شيء حُلو المذاق، جميل الْمُحَيَّا في ذاته، تحقَّق أو لم يتحقَّق.

 

الأمل دافع للتقدم والنجاح:

لا بد منه لتقدم العلوم، فلو وقف عباقرة العلم والاختراع عند مقررات زمنهم، ولم ينظروا إلا إلى مواضع أقدامهم، ولم يمدَّهم الأمل بروحه في كشف المجهول، واكتساب الجديد من الحقائق والمعارف، ما خطا العلم خطواته الرائعة إلى الأمام، ووصل بالإنسان إلى القمر.

والأمل لا بد منه لنجاح الرسالات والنهضة، وإذا فقد المصلح أمَلَه، فقد دخل المعركة بلا سلاح يقاتل به، بل بلا يد تُمسك بالسلاح، فأنَّى يُرتَقَب له انتصار وفلاح؟!

وإذا استُصْحِب الأمل، فإن الصعب سيهون، والبعيد سيدنو، والأيام تُقرِّب البعيد، والزمن جزءٌ من العلاج.

 

صور مضيئة على طريق الأمل:

هذا سيدنا إبراهيم - عليه السلام - قد صار شَيْخًا كبيرًا ولم يُرزَق بعدُ بولدٍ، فيدفعه حُسْنُ ظَنِّهِ بربِّهِ أن يدعوه: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [الصافات: 100]، فاستجابَ له ربُّه ووَهَبَ له إسماعيلَ وإسحاقَ عليهما السلام، وتَبرز قدرة الله عز وجل وتَظهر، عندما تنقطع أسباب البشر مع هذه الزوجة الصالحة المؤمنة (هاجر) وولدها إسماعيل عليه السلام، فقد تركها زوجها إبراهيم عليه السلام مع ولدها في وادٍ غير ذي زرع، وذلك بأمرٍ من الله سبحانه وتعالى، فقالت له بعد أن تأكَّدت أنه أمر الله: "اذهَبْ فإنه لن يُضيِّعَنا"!

وهذا سيدنا موسى عليه السلام يخرج ومعه بنو إسرائيل من مصر، ويتبعه فرعون وجنوده، ثم يَعترضه البحر أمامه، وفرعون بجيوشه وسيوفه وحرابه من ورائه، فإذا ببعض بني إسرائيل ممن لم يعمر الإيمان قلبه، ولم تَعظُم ثقتهم بالله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ [الشعراء: 61].

لا أملَ لنا في النجاة مطلقًا، وجاء ردُّ موسى عليه السلام بقدر ما كان على عظيم الأمل وكماله: ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 62].

لا يمكن أن تكون هذه هي النتيجة؛ لأن هناك وعدًا من الله سبحانه وتعالى، ولم يكن موسى عليه السلام إذ ذاك يعلم كيف سيكون الخلاص، هو يعلم أن ثمة خلاصًا لكنه لا يعلم كيف يكون، ثم جاء السبب اليسير: ﴿ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ﴾ [الشعراء: 63]، فلما مر موسى ومَن معه، وجاء فرعون ومن معه، أطبق البحر عليهم، فماتوا غرقى.

وهذا سيدنا زكريا عليه السلام قال تعالى: ﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾ [مريم: 2 - 6].

فاستجابَ له الله، فقال تعالى: ﴿ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ﴾ [مريم: 7].

وأيوب - عليه السلام - ابتلاهُ ربُّه بذَهاب المالِ والوَلَدِ والعافِيَةِ، ثُمَّ ماذا؟ قال الله تعالى: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 83، 84].

ويونس قد ابتلعه الحوت: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 87].

وهذا هو رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب؛ حيث يتألَّب الشرك الوثني بكل عناصره، والغدر اليهودي بكل تاريخه، ويشتد الأمر على النبي وأصحابه؛ قريش وغطفان، ومَن يحطب في حبلهما من خارج المدينة، واليهود والمنافقون من الداخل، موقف عصيب صوَّره القرآن بقوله: ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: 10، 11].

في هذه الساعات الرهيبة التي يَذوي فيها عود الأمل، ويخبو شعاع الرجاء، ولا يفكر المرء إلا في الخلاص والنجاة.

في هذه اللحظات والنبي يسهم مع أصحابه في حفر الخندق حول المدينة، يصدون بحفره الغُزاة، ويعوقون الطامعين العتاة - يحدث النبي أصحابه عن الغد المأمول، والمستقبل المرجو حين يفتح الله عليهم بلاد كسرى بفارس، وبلاد قيصر بالشام، وبلاد اليمن بالجزيرة، حديث الواثق المطمئن الذي أثار أرباب النفاق، فقالوا في ضيق وحنق: إن محمدًا يَعِدنا كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الخلاء وحده! أو كما قال القرآن: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ [الأحزاب: 12].

ماذا تُسمي هذا الشعاع الذي يَبزُغ في دياجير الأحداث من القلوب الكبيرة، فيُنير الطريق، ويُبدد الظلام؟ إنه الأمل، وإن شئت فهو الإيمان بنصر الله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 5- 6].

والإنسان بطبعه يحب البُشرى، وتطمئن إليها نفسه، وتَمنحه دافعًا قويًّا للعمل، بينما التنفير يُعزز مشاعر الإحباط واليأس لديه، ويُصيبه بالعزوف عن القيام بدوره في الحياة؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يسِّروا ولا تُعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا)).

تعددت الوسائل والمسمى واحد فالانتحار هو قتل الإنسان نفسه، أو إتلاف عضو من أعضائه، أو إفساده أو إضعافه بأي شكل من الأشكال، مثل: الشنق، أو الحرق، أو تناوُل السموم، أو تناول جُرعة كبيرة من المخدرات، أو إلقاء نفسه في النهر، أو قتْل نفسه بمأكول أو مشروب، وذلك لأسباب يعتقد صاحبها معها بأن مماته أصبح أفضل من حياته. ومع ذلك يضل التخوف والاستنكار يطال انتشار بيع سم الفئران الذي لم يتفق على منعه سواء بالصيدليات أو عند العطار، وحسب البائع فالحل في أشياء أخرى يجب توفرها وليس في منع هذه السموم، ويبقى السؤال مفتوح هل فعلا غياب مبيد الفئران كفيل بالحفاظ على الحياة الإنسانية التي كرمها الله.