تذكرة ذهاب وإياب إلى جحيم \"بويا عمر\"

حسن البوهي  2016-01-13 06:18:18

على بعد 30 كيلومترا عن الضفة الغربية لواد تساوت بقلعة السراغنة وعلى بعد ثمانين كيلومترا من مدينة مراكش يوجد ضريح الولي "بويا عمر" أو "مولى تساوت" كما تلقبه بذلك العديد من المؤلفات الي اهتمت بالتأريخ لذاكرة الأولياء والصلحاء والمتصوفة بالمغرب، ولد أواخر القرن السادس عشر، وهو حفيد "رحال البودالي" مؤسس الزاوية الرحالية، شد الرحال في عقده الرابع الى زاوية "تمكروت الناصرية" التي تقع على ضفاف وادي درعة جنوب المغرب، وتتلمذ على يد مؤسسها "محمد ابن ابراهيم الأنصاري" قبل أن يستقر به المقام في المكان الحالي الذي اتخذ بعد مماته محجا لمريديه وزواره من الذين أصابهم مس من الجن والمرضى عقليا طلبا للعلاج، اعتقادا منهم في بركة الولي التي يشاع أنها قادرة على معالجة الأمراض والعاهات النفسية والعقلية التي عجز الطب الحديث عن مداواتها، ويمتد اعتقاد مريدي الولي الى القول بالقدرة على تيسير زواج الفتيات العوانس وغير ذلك من الظواهر التي يصعب الإستدلال عليها من الناحية العلمية.

 بين أراضي ضريح الولي "بويا عمر" المقفرة وأشجاره القليلة المتناثرة هنا وهناك، يوجد حوالي 45 منزلا مبني بالإسمنت والحديد و90 منزلا عشوائيا تم بنائها بالطين والأعمدة الخشبية، و10 منازل تابعة لضريح بويا عمر بالإضافة الى براريك من القصدير قرب الوادي، فهذه المنازل التي لا تتوفر فيها أدنى شروط العيش الآدمي تدر على أصحابها مبالغ مالية مهمة، وينتظم مالكوا هذه المنازل حسب القوانين الداخلية المنظمة لأشغال الزيارات بالضريح بين "مالين الطبع" وهم حفدة الولي "بويا عمر" الذين يستقبلون النزلاء لديهم مقابل مبلغ مالي معين ، ثم "مالين الإذن" وهم كانوا في البداية من زوار الضريح فطال بهم المقام، ثم أنشئوا منازل لهم بالمنطقة وشرعوا في استقبال النزلاء لديهم كحفدة الولي مقابل مبلغ من المال. بين هذه المنازل والأبنية العشوائية التي لا تصلح للعيش تتبدى من خلال شهادات مجموعة من النزلاء العائدين منها، معالم معاناة تختزن دلالات الآهات في سياق حاضر مغربي يتحدث مجازا لغة المصالحة مع الذات وصيانة حقوق الإنسان وضمان حقوقه الطبيعية وغيرها من المفاهيم  التي تصطدم بواقع معيشي يستمد محدداته الدلالية من القرون الوسطى، ويلغي انتمائه الى المنظومة المجتمعية في الألفية الثالثة.

تجار المآسي الإنسانية ببويا عمر.. يُصادرون آدمية النزلاء

بعبارات تختزن معاني الحسرة والألم يحكي "نبيل بالعروي" تفاصيل تجربة حياة مؤلمة استمرت لمدة تسعة أشهر بإحدى دور الرعاية بضريح "بويا عمر" بسبب نزاع حول ضيعة فلاحية انتهى به في مكان تنعدم فيه أدنى شروط الرعاية الصحية والعيش الكريم، واصفا إياه ب"الجحيم والبؤرة السوداء"، ويضيف نبيل أنه تقاسم مرارة معاناته اليومية في طابق أرضي مع أربعين نزيلا ينحدرون من مناطق متفرقة من المغرب، أغلبهم مدمنون على تناول المخدرات ومختلين عقليا وأشخاصا آخرين لهم سوابق عدلية اختار لهم ذويهم هذا المكان الأمن المستبعد من حسابات المصالح الأمنية وشرطة الضابطة القضائية لكي لا يتم إلقاء القبض عليهم، في انتظار ترحيلهم الى مكان أخر تتوفر فيه ظروف عيش أفضل، ويضيف العائد من "بويا عمر" أنه منذ مجيئه لم يستطع أن يرى الشمس لمدة تسعة أشهر فانعكست آثار ذلك على وضعه الصحي، إذ أصبح غير قادر على الحركة والتنقل بشكل عادي، مشيرا في السياق نفسه أن أشخاصا آخرين لم يتمكنوا من رؤية الشمس لعدة سنوات مكبلين بالأغلال ومنسيين في عالم لا يمت بصلة إلى القرن الواحد والعشرين، بل إن البعض منهم فقد وعيه بالزمن وبطعم الحياة الآدمية، فأصبح شبيها في نمط عيشه المزري بأهل كهف فقدوا اتصالهم بالعالم وبالنظم التي تضبط متغيرات الحياة اليومية، فالموت والحياة عندهم سيان لا فرق بينهما، لأن صلتهم بالعالم الخارجي انقطعت منذ أن وطأت أقدامهم هذا المكان الذي يعد وسمة عار في مغرب الألفية الثالثة ومظهرا مخزيا من المظاهر المسيئة إلى كينونة وآدمية الإنسان.

النزلاء  بدور الرعاية  في ضريح بويا عمر –حسب نبيل بالعروي- هم مجرد عملات نقدية لا غير، يرى فيهم أرباب هذه البيوت كائنات يُختزل وجودها كوسائل من أجل تحقيق الربح المادي ومراكمة الثروة حتى ولو كان على حساب معاناتهم النفسية، بحيث يتاجرون بأوضاعهم المرضية، والأسوأ من ذلك أنهم يساهمون أحيانا كثيرة في تفاقم وضعهم النفسي والعضوي ويحرصون قدر الإمكان على أن يمكثوا  ببيوتهم أطول مدة ممكنة، فصاحب دار الرعاية عندما يحصي عدد المرضى لديه فإنه عادة يلغي أسماءهم ويكتفي بحساب العائد المادي، فتعوض بذلك العملة النقدية هوية هؤلاء المرضى وتلغي أدميتهم، فيقتصر بذلك دورهم في الحياة على الاستمرار في جلب المزيد من المال لصاحب الدار، وهناك من الأسر من فقدت الأمل في علاج أحد افرادها فتخلت عنه بشكل نهائي كما هو الشأن بالنسبة ل" يوسف.ع" سليل أسرة عريقة بالحسيمة تخلت عنه لأنه متخلف عقليا حفاظا على سمعتها ومكانتها المرموقة، وهذه الأسرة لها نصيب وافر من المال والجاه ويعد أحد أفرادها "منصف.ع" من أشهر المحامين بنفس المدينة، وهناك حكايات نزلاء آخرين أجبروا على البقاء بضريح بويا عمر بسبب تأمر أفراد أسرهم عليهم ك"رشيد ابو حسن" الذي توفي والده سنة 1999 تاركا له نصيبا وافرا من الإرث، فقامت زوجة أبيه باتفاق مع أحد المشرفين في الضريح باختطافه ليلا، مقابل مبلغ مالي متفق عليه تؤديه بداية كل شهر، وهذا الشخص حسب –نبيل بالعروي" مازال قابعا في إحدى تلك البيوت، تمارس عليه مختلف أنواع التعذيب والعنف، وهناك نزلاء جاءت بهم أسرهم الى الضريح من أجل الإقلاع عن تناول المخدرات، وغالبية هؤلاء من شمال المغرب، وهم النزلاء المفضلون عند أرباب بيوت الرعاية، لأن أسرهم تنفق عليهم مبالغ مالية مهمة مقارنة مع باقي النزلاء الآخرين.

 

عبودية واسترقاق العصور الوسطى في مغرب الألفية الثالثة

 نزلاء مكدسون في غرف ضيقة، وصيحات هنا وأنين هناك  لمرضى نحيفي البنية مكبلين بالسلاسل، ينطقون بعبارات مبهمة تناجي كائنات غير مرئية تستجديها تقديم المساعدة، إنه مشهد يصلح لكي يجسد أحداث فيلم رعب يشد الأنفاس، غير أن سيناريوهاته ليست من وحي إبداع كاتب يتمتع بأفق واسع من الخيال، بل هو جزء من الواقع المعيشي لمجموعة من النزلاء والمرضى بإحدى دور الرعاية بضريح "بويا عمر"، التي تختزن أشكالا متعددة من المعاناة الإنسانية التي تعود بتفاصيلها المعيشية الى فترة العصور الوسطى القائمة  على نظام اجتماعي يستند على قوانين الاستعباد والرق، في تجاوز صريح وانتهاك معلن لحقوق الإنسان باسم محاربة الجن وفك طلاسيم السحر وتيسير زواج النساء العوانس وغير ذلك من المعتقدات التي لا تستند على تفسير علمي دقيق وتجد مبرراتها  في بركة الولي الصالح..إنها معالم بؤرة سوداء في مغرب الألفية الثالثة على حد تعبير نبيل بالعروي الذي ذكر أن الضرب بالأنابيب البلاستيكية والسب والشتم والاستغلال الجسدي تشكل إحدى الركائز المتداولة في قاموس العلاج اليومي ب"بويا عمر"، والتي لم يستوعبها جيدا ولم يتعايش معها إلا بعد أن فقد ضوء عينه اليمنى جراء الضرب المتكرر الذي كان يتعرض له من طرف صاحب البيت وابنه، مضيفا في السياق نفسه أن مجموعة من المرضى الذين تخلى عنهم ذويهم أصبحوا بمثابة عبيد يقومون بأشغال جلب الماء من الساقية وكنس الأرض وتنظيف الأواني وغيرها من الأعمال المنزلية، مقابل وجبة غذائية تقتصر على كوب من الشاي وكسرة خبز، ومن النزلاء من يوجههم صاحب البيت الى احتراف التسول مقابل أجرة المبيت، ومن يبدي رفضه لهذه الشروط المجحفة يجد نفسه مرميا في الشارع بدون مأوى عرضة لصقيع البرد وشدة الحر، أما المرضى الذين لا يسمح وضعهم الجسماني والنفسي بمزاولة الأشغال المنزلية أو احتراف التسول فإنهم يصبحون عرضة للتشرد منذ أول يوم يتأخر فيه ذويهم عن تسديد الواجبات الشهرية لصاحب البيت، ومن تجليات هذا الاستغلال تحدث العائد من جحيم دور الرعاية ببويا عمر "نبيل بالعروي" عن نزيل يدعى ابراهيم مصاب ب"الصرع" يقوم بجميع الأشغال المنزلية من كنس تصبين وغسل، والأمر نفسه ينطبق على نزيلة مريضة عقليا تقوم يوميا بتحضير 30 خبزة لفائدة 50 نزيلا، كانت تقوم مرات عديدة أثناء عملية تحضيرها للعجين بالذهاب الى المرحاض ثم تعود مباشرة وفي يديها بقايا الدقيق والعجين الى استئناف عملية تحضير الخبز في مشهد مقزز تغيب فيه أدنى شروط الاستهلاك الصحي، بالإضافة إلى ذلك، هناك أيضا حالات من الاستغلال الجنسي كما هو الحال بالنسبة ل"يوسف.ع" وهو نزيل مختل عقليا، ينتمي لأسرة ميسورة بمدينة الحسيمة، يُمارس عليه الجنس من طرف أحد أبناء صاحب المنزل الذي يقيم فيه مدة سبع سنوات، ويضيف مصدرنا أنه عندما يتصل أحد من أفراد عائلته، يتم إخباره ان حالته في تحسن وأنه يتلقى رعاية جيدة ويؤخذ بصفة منتظمة الى الحمام وغير ذلك من الأكاذيب التي لا أساس لها من الصحة.

 

نصب واحتيال ..ونزلاء منسيون في دور رعاية أشبه بمعتقلات غوانتنامو

 رداءة الرعاية الصحية بعدد من البيوت بضريح "بويا عمر" تجد تجلياتها في الوضعية الصحية المزرية لعدد من النزلاء الذين تظهر على أجسادهم العليلة أعراض مرضية قد يحتار الطب الحديث في تشخيصها وفي تحديد طرق علاجها، لضعف عمليات الوقاية وعشوائية طرق التداوي التي تعتمد على وسائل متجاوزة تغيب فيها أدنى شروط السلامة الصحية، إنها وضعية لا يمكن اختزالها في وصفها ب"الكارثية" على لسان مجموعة من النزلاء الذين عاينوا حالات معاناة إنسانية تقشعر لها الأبدان، وفي السياق نفسه أسرّت مصادر مطلعة للجريدة أن هناك عددا من المرضى الذين لم يستحموا لعدة أشهر ويعانون من انتشار "القمل"، ومن ظهور مجموعة الأمراض والتقرحات الجلدية نتيجة استعمالهم لمياه ملوثة من إحدى السواقي القريبة، كما هو الشأن بالنسبة لمريض توفي  يدعى "الكبير عبد العزيز" كان يعاني من انتفاخ على مستوى الرجلين، ورغم ذلك لم يتم عرض حالته على طبيب مختص، والأدهى من ذلك أنه عندما كان يئن أو يصرخ فإنه يتعرض للضرب المبرح من طرف صاحب البيت وأبنائه، ثم حالة المريض "قاسم" الذي كان يعاني من صداع حاد على مستوى الرأس، وأثناء تجولنا بأزقة بويا عمر الموحلة بفعل التساقطات المطرية الأخيرة التي زادت من جو كآبتها اعترض طريقنا نزيل في عقده الرابع يدعى "محمد" يُلحّ علينا أن نتصدق عليه، كنا نعتقد في البداية أنه مختل عقليا، فسألناه عن المرض الذي يعاني منه، وأخبرنا أنه لا يعاني من أي مرض عقلي أو عضوي وأنه يتمتع بصحة جيدة، استفسرناه عن سبب تواجده بضريح "بويا عمر" فروى لنا جزء من تفاصيل حياته التي ابتدأت بمشاجرة مع أحد أبناء حيه بالدار البيضاء انتهت بمصرعه، فحكم عليه بعقوبة سجنية طويلة، وبعدما أمضى عشر سنوات منها خلف القضبان، أشار أحد معارف أسرته على أبويه بضرورة تقديم شهادة طبية تثبت أنه مختل عقليا من أجل تيسير خروجه من السجن وإلحاقه فترة معينة بإحدى المصحات النفسية ريثما تتقادم فترة عقوبته ويعود لاستئناف حياته اليومية بين أفراد أسرته، فتم استصدار شهادة طبية مزورة من أحد الأطباء الخواص، وأثناء إخضاعه للكشف الطبي تظاهر بأنه مريض، فتمت إحالته على مستشفى الأمراض العقلية ببرشيد الذي مكث فيه مدة سنة ونصف، وكان ملزما عليه أن يتناول بعض الأدوية والأقراص المهدئة التي لم يكن في حاجة إليها لأنه كان سليما فانعكست عليه أثار تلك الأدوية بشكل سلبي، حيث أصبح نحيل الجسم خائر القوة وتنتابه بين الفينة والأخرى حالات من الشرود والتعب الشديد، وعلى إثر ظهور هذه الأعراض انتقلت به أسرته إلى ضريح بويا عمر أملا في عودته إلى حالته الطبيعية، وبمجرد ما توقف عن تناول الأدوية، بدأ يتماثل للشفاء بشكل تدريجي، غير أن صاحب دار الرعاية التي كان يقيم بها "محمد" أراد أن يُبقيه لديه أطول مدة ممكنة من أجل تمديد استفادته من الأجرة الشهرية التي تعطيها له أسرته، فكان يخبرهم كل مرة أن حالته في تحسن وأنه يلزمه المزيد من الوقت من أجل طرد "المسلمين" الذين يسكنون جسده، ومضى الآن على فترة تواجده بضريح بويا عمر مدة عشر سنوات، ألف العيش فيها ويمضي نهاره في التسول من أجل شراء السجائر وبعض الضروريات، ثم يعود عندما يحين موعد تناول الوجبات الغذائية إلى دار الرعاية التي يقيم بها، في سيناريو يومي يعيد نفسه منذ سنة 2003 إلى غاية كتابة هذه الأسطر، تركنا "محمد" آسفين على ذبول زهرة شبابه وسوء البديل الذي استبدل به حياة السجن خلف القضبان، ثم واصلنا السير إلى أن وصلنا إلى مقر الولي الصالح فأخبرنا "العلمي البيصوري" وهو أحد حفدة "بويا عمر" أن أعضاء الجمعية الذين يشرفون على تسيير الضريح  انتقلوا إلى مراكش من أجل حضور إحدى جلسات المحكمة للفصل في النزاع القائم بين ورثة الولي "بويا عمر"، لم يخف "العلمي" تدمره من الوضع المزري الذي أضحى عليه المزار ومن سوء تسيير المسؤولين له، مشيرا إلى نموذج من طرق النصب التي كان يعتمدها المشرفون على الضريح ، إذ أن شخصا يدعى "البهجة" يتم الاتفاق معه مسبقا على المكوث في سرداب لا يراه أحد من الزوار تحت قبر الولي "بويا عمر" وبمجرد ما تطأ قدم الزائر مكان الزيارة، يقول الشخص الذي يختبئ في السرداب : "الذبيحة" ثلاث مرات، عندئذ يضع المرافق سلسلة من الحديد على عنق الزائر الضحية ويخبره أن الولي الصالح يريد منه أن يقدّم له "ذبيحة" أو ما يعادلها نقدا من أجل تيسير قضاء الحاجة التي جاء من أجلها. وذكر "العلمي البيصوري" أن العديد من أرباب دور الرعاية يحتجزون النزلاء لديهم ويمنعونهم من رؤية الشمس لسنوات عديدة خشية هروبهم، وتضيع عليهم بالمقابل المداخيل المالية التي يتحصلون عليها من أقاربهم، وفي هذا السياق يضيف قائلا: " ..من طول فترة احتجاز المرضى ببعض دور الرعاية التي هي أشبه ما تكون بغرف سجنية، عاينت ذات يوم بأم عيني كما عاين ذلك سكان المنطقة جثة مريض قفز من أعلى إحدى دور الرعاية طمعا في الهروب، فسقط على رأسه الذي تهشم بالكامل وتناثرت أجزاء من مخه  بجانبه، وكانت بعض الكلاب والقطط تشم تلك الأجزاء وتمر فوقها من الساعة 8 صباحا إلى 1 بعد الزوال، إلى أن حضر رجال الوقاية المدنية"، وأضاف المتحدث ذاته أن صاحب دار الرعاية التي كان يقيم فيها ذلك النزيل لم يتعرض لأي مساءلة قضائية أو محاسبة بحيث اكتفى رجال الدرك الملكي ببعض الإجراءات الروتينية وسُمح لصاحب الدار بالعودة لاستئناف عمله كأن شيئا لم يكن، وعن دوريات التفتيش ذكر المتحدث نفسه أن اللوبي الذي كان يسيطر على ضريح بويا عمر بمجرد ما يعرف موعد خروجها (دورية التفتيش) يخبر أصحاب دور الرعاية بقدومها ليتم إخراج الحالات الصعبة والحرجة من البيوت إلى ضيعات مجاورة لكي تكون بعيدة عن أعين المراقبين ويُحتفظ بالحالات التي لا بأس بها، فتمر اللجنة من دون أن تعاين الحالات الإنسانية الحرجة وما يدل على الوضع الكارثي لنمط عيش النزلاء بتلك البيوت، وعندما تنصرف اللجنة تعود الانتهاكات والتجاوزات الفظيعة إلى حالتها الأولى ثم تستمر المعاناة. إن حالة محمد وقاسم ونبيل ..وغيرها حسب مصادرنا هي نماذج بسيطة للوضع الصحي الكارثي والمتردي لمجموعة من النزلاء الذين أجبروا باسم "التداوي ببركة الولي الصالح بويا عمر" على تحمل تبعات رعاية أسندها المشرفون السابقون للضريح لأرباب بيوت ليس لهم أدنى إطلاع أو تكوين في مجال الرعاية الصحية التي تقتضي أن تكون تحت إشراف طاقم طبي مختص.

 

شبكة أخطبوطية من المسؤولين النافذين وراء تنامي المعتقلات ب"بويا عمر"

وشهد شاهد من أهل حفدة "أل بويا عمر" على فظاعة الانتهاكات والاحتجازات لمجموعة من المرضى بدور الرعاية المحيطة بالضريح، وفي هذا السياق صرّح "العلمي البيصوري" أحد حفدة بويا عمر أن منازل الرعاية تخفي داخل أسوارها أوضاعا مأساوية يصعب وصفها، مشيرا أن  أشخاصا دخلاء على ورثة الولي لا ينتمون إلى شجرة نسبه هم من يقفون وراء استفحال هذا الوضع وفي تحويل المنطقة إلى معتقل شبيه بغوانتنامو، إذ أن أرباب العديد من البيوت يحتجزون لديهم العشرات من النزلاء والمختلين عقليا ونفسيا ويمنعونهم من رؤية الشمس واستنشاق الهواء النقي لمدة طويلة تصل إلى أربع وخمس سنوات، ناهيك عن قلة النظافة وضعف التغذية والاعتداءات الجسدية، وفي سياق متصل صرح"عمر العزري" أحد حفدة "بويا عمر" أن أرباب بيوت الرعاية هم في الأصل مرضى جاؤوا إلى الضريح طلبا للعلاج من مناطق مختلفة من المغرب وبعد تحسنهم أقاموا في المنطقة وشرعوا في استقبال المرضى لديهم في منازل بتفويض من طرف أشخاص آخرين كانوا يشرفون على الضريح مقابل استفادتهم من أجرة الشهر الأول لكل مريض لديهم، فتحول الأمر إلى اتجار علني في النزلاء، وأضاف المتحدث أن هناك شبكة أخطبوطية من المستفيدين تضم 12 شخصا بينهم شخصيات نافدة تنتمي إلى السلطتين المحلية والمنتخبة. ومن تجليات عمليات النصب والاحتيال التي حبكوها فيما بينهم - يضيف المتحدث نفسه - هناك عقد كراء بنايتين كبيرتين تضمان في المجموع 28 غرفة و6 مراحيض و8 دكاكين وبيع المفاتيح بمقر ضريح "بويا عمر" – تتوفر الجريدة على نسخة منه- قام من خلاله أعضاء جمعية مجهولة يترأسها نائب برلماني بكرائها لفائدة "الطاهر.ط" لمدة خمس سنوات مقابل مبلغ مالي يقدّر ب180000 درهم أي 3000 درهم للشهر الواحد، وأضاف المتحدث أن هذا العقد نموذج لمجموعة من عمليات النصب والاحتيال التي قام بها اللوبي المذكور، ذلك أن الجمعية التي أبرمت العقد هي جمعية وهمية لا وجود لها وليس لها أي سند قانوني، وأن البنايتين اللتين تم كرائهما، كانتا ملحقتان بالضريح ومخصصتان في الأصل لإيواء النزلاء والمرضى بدون مقابل مادي، فتم كرائها ل"الطاهر.ط" الذي له علاقات واسعة مع مجموعة من المسؤولين بالمنطقة الذين يخصهم بنسبة معينة من المداخيل.

وفي سياق أخر، ورد في محضر اجتماع لجمعية شرفاء "بويا عمر" نتوفر على نسخة منه  أن مكتري فتوحات الضريح "الطاهر.ط" ما زالت تدين له الجمعية المذكورة ب300000 درهم من المبلغ الإجمالي 1161000 درهم بعد انقضاء عقدة الكراء الأولى، فتم التراضي بين الأطراف على تمديد مدة الكراء خمس سنوات أخرى بدءا من 03/12/2009 إلى غاية 03/12/2014، وقُدّر مبلغ الكراء السنوي ب 150000 أي 750000 درهم في خمس سنوات، يحصل منها المعني بالأمر مبلغ 300000 درهم المتبقي بذمة الشرفاء وتم الاتفاق على تخصيص مبلغ 118500 درهم لمصاريف موسم الميلودية و108000 درهم لإحياء حفل ديني يحضره مجموعة من المسؤولين النافدين بالمنطقة.

  وفي شكاية مباشرة مرفوعة إلى رئيس المحكمة الابتدائية بقلعة السراغنة بتاريخ 11 يوليوز 2013 لمكتري الفتوحات "الطاهر.ط" ضد ستة أفراد من حفدة بويا عمر، ذكرت أن السلطة نظرا لكثرة الحفدة الذين يتوزعون على 16 دوار ارتأت أن تكتري فتوحات الضريح وعقاراته إلى من رسى عليه المزاد الذي ينظم بواسطة ممثلين عن كل دوار، فاستقر المزاد لصالحه مدة 5 سنوات، غير أنه فوجئ بتاريخ 11/03/2012 بالمشتكى بهم يهجمون على الضريح ويستولون على صناديق المال ويضعون أقفالا جديدة، فاستحوذوا على جميع محتويات الضريح بدون موجب حق – تضيف الشكاية- على الرغم من أن المكثري يؤدي واجبات كراء الضريح لنواب الحفدة. وفي شكاية أخرى مؤرخة ب18/02/2013 معنونة ب"النصب والمشاركة فيه وانتحال صفة" لفائدة ثلاثة أفراد من حفدة بويا عمر ضد 12 شخصا يقولون أنهم يتصلون بنفس النسب، وجاء في مضمونها أن العارضين تفاجؤوا صيف 2012 بأن المشتكى بهم الإثني عشر يقدمون أنفسهم على أنهم يمثلون جمعية "شرفاء بويا عمر" واكتشفوا أنهم يقومون بكراء بعض الغرف والدور التابعة للضريح لفائدة الزوار في حين أن هذه الجمعية غير موجودة من الناحية القانونية ولا تتوفر على مقر رئيسي و قانون أساسي ولا طابع لها تؤشر به على طلباتها، وتضيف الشكاية أنهم انتحلوا صفة ينظمها قانون الجمعيات، وتحصلوا من وراء  ذلك على أموال بغير وجه حق مستعملين في ذلك الحيلة والتضليل وأدلوا ببيانات كاذبة لجمعية وهمية غير موجودة، وطالب المشتكون بمتابعة المشتكى بهم الإثني عشر وفق ما ينص عليه القانون الجنائي من أجل النصب والاحتيال والمشاركة فيه والإدلاء ببيانات كاذبة وانتحال صفة، وتواصل شد الحبل بين طرفي النزاع بدخول أطراف أخرى على الخط من السلطة المحلية والهيئة المنتخبة في شخص كل من رئيس دائر العطاوية وقائد قيادة "وراكي" نتج عنه إغلاق ضريح بويا عمر لمدة يوم واحد، حيث جاء في مراسلة من أعضاء جمعية "شرفاء حفدة سيدي رحال البودالي فرع  بويا عمر" لمفتشية وزارة الداخلية – تتوفر الجريدة على نسخة منها - بتاريخ 21/12/2013 يستفسرون من خلالها عن الأسباب التي جعلت رئيس دائرة العطاوية وقائد قيادة واركي بمساعدة مجموعة من القوات المساعدة يغلقون ضريح جدهم بتاريخ 20/12/2013 من السادسة صباحا إلى الساعة الثامنة مساء بدون سابق إنذار أو أي حكم قضائي يبرر فعل الإغلاق، حيث وردفي المراسلة ذاتها أن قائد القيادة المذكورة برّر ذلك تارة بوجود صراع بين حفدة بويا عمر وتارة أخرى بقوله أنه تقرر تكليف المسؤولين بدائرة العطاوية للسهر على تسيير شؤون الضريح واستغلال "فتوحاته" من دون أن يبين الجهة التي أسندت له تكليف أو السند القانوني الذي ارتكز عليه – تضيف المراسلة ذاتها - وعلمت الجريدة أن ليلة إغلاق مقر الضريح قام الحفدة الغاضبون بتنظيم أمسية جذبة أمام بابه الذي كان محاطا بممثلين عن السلطة المحلية وأفرادا من القوات المساعدة ومسؤولين منتخبين ، فقاموا أثناء ممارستهم لطقس "الجذبة" باختراق صفوف القوات المساعدة وعادوا إلى المقر من جديد، وانتهت حالة الاحتقان هاته بجروح وإصابات بسيطة في صفوف المجاذبة كادت أن تسفر عن مواجهة دموية مع قوات الأمن.

 إذن هي حرب قضائية ضروس حولت منطقة بويا عمر خلال السنوات الأخيرة مسرحا لتشجنجات وصراعات محلية بين أفراد كثر يرفعون نسبهم للولي الجد من أجل الاستفادة والاستئثار بالمداخيل المالية التي يدرها الزوار على الضريح، وبين هذا الصراع الذي تحركه أيادي مسؤولين نافدين بالمنطقة للاستفادة من الغنيمة المسيلة للعاب يقبع 1080 نزيل منهم 356 من النساء في عالم توقفت به عقارب الساعة وسيرورة الزمن خلف حيطان رطبة شاهدة على أكبر معتقلات للرق والعبودية في المغرب المعاصر.

 

الجمعية المغربية لحقوق الانسان تطالب بإغلاق ضريح بويا عمر وفتح تحقيق في ملفان مشبوهة

 عبرت الجمعية المغربية لحقوق الانسان فرع العطاوية تملالت عن استنكارها لما يتعرض له  المحتجزون بضريح بويا عمر من انتهاك صريح لحقهم في العيش  بكرامة وحرمانهم من التمتع بأدنى حق من حقوقهم الطبيعية، حيث ذكرت أنهم يعيشون في ظروف مزرية  وأن جلهم مقيدون بأغلال حديدية و يتعرضون يوميا للتعذيب بكل أشكاله (النفسي ، البدني ، استغلال جنسي... استغلال بعضهم في التسول والعمل بالحقول)  بالإضافة إلى ابتزاز الذي يتعرض له أهل المرضى، وأضافت الجمعية الحقوقية ذاتها أن النزلاء مقسمون إلى عدة فئات منهم  المرضى النفسانيون الذين يشكلون الأغلبية ومكانهم الحقيقي هو  المصحات النفسية ويجب أن تشملهم العناية الطبية، ومنهم فئة ثانية تم احتجازها باتفاق مع أهلهم للاستفادة من الإرث، وفئة ثالثة تضم الهاربين من العدالة وفئة رابعة تشمل مدمنين على المخدرات الصلبة من شمال المغرب على وجه التحديد. 

وفي تصريح لمراكش الإخبارية طالب " محمد أبوولي" رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع العطاوية تملالت بالاغلاق الفوري لهذا المعتقل، إحالة المرضى النفسانيون على المستشفيات  الخاصة، وفتح تحقيق  حول  مجموعة من الملفات المشبوهة سواء المتعلقة منها  بالضحايا من المرضى،  أو بالصراع الدائر حول صندوق الضريح بين ورثة الولي بويا عمر واصفا إياهم بأنهم يتاجرون بمآسي إنسانية، وأضاف المتحدث ذاته أن فرع الجمعية الحقوقية الأولى في المغرب ينكب على إعداد ملف شامل حول الموضوع سينشر حين الانتهاء منه، وسيتم الإعلان بعدها عن البرنامج النضالي الكفيل بوضع حد لهذه المعاناة الإنسانية.

وفي سياق ذي صلة سبق لخمسة أفراد من حفدة بويا عمر أن تقدموا بشكايات –تتوفر الجريدة على نسخ منها- إلى وزير الداخلية ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وزير العدل، والمجلس الأعلى لحقوق الإنسان أعلنوا في متنها زجرهم لما يدور في دور الرعاية بالمنطقة من انتهاكات، مُحمّلين مسؤولية ذلك لأشخاص غرباء يدّعون أنهم من حفدة "الولي بويا عمر" ووصفت الشكايات السالفة الذكر نزلاء بيوت الرعاية ب"الأسرى والمحرومين من دفئ ونور الشمس"، مشيرة أنه بعد أيام قليلة على انقضاء مناسبة المولد النبوي أقدم أحد المرضى المسجونين على الانتحار، بعدما تم حرمانه من استنشاق الهواء، مضيفة أنه تم طمس تلك الجريمة في ظرف وجيز دون أن تتخذ أي إجراءات زجرية في حق صاحب المنزل وشركاؤه الذين يوفرون له الحماية. وذكرت الشكايات ذاتها أنه تمت مراسلة عامل إقليم قلعة السراغنة "السابق" بهذه الجريمة، لكن بدون أن يسفر ذلك عن أي نتيجة، مُطالبة بفتح تحقيق في الموضوع للوقوف على ملابساتها وكشف المسؤول عنها الذي مازال يصول ويجول كأن شيئا لم يكن، ناعتة إياه بأن همه الوحيد هو جمع المال وتقديمه لشركائه الذين يتسترون عليه لدى السلطات المحلية والإقليمية. وجوابا على الشكاية المقدمة إلى المجلس الأعلى لحقوق الإنسان حول هذا الموضوع تتوفر الجريدة على نسخة من  رد اللجنة  الجهوية لحقوق الانسان بمراكش، وهو حسب عدد من الفاعلين الحقوقين مدعاة للسخرية ويطرح أكثر من علامة استغراب حيث ورد بالحرف "..وحسب القانون الداخلي المنظم للمجلس الوطني لحقوق الانسان ولجانه الجهوية فالتدخل يأتي بعد تلقي مراسلة من ذوي الحقوق مباشرة..لهذا نرجو من سيادتكم إخبار المعنيين بالأمر بتقديم شكاية حول وفاة قريبهم وكذا موافاتنا بنسخة من البطاقة الوطنية للمشتكي"

 

لماذا تغض الدولة المغربية الطرف عن كارثية الوضع بضريح بويا عمر؟

صرح عدد من الطلبة الذين يتابعون دراستهم الجامعية بكلية القاضي عياض بمراكش أنهم يخجلون من انتمائهم لمنطقة بويا عمر ويجدون حرجا شديدا في التصريح أنهم من أبناء المنطقة، خشية أن يتعرضوا لسخرية وتهكم  زملائهم، وفي سياق متصل أجمع عدد من الفاعلين الجمعويين والحقوقيين الذين التقتهم الجريدة على كارثية الوضع الصحي والنفسي بدور الرعاية بمنطقة "بويا عمر" الذي يُسوّق صورة سلبية عن المغرب ويسئ بشكل كبير لنسيجه الثقافي، وإذا كان للمغرب سفراء في المجال الرياضي، الفني والسياسي يروجون للنسيج الثقافي المغربي المُتسم بالغنى والتنوع، وتعزيز تواجده في المحافل الدولية واستعراض أهم منجزاته التنموية والدستورية، فإن بؤرة "بويا عمر " على النقيض من ذلك ترسم معالم صورة مغرب متخلف غير مواكب للمستجدات الدولية في مجال حقوق الإنسان والرعاية الصحية، ولعل هذا الوضع المتناقض بين مغرب يتحدث لغة الحداثة والتحديث ومغرب أخر يقوم واقع الممارسة اليومية لشريحة من مواطنيه على التداوي ب"بركة بويا عمر" سيترك انطباعا  "سكيزوفرينيا" لدى العديد من أصدقاء وشركاء المغرب الذين قد لا يتعاملون بجدية مع اقترحاته ومجهوداته ، وإذا كان الوضع على هذا النحو من السوء والسلبية فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الذي يمنع السلطات المحلية من وضع حد لأنشطة ضريح بويا عمر وإغلاق أبواب دور الرعاية به؟

الإجابة على هذا السؤال جاءت بطريقة غير مباشرة على لسان أحد سكان المنطقة الذي ذكر أن الأنشطة الممارسة بضريح "بويا عمر" توفر مداخيل مالية مهمة وتشغل نسبة كبيرة من سكان الدواوير المجاورة له، كما أنها تساهم في خلق رواج داخلي يؤمن الحاجيات الضرورية لبعض السكان، وأضاف المتحدث ذاته أن إغلاق السلطات المحلية لضريح بويا عمر يفرض توفير فرص شغل بديلة للسكان المحليين وإحداث مشاريع تنموية لسد العجز المترتب عن ذلك، وعند إلقاء نظرة على الوضعية الاقتصادية الصعبة  للبلاد ونسبة النمو المسجلة وتداعياتها السلبية يُستنتج أن الدولة غير قادرة على إحداث مشاريع استثمارية في هذا الإطار، فتركن بذلك إلى ترك الوضع على ما هو عليه لأنه يخفف بشكل نسبي من أزمتها الاقتصادية ويكمم الأفواه المطالبة محليا بتوفير فرص الشغل وتحسين مستواها المعيشي إلى اجل غير مسمى، حتى وإن كان نشاطها بضريح "بويا عمر" ينتج قيم التخلف ويُخرج المغرب من خريطة دول العصر الحديث،

من جهة أخرى أسرت مصادر للجريدة أن هناك أطرافا أخرى تستفيد بشكل مباشر من الأنشطة الاقتصادية والرواج التجاري بضريح بويا عمر وتتلقى عن ذلك نسبة محددة من الأرباح مقابل تأمين اشتغال دور الرعاية وحمايتها من المتطفلين والتصدي للأصوات التي تطالب بإغلاقها، كما أن الضريح المذكور أصبح ورقة انتخابية مهمة يراهن عليها العديد من الفاعلين السياسيين من أجل الحصول على أصوات الناخبين بالدواوير المجاورة مقابل ضمان استمرار اشتغال ضريح بويا عمر، واستبعاد إحداث مشروع تنموي بديل على أنقاضه والتزام الصمت عن الخروقات والتجاوزات الحقوقية والصحية التي تحدث بدور الرعاية، ولعل هذا المعطى يفسر سبب صمت بعض المنتخبين الذين لم يحركوا ساكنا من أجل وضع حد لهذا الوضع الكارثي أو التنديد به على الأقل، إنه بلا ريب على حد قول أحد الفاعلين الجمعويين بالمنطقة زمن انحطاط وافلاس سياسي مريع جعل أحزابا وفرقاء سياسيين يستثمرون قيم التخلف والتقهقر من أجل الفوز بكراسي صناعة القرار.  وفي سياق متصل، صرح "الحسين الوردي وزير الصحة على هامش لقاء حواري مع إحدى الإذاعات الخاصة أنه ينوي إقناع الحكومة من أجل استصدار قرار إغلاق ضريح بويا عمر وأنه سيبذل كل ما بوسعه من أجل تنفيذه، فهل سينجح في ذلك أم أن منطق المصالح وحسابات مجموعة من المسؤولين كالعادة ستؤجل قرار الإغلاق إلى أجل غير مسمى؟

 

الدكتور عبد الجليل أميم:

-        الفراغ الطبي الروحي للمغاربة الذي تراكم عبر الزمن ملأته الزوايا والأضرحة

-        العديد من الأسر المغربية تُصدّر مشاكلها الإجتماعية ل"بويا عمر"

صرح عبد الجليل أميم أستاذ علم الاجتماع والفلسلفة بكلية الآداب والعلوم الانسانية بمراكش، أن تمثلات فئات من المجتمع المغربي للأولياء والصالحين نابعة من الخلفية الدينية، غير أن تخلف جزء من المغاربة عن أصولهم الثقافية الدينية الحضارية والعلمية ساهم في إنتاج عقلية جديدة تعتقد في القوى الخارقة لبعض الأولياء والصالحين، مفسرا لجوء بعض الأسر التي تفضل إرسال المرضى النفسيين من أفرادها إلى دور الرعاية ببويا عمر عوض إرسالها إلى مصحة متخصصة، بالتمثل المجتمعي السلبي للمرض النفسي وبالسمعة السيئة لبعض مستشفيات الأمراض العقلية وضعف الإمكانات المادية لبعض الأسر، نافيا أن تكون هناك أي علاقة في التداوي تجمع بين الطرق المعتمدة في ضريح بويا عمر  وبين الطب الروحي المعروف في بلاد الصين، مشيرا أن الفراغ الطبي السيكولوجي للمغاربة الذي تراكم عبر الزمن جعل الزوايا والأضرحة تملأ ذلك الفراغ وتُشيع معتقدات وأفكار ميتافزيقية غيبية فاسدة، موضحا أن استمرار دور الرعاية الصحية ببويا عمر في مغرب الألفية الثالثة يجد مبرراته في سيرورة مصالح مترابطة بين مجموعة من الفاعلين بالمنطقة، مؤكدا أن الاستثمار في الجانب التعليمي والتوعوي وإيجاد البدائل الاقتصادية الكفيلة بتحقيق الاكتفاء الذاتي لساكنة المنطقة من شأنها أن تمهد مستقبلا لإغلاق الضريح والقطع مع مجموعة من الأفكار والمعتقدات المسؤولة عن تأخر المجتمع. من خلال الحوار التالي:

س‌-    بداية، هل لك أن تحدثنا بشكل مقتضب عن جانب من التمثل الشعبي للأولياء والصالحين الذين يُعتقد في قواهم الخارقة بالمجتمع المغربي؟

ج- قضية الصلاح هي قضية نسبية، وارتبطت في أصلها بالخلفية العقدية الدينية للمغاربة، لأننا نعتقد في منظومتنا المجتمعية على وجود صالحين مقابل أفراد آخرين فاسدين، فالفرد الذي يغلب عليه صلاحه ترتقي مكانته بين الناس ليصبح وليا من أولياء الله  ومصداق لقوله صلى الله عليه وسلم "من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب"، فتمثل الولي ارتبط بالمكون الديني، لكن مع مرور الوقت ومع انتشار الأمية وقلة الوعي وتراجع الوازع الديني اتخذت صورة شعبية خاطئة ابتعدت في أصولها و فروعها عن أصلها العقدي، بحيث لم يعد يُعتقد في الله خالق الكون بل في الولي وفي صلاحه، فأصبح يُتمسّح بقبره لقضاء الأغراض الدنيوية، هذا التخلف عن الأصول الثقافية الحضارية الدينية والعلمية، أنتج عقلية جديدة تعتبر أن  الإنسان بإمكانه أن يصبح خارقا، هذا من جهة، و من جهة أخرى فالاعتقاد ببركة الأولياء بين فئات من المجتمع المغربي ارتبط في شق منه ببنية التاريخ المغربي الذي يعتبر تاريخ زوايا وشرفاء، فالعديد من الزوايا كانت لها مساهمات كبيرة في قيام مجموعة من الدول التي تداولت حكم المغرب كالأدارسة والسعديين وبالتالي كان لهم تأثير قوي في الوسط المجتمعي المغربي الذي كان وما يزال يخصهم بمكانة اعتبارية خاصة لنسبهم الشريف، وتجب الإشارة أن تمثل وجود شخصيات خارقة ليست مرتبطة فقط بالمجتمع المغربي أو الأمة الإسلامية بشكل عام، بل كانت موجودة في العديد من الثقافات الأخرى منذ 2000 سنة قبل الميلاد من خلال العديد من الكتابات التي تحيل على هذا الجانب الميتافيزيقي.

س‌-    بعض زوار ومريدي ضريح بويا عمر يعتقدون بقدرته الخارقة على علاج الأمراض النفسية والعاهات العقلية وتيسير زواج النساء العوانس وغيرها من المعتقدات التي يصعب الاستدلال عليها من الناحية العلمية. ماهي قراءتك لهذا النمط من التفكير؟

ج- اشتهرت المنطقة التي دفن فيها الولي بويا عمر بأن كل من أصابه مس من الشيطان يلجئ إلى الضريح اعتقادا منهم  في قوته الخارقة وفي أنه كان قيد حياته يصرع الجن، تجاوز الأمر هذا المستوى ليصبح الاعتقاد أن بإمكانه فك طلاسم السحر وتيسير زواج العوانس..وكل ماله علاقة بالسحر والشعوذة، وهذا المعطى ليس خاصا بمنطقة بويا عمر وإنما بمجموعة من الزوايا والأضرحة الأخرى المنتشرة في مناطق مختلفة بالمغرب، وتجب الإشارة في هذا الإطار إلى أن هذه الأضرحة والزوايا التي تقصدها عينة من المجتمع المغربي من ذوي التعليم الضعيف وفي بعض الأحيان يلجأ لها أيضا حتى المتعلمين، أصبحت مجالا تُصدّر له المشاكل الاجتماعية لهؤلاء من أجل تحقيق مصالح معينة، من مثل اتهام أقربائهم بالحمق والمس وغيرها من الأمور التي تستدعي نقلهم إلى تلك الأضرحة والتخلص منهم، خصوصا في ظل غياب أي حسيب أو رقيب.

س‌-    كيف يمكن أن نفسر بعض الأسر التي تفضل إرسال المرضى النفسيين من أفرادها إلى دور الرعاية ببويا عمر عوض أن تقوم بإرسالهم إلى مصحة متخصصة أو عرضهم على طبيب نفسي؟

ج- هو أمر مركب، لأنه هناك تمثلا مجتمعيا سلبيا للمرض النفسي وهناك أيضا الإمكانات الاقتصادية الضعيفة لبعض الأسر التي لا تستطيع أن توفر مبلغ العلاج في مصحة نفسية، ثم هناك أيضا السمعة السيئة لبعض مستشفيات الأمراض العقلية أو مصحات علاج "الصرع"، بالإضافة إلى النية المبيثة التآمرية لبعض الأسر ضد أفراد من أقاربهم، بالتالي فالأسباب مركبة لأن الظاهرة الإنسانية هي في حد ذاتها مركبة، وأعتقد أنه عندما يتم إغلاق بويا عمر فنزلاء هذا الضريح من المغاربة سيجدون حلا أخر، فعندما تختفي مثل هذه البؤر التي لا علاقة لها بالدين و لا بالعلم، ستلجأ هذه الشريحة من المجتمع إلى البحث عن طرق بديلة للتداوي أو لحل مشاكلها الاجتماعية

س‌-    هناك من يقول أنه بعد مكوثه بضريح بويا عمر تحسنت حالته وأصبح على أحسن ما يرام. كيف نفسر ذلك؟

ج- لا يمكن أن نجزم بهذا الأمر من الناحية العلمية، لأنه لا يعدو أن يكون مجرد مروي ومحكي، ولا يمكن أن نسلم به إلا بإخضاع المريض لمراقبة دقيقة قبل دخوله بويا عمر وبعد خروجه منه، حتى وإن قمنا بذلك فإن الأمر يرتبط بشكل أساسي بالاعتقاد الشخصي لهذا المريض الذي يؤمن مسبقا أنه سيشفى، وتحضرني في هذا السياق قصة المرأة التي كانت تتمسح بثياب موسى عليه السلام كلما مر بجانبها وفي إحدى المرات سألها "يا امرأة كلما مررت من أمامك تمسحتي بثوبي، فأجابته:"إني كلما تمسحت بك شُفيت"، ثم قال موسى عليه السلام: "إنما هو اعتقادك يا امرأة" ومنه فالاعتقاد الجازم الداخلي السيكولوجي بالشفاء هو ما يساعد على العلاج، إذن هي قناعات تتحول إلى معتقدات. الأمر نفسه ينطبق على الوضعية النفسية لبعض الطلبة أثناء تهيئهم لاجتياز الامتحانات، فعندما يعتقدون بأنهم سينجحون فنسبة كبيرة منهم تُوفّق، عكس من كان يعتقد أنه سيرسب، ذلك أنه حتى وإن نجح، فإن معدل نجاحه يكون مقبولا فقط. إذن فمسألة العلاج ببويا عمر هي قضية اعتقاد مسبق بالأساس.

س‌-    هل طريقة التداوي المعتمدة بضريح بويا عمر لها علاقة بما يُعرف في الصين بالطب أو العلاج الروحي؟

ج- عندما نقول مصطلح "التداوي" فهذا يعني أننا أعطيناه صفة الطب، له أسس، مبادئ وقواعد تحكمه، في حين أنه في الحالة الخاصة ب"بويا عمر" بعيد كل البعد عن المقاييس المتعارف عليها من الناحية العلمية ولا سند له من الناحية الدينية والعلمية، لذلك فمقارنته بالطب الروحي عندما الصينيين الذي له امتدادا في التقاليد وفي التعاليم الكنفوشية هو أمر غير ممكن، وأعتقد أن الأمر يتعلق بنوع من الفراغ الطبي السيكولوجي عاشه المغاربة ثم تراكم عبر الزمن، فملأته الأضرحة، ومن طبيعة الحال ف "الوجود لا يقبل الفراغ"، ولاحظ معي أنه يمكن أن نترك بويا عمر في السهل وننتقل إلى الجبال و سنجد "شمهروش" و"مولاي ابراهيم" وغيره من الأضرحة و ما يرتبط بها من المعتقدات الفاسدة، فحيثما وجد الناس، ووجدت الأمراض و انعدم العلم و الطب فاعلم أن الذي سيسود هو الاعتقاد في الإنس والجن أو القوى الخارقة، إذ يستسلم الناس نظرا لجهلهم لعالم أخر هو عالم الميتافزيقا الذي لا يوجد إلا لدى أناس ميتين فيتم التمسح بأضرحتهم ويُرجى الشفاء بزيارتهم.

س‌-    ماهي في نظركم أسباب استمرار اشتغال دور الرعاية بضريح بويا عمر في مغرب الألفية الثالثة على الرغم أن منطق علاجها يعود إلى القروسطوية؟

ج- مقاربة الإشكال يجب أن تكون شمولية، الأضرحة بالمغرب ترتبط بزوايا لها مصالح معينة، وبإرادة سياسية وبالجانب الأمني وبالمتطلبات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، لكن عندما نقرر إغلاق الأضرحة يجب أن تكون هناك بدائل تراعي الجوانب الاقتصادية بالأساس، لأن بويا عمر يؤسس منظومة اقتصادية مترابطة المصالح لمجموعة من الأفراد الذين يحققون اكتفائهم الذاتي عن طريق الأنشطة الممارسة به، فالدولة عندما تقرر إغلاق ضريح بويا عمر، ستقوم بذلك، لكن، الأكيد هو أن هناك حسابات متداخلة للجماعات المحلية ووزارة الصحة وباقي المتدخلين الآخرين. وأعتقد أن الدولة ستتدخل في يوم من الأيام وستقوم بإغلاق الضريح بعدما تتأكد من تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي للساكنة المحلية.

س‌-    ماهي التدابير التي تقترحها لوضع حد لبؤرة ضريح بويا عمر؟

ج- أعتقد من وجهة نظري الخاصة  أنه "أينما وجد العلم ذهب الجهل"، لذلك يجب أن نستثمر في الجانب التعليمي لصالح الساكنة المحلية من خلال محو الأمية وإحداث دور ثقافة ومؤسسات تربوية لمحاربة تمثلات الشعوذة بالأسس العلمية، وعندما تتخذ هذه التدابير التوعوية وتستتبعها البدائل الاقتصادية، آنذاك، لا مناص من استصدار القوانين التنظيمية التي تجرم التعامل معه بأي شكل من الأشكال وتحديد العقوبات الزجرية، ويجب على البرلمان أن يتحمل مسؤوليته في ذلك.