المخطط الجماعي للتنمية ..الحلم الذي تحول الى سراب

حسن البوهي  2016-01-13 12:46:55

استقرت سفينة المغرب الإصلاحية بعد تبنيه لسياسة اللامركزية في تسيير هياكله وأجهزته الإدارية على ثقافة التخطيط الإستراتجي من خلال إصدار الميثاق الجماعي كشكل من أشكال الحكامة التي تخول للفاعلين والمتدخلين في مجال ترابي معين المساهمة في صناعة القرار المحلي  والإستفادة من هامش أكبر في العمل السياسي المحلي، وفق منطق تشاركي منفتح على الفاعلين الإقتصاديين ومنظمات المجتمع المدني في أفق تحقيق تنمية مستدامة تعبر عن  إحتياجات المواطنين الأساسية.

من هذا الإطار النظري الذي يتحدث لغة الإصلاح والتغيير راهن عدد كبير من المواطنين المراكشيين على المخطط الجماعي للتنمية 2011-2016 من أجل وضع مدينة سبعة رجال على سكة الإنطلاقة الحقيقية  وتحقيق الإقلاع الإقتصادي الذي طال انتظاره منذ عقود، وتبادر الى أذهان الكثيرين أن المدينة الحمراء ماضية في اتجاه استعادة دورها الطلائعي الذي لعبته خلال فترات زمنية سابقة كعاصمة للسياسة والفكر والثقافة..لكن . أحلام اليقظة هذه، توقفت عندما انتبه عدد من الفاعلين أن المخطط الجماعي للتنمية أجهض قبل ولادته بما كان يحمل في استراتجية عمله من نواقص ومقاربات  قاصرة لم تكن في  والتطلعات الكبرى التي راهنت عليها الساكنة المحلية.

 

الولادة المشوهة للمخطط الجماعي للتنمية 2016-2011

 

ذكرت بعض المصادر المطلعة أنه فور الإعلان عن بداية العمل بمثن الميثاق الجماعي الذي جاء من أجل إعطاء نفس جديد للعمل السياسي المحلي، بادرت بعض الشخصيات الرئاسية بجهة مراكش تانسيفت الحوز والعضوة في نفس الوقت بالمجلس الجماعي لمراكش الذي تشرف عليه العمدة فاطمة الزهراء المنصوري الى استقدام مكتب دراسات من مدينة الرباط من دون أن يعلن عن طلب العروض، وهو إخلال واضح بمبدأ تكافئ الفرص حيث تقتضي الأدبيات الديمقراطية المتعارف عليها في مثل هذه الأوراش بالإعلان الرسمي لاستقبال عروض كل مكاتب الدراسات الأخرى المرشحة واختيار الأنسب منها التي تستند على دراسة واقعية وإجرائية للاحتياجات والمتطلبات الأساسية للمواطنين، وذكر بعض الخبراء والباحثين أن مدينة مراكش تتمركز بها مجموعة من مكاتب الدراسات التي تتمتع بسمعة جيدة في مجال التخطيط الإسترتجي، وأتبثت جدارتها  بإنجازها لمجموعة من المشاريع بمواصفات متقدمة استفاد من خبراتها مستثمرون أجانب ومغاربة، ويرى نفس الخبراء والأساتذة الباحثين في مجال التنمية والتخطيط الإستراتجي على ضوء المقاربة المنهجية التي اعتمدها مكتب الدراسات "المجهول" في إنجاز المخطط الجماعي للتنمية أنها لا تتماشى مع الأبجديات المتعارف في مجال التخطيط وتتعارض مع مجموعة من التوجهات والمبادئ التي جاء ت بها مضامين الميثاق الجماعي.

ذكرت مصادر مطلعة أن مكتب الدراسات المستقدم من مدينة الرباط استكمل إنجاز المخطط الجماعي -الذي كان يراهن عليه عدد من الفاعلين والمتدخلين من أجل وضع خارطة طريق لتدشين أوراش تنموية  والرقي بالمستوى المعيشي للساكنة المراكشية- في زمن قياسي لم يتجاوز الشهرين، وهو ما يثير أكثر من علامة استفهام خصوصا عندما نعلم أن بعض المدن المغربية التي لا تضاهي مدينة مراكش من حيث المساحة وعدد السكان والمرافق والتجهيزات ..استغرقت أشغال الدراسة بها ما يزيد عن سنة كاملة، بل إن البعض منها تتطلب وجود أكثر من مكتب دراسات واحد.

صرح محمد العربي بلقايد الكاتب الجهوي لحزب العدالة والتنمية وأحد الوجوه المعارضة للسياسة التدبيرية للمجلس الجماعي الذي تترأسه العمدة فاطمة الزهراء المنصوري أن الدراسة التي أنجزها مكتب الدراسات المجهول كلف ميزانية الجماعة ما يزيد عن 200 مليون سنتيم، من دون أن تتوفر بها المقاييس والمعايير المتعارف عليها في إنجاز المخططات الإستراتجية، وهو تبذير للمال العام ويقتضي فتح  تحقيق قضائي لكي يتمكن الرأي العام من معرفة التفاصيل الحقيقية لهذه الصفقة التي لم تكن شفافة منذ بدايتها.

 

مشاريع فضفاضة

 

القراءة الأولية لمضامين المخطط الجماعي للتنمية 2016-2011 يضعنا أمام مجموعة من المشاريع المرتبطة ب: التعمير والتهيئة المجالية وحماية التراث، السكن غير اللائق، البنيات التحتية والتنقلات الحضرية، الولوج الى الخدمات الأساسية، البنية الحضرية التنشيط الثقافي والرياضي، تهيئة قطب حضري جديد بفضاء باب دكالة، تنمية المجالات الخضراء، إحداث مدينة للإبتكار بمنطقة سوق الأربعاء القديم، تثمين الفضاء الحضري لجبل جليز، كما تضمن المخطط مشاريع القرب : هيكلة طرق الجماعة الحضرية تدبير النفايات،إعادة هيكلة 28 دوارا يشتمل على 3662 منزل، ترحيل 78 دوارا تقطنه 4395 أسرة، إصلاح وترميم 1440 منزل أيل للسقوط وإعادة إيواء 1080 أسرة تقطن بها...

إن المشاريع التي وردت في مثن المخطط الجماعي حسب مجموعة من الأساتذة الباحثين والخبراء في مجال التنمية والتخطيط الإستراتجي، لا تحمل سمات التخطيط الخماسي كما هي مدرجة  في ديباجة المخطط الجماعي للتنمية 2016-2011، إذ أن تنفيذ مجموع هذه المشاريع يتطلب استراتجية بعيدة المدى تستشرف 2020 أو 2022، وأن خمس سنوات غير كافية لتنزيل %40 منها، وارتباطا بالمشاريع التي تم إنجازها ذكرت مصادر مطلعة أن مشاريع المخطط الجماعي شبه مجمدة، ومشروع تهيئة الطرق الحضرية الذي تجري أشغاله حاليا تمت تغطية كلفته باستدانة مالية  وصلت الى 30 مليار سنتيم.

 وفي سياق متصل تقدر التكلفة المالية لإنجاز المشاريع الكبرى للمدينة ب 1482 مليون درهما ، فيما تقدر كلفة المشاريع المواكبة ب 1735 مليون درهما، وكلفة مشاريع القرب ذات المستويين: مابين المقاطعات 4888 مليون درهما، وداخل المقاطعات 3872 مليون درهما، لتصل الكلفة الإجمالية لما مجموعه 11977 مليون درهما

تساهم فيها الجماعة ب 6533 مليون درهما.

حصيلة الكلفة المالية الإجمالية لإنجاز المخطط الجماعي للتنمية 2016-2011 تطرح الأسئلة التالية: هل المجلس الجماعي لمدينة مراكش قادر على تغطية هذه المصاريف؟ وهل يتوفر على شركاء حقيقيين قادرين على دعمه في هذا الورش الضخم الذي يعادل الأوراش التي تنجز في البلدان الخليجية وفي المدن الأمريكية الكبرى في عز رخائها الإقتصادي؟ هل أخذ أعضاء المجلس الجماعي بعين الإعتبار قبل المصادقة على هذا المخطط الأزمة الإقتصادية والسياحية التي تمر منها مدينة مراكش بشكل خاص والمغرب بشكل عام وشركائه الإستراتجيين؟ ..أسئلة عديدة عندما نحاول الإجابة عنها سنخرج بنتيجة مفادها أن أعضاء المجلس الجماعي لمدينة مراكش ومكتب الدراسات المجهول لم يأخذوا بعين الإعتبار تداعيات الأزمة الإقتصادية العالمية على الإقتصاد الوطني وعلى اقتصاد مدينة مراكش الذي يرتكز على قطاع السياحة، ومعلوم أن السياحة تتأثر أكثر من غيرها بالأزمة الإقتصادية، ولعل المراكشيون يعرفون أكثر من غيرهم نتائج  الركود الإقتصادي الذي عرفته المدينة بعد إلغاء مجموعة من الرحلات السياحية السنة الماضية.

أما بخصوص الشركاء فقد فقد صرح محمد العربي بلقايد عضو المجلس الجماعي في صف المعارضة أن أعضاء المجلس الجماعي لمراكش لم يكن لديهم العدد الكافي من الشركاء ورغم ذلك صادقوا على ّ"المخطط الجماعي للتنمية" من دون أن يكون هناك تصور شامل عن الكيفية التي سيتم بها سد الخصاص المالي، خصوصا أن الميزانية العامة للجماعة هي في حدود 70 مليار سنتيم، يخصص منها ما بين  % 25و 30% لأجور الموظفين، و13 مليار سنتيم تخصص للديون الخارجية.

تعدد المشاريع التي تضمنها المخطط الجماعي للتنمية 2016-2011

المشاريع الحيوية التي تم تهميشها في المخطط وارتباطا بمشروع النقل الحضري الذي كان من المتوقع أن تشمله إصلاحات لصالح الساكنة المحلية فقد تم تمديد العقد مع شركة النقل "ألزا"  

كثرة المشاريع التي تمت برمجتها في المخطط الجماعي للتنمية 2016-2011 جعلت بعض المشاريع الأولوية في طريقها للنسيان، إذ لم تواكبها متابعة جادة من طرف السلطات المحلية