الواقع المتردي لقطاع الصحة بجهة مراكش

حسن البوهي  2016-01-13 18:07:52

"السياسة الصحية بجهة مراكش وبالمغرب عموما هي سياسة عرجاء" بهذه العبارة التي تختزن دلالات الفشل في المجال الصحي كان رد عدد من المهنيين والفاعلين في القطاع الصحي بجهة مراكش تانسيفت الحوز، عباراتهم كانت شبه موحدة في وصف واقع حال منظومة صحية مريضة، في حاجة لعمليات علاج ومضادات حيوية تدبيرية وعمليات جراحية مستعجلة، لكي يتم إنقاذها من سكتتها القلبية الوشيكة، والخروج بها من قسم العناية المركزة لتقدم خدماتها الطبية للمواطنين، الذين يتزايد عددهم بوثيرة سريعة بالجهة،  حيث يقدر عددهم حسب الإحصاء العام الأخير للسكان ب3238000 نسمة بمتوسط كثافة سكانية يصل إلى 99 نسمة/الكيلومتر مربع متجاوزا معدل الكثافة المسجل على الصعيد الوطني 68 نسمة/الكيلومتر مربع، ولعل المفارقات الكبرى التي يعرفها القطاع الصحي بالجهة حسب عدد من المهنيين والفاعلين، هو أن النمو المتزايد لسكان الجهة واكبه تراجع ملحوظ لجودة الخدمات التي تقدمها المؤسسات الصحية نتيجة قلة المعدات الطبية وعدم كفاية الموارد البشرية، وتكشف لغة الأرقام جانبا من الوضع المتردي لهذا القطاع الذي يئن تحت وطأة الإهمال والخصاص الحاد، حيث تشير الإحصائيات إلى نسبة 0.6 سرير لكل 1000 مواطن، وارتفاع نسبة الاكتضاض التي تتجاوز حسب بعض الفاعلين في القطاع نسبة %176 بمجموعة من الأقسام الصحية.

مراكش الإخبارية تنقلكم في ملف هذا العدد إلى واقع حال القطاع الصحي بجهة مراكش لتسلط الضوء على أهم المشاكل والإكراهات التي يعاني منها، وتكشف بلغة الأرقام معطيات حول عدد المؤسسات الصحية وطبيعة خدماتها الموجهة للمواطنين، ونتعرف على النتائج الأولية لتطبيق نظام المساعدة الطبية "راميد"، والخلفيات التي جعلت العديد من الفعاليات الحقوقية والنقابية تعترض على مشروع قانون 94-10 المتعلق بمزاولة مهنة الطب. فما هو واقع حال القطاع الصحي بجهة مراكش؟ وما هي تجليات التردي التي يتحدث عنها مهنيو هذا القطاع والمواطنين؟ وما هي المؤشرات الدالة عليها بلغة الأرقام والإحصائيات؟

 

السياسة الصحية بالمغرب مسلسل من التبعية والإخفاقات المتتالية

 

ارتبطت السياسة الصحية بالمغرب التي يزيد عمرها عن نصف القرن من الزمن منذ فجر الاستقلال، بسيناريوهات من التدبير التقني القاصر الذي جعل المواطنين بالجهة يجترون إكراهات ومشاكل متعددة انعكست آثارها بشكل سلبي على حقهم الطبيعي في الصحة، وفي هذا السياق يرى " نور الدين مكماسي" الكاتب الجهوي وعضو المكتب الوطني للنقابة الوطنية للصحة المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل أن البدايات الأولى لتشييد لبنات السياسة الصحية  بالمغرب ظهرت مع  حكومة الراحل "عبد الله ابراهيم"، من خلال المناظرة الوطنية حول الصحة بمدينة ورزازات التي جعلت من التجربة المغربية آنذاك نموذجا يحتدى به في المجال الصحي على المستوى الإفريقي، غير أن السياق السياسي والتاريخي الذي كان سائدا آنذاك انطلاقا من ماي 1960  حال دون أن تحقق الأهداف المتوخاة منها، وتمت الاستعاضة بسياسة صحية ارتبطت بتبعات اتفاقية "إكس ليبان" وكرست تبعية المغرب في هذا المجال للنموذج الفرنسي دون مراعاة الخصوصية الثقافية الاجتماعية الاقتصادية والسياسية للمغرب، وفي منتصف السبعينات أقرت الحكومة المغربية بفشل النموذج الاستشفائي، وتبنت بالمقابل سياسة النموذج الوقائي بعد مشاركة المغرب في المؤتمر الدولي "ألما أطا" نهاية السبعينات من القرن الماضي، غير أنها هي الأخرى لم يراع فيها شرط الخصوصية المغربية واقتصرت على الجانب التقني، فكان مآلها الفشل على غرار سابقتها، وبحكم أن المغرب حسب عدد من المتتبعين للسيرورة التاريخية للسياسة الصحية يعتبر تلميذا نجيبا ومطيعا للدوائر المالية الدولية المانحة، فقد تبنى سنة 1983 سياسة التقويم الهيكلي، التي واكبها نقاش مفاده أن القطاع الصحي غير منتج، ويستدعي إيجاد حل للتخفيف من تبعاته المالية عن طريق الخوصصة، وفي هذا السياق ظهرت دراسات قامت بها مجموعة من المعاهد الدولية بالمغرب، منادية بضرورة تبني المغرب لفلسفة "النموذج المالي في المجال الصحي" للحد من المشاكل والإكراهات التي تراكمت على امتداد أربعة عقود، وهي الفلسفة التي ما زال ينهجها المغرب إلى يومنا هذا، ويتضح على ضوء معطيات الواقع الصحي أنها لم تحقق الآمال المنشودة، وتسببت على النقيض من ذلك حسب عدد من الفاعلين في القطاع في "كارثة صحية" يصعب تجاوز آثارها السلبية على المدى القريب والمتوسط، ويرى عدد من المتتبعين لتاريخ السياسة الصحية بالمغرب أن القاسم المشترك بين التجارب الثلاث التي عرفها المغرب هي أنها ارتبطت بالإملاءات الخارجية والتبعية للدوائر المالية الدولية المانحة، وحل المشاكل التي يتخبط فيها القطاع تكمن في تبني فلسفة نموذج وطني نابع من الخصوصيات الاجتماعية الاقتصادية والثقافية للمواطنين المغاربة، وتجليات مسلسل الفشل المتكرر للسياسات الصحية بالمغرب حسب "نور الدين مكماسي" تجد امتدادا لها من خلال المناظرة الأخيرة حول الصحة بمراكش في عهد الوزير الحالي "الحسين الوردي" التي تحكمت فيها محددات سياسوية بعيدة عن الأهداف والمصوغات المهنية المتعارف عليها، بتبنيها لزاوية اشتغال إقصائية ومُوجهة، لم تأخذ بعين الاعتبار المقاربة التشاركية في صياغة المشاريع والتوجهات العامة للسياسة الصحية المستقبلية للمغرب في أبعادها الشمولية، بحيث لم تنفتح على المتدخلين في القطاع، واستبعد المتحدث ذاته أن تحقق المناظرة هدف الإقلاع الصحي لأن أركانها قامت على أسس غير سوية منذ البداية.

 

سكان جهة مراكش ومحدودية الاستفادة من نظام المساعدة الطبية "راميد"

 

نظام المساعدة الطبية "راميد" واحد من بين المشاريع الصحية التي ميزت فترة اشتغال الوزارة الوصية الحالية، وواكبت فترة الإعلان عنه سجالات إعلامية ومداخلات متعددة لعدد من المتدخلين في القطاع الصحي بجهة مراكش بين مؤيد ومتحفظ، غير أن حلول الذكرى الأولى لتعميم هذا النظام، جعلت العديد من المستفيدين من هذه الخدمة يعبرون عن خيبة أملهم في تحقيق الانتظارات التي كانوا يراهنون عليها من أجل التخفيف من التبعات المادية لتكاليف الكشف الطبي والعلاج، وفي هذا السياق علّق "محمد.أ" وهو واحد من المستفيدين الذين حصلوا على بطاقة "راميد" "نظام المساعدة الطبية، هو مجرد كذبة صحية انطلت خدعتها على العديد من المواطنين المغلوب على أمرهم"، في السياق نفسه ذكرت أطر طبية أن نظام المساعدة الطبية كان يحمل مؤشرات الفشل منذ بداية الإعلان عنه، لأن القطاع الصحي الذي سيخول للمواطن الاستفادة من خدماته بشروط تفضيلية من خلال بطاقة "الراميد" يعيش على إيقاع العديد من المشاكل والإكراهات المرتبطة بضعف التجهيزات الطبية وقلة الموارد البشرية، بالإضافة إلى غياب منطق الحكامة الجيدة في تدبير القطاع، والتساؤل الذي يفرض نفسه في هذا المجال: لماذا لم يتم التفعيل القانوني للوكالة الوطنية للتأمين الصحي؟

  وفي السياق نفسه أعلنت النقابة الوطنية للصحة المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في بيانها الأخير المؤرخ ب14 مارس من السنة الجارية عن فشل مشروع نظام المساعدة الطبية، مسجلة مجموعة من الاختلالات البنيوية والتدبيرية التي واكبته، مشيرة أن الواقع الصحي بالجهة وبالمغرب عموما يعرف تقهقرا مستمرا نظرا لطبيعة السياسة المتبعة التي ترمي إلى دفع المنظومة الصحية العمومية إلى الإفلاس وتقديمها كهدية للخواص، ذلك أن هذا المشروع الصحي الذي يرمي إلى توفير العلاج لفائدة 8.5 مليون مواطن مغربي لم تصاحبه إجراءات توظيف موارد بشرية ملائمة واعتمادات مالية كافية ومساطر إدارية سهلة، فخلال سنة 2013 تم تخصيص 2000 منصب مالي لوزارة الصحة في حين غادر القطاع 1800 مهني، إما بسبب الإحالة على التقاعد أو الاستقالة، وهو ما اعتبره "نور الدين مكماسي" مؤشرا دالا على تأزم القطاع، مضيفا أنه لم يتم صرف الميزانية الخاصة بالراميد للمستشفيات العمومية، مشيرا في السياق ذاته أن حاملي بطاقة "راميد" تفاقمت لديهم مشاكل الولوج إلى العلاج حيث لا تتوفر الأدوية بالمستشفيات، إذ يضطر الكثير منهم إلى شراء الأدوية، أما التطبيب داخل المستشفيات الجامعية كما هو الشأن بالنسبة للمستشفى الجامعي محمد السادس بمراكش، فإنه يعرف مشاكل متعددة كالتماطل في موعد الولوج والأعطاب المتكررة للآليات الطبية، إضافة إلى النقص المهول في الأطر الطبية، وهو ما يؤدي في غالب الأحيان إلى العديد من حالات التوتر بين المواطنين والمهنيين، وذلك نتيجة الخطاب المشوه الذي يسوقه بعض المسؤولين، الذين جعلوا من مهنيي الصحة الشمّاعة التي يعلق عليها فشل المنظومة الصحية على حد تعبيره. مطالبا بفك الارتباط بمسلسل التبعية للخارج، الذي ما زالت مؤشراته تتجسد من خلال اعتماد اللغة الفرنسية كلغة إدارية للتخاطب والتواصل بين مختلف هياكل الوزارة الوصية والمؤسسات الصحية، مناديا بدسترة الحق في الصحة.

 

المؤسسات الصحية بجهة مراكش تتحدث لغة الخصاص المهول ومراكز استشفائية خارج التغطية

 

تنتشر بجهة مراكش تانسيفت الحوز مجموعة من المستشفيات والمراكز الصحية التي لم تستطع أن تستوعب العدد الكبير من المرضى الذين يتزايد عددهم بشكل مطرد، واقتصرت العديد من المراكز الصحية على تقديم بعض الخدمات الوقائية البسيطة تحت مجموعة من المبررات كالنقص في المعدات الطبية وقلة الأطر الصحية، في حين أن العديد من المراكز الصحية المتواجدة في مجموعة من الأحياء والمداشر القروية أغلقت أبوابها وأصبحت خارج نطاق التغطية الصحية، وتتوزع المؤسسات والمراكز الصحية بالجهة على النحو التالي:

 يقدر مجموع المستشفيات بجهة مراكش تانسيفت الحوز ب12 مستشفا وهي نسبة ضئيلة جدا مقارنة مع مجموع المستشفيات على الصعيد الوطني التي تقدر ب133 مستشفى، أما باقي المراكز الصحية بالجهة فيصل عددها إلى 348 مركزا صحيا، وتبقى هي الأخرى ضعيفة مقارنة مع مجموع المراكز على الصعيد الوطني التي يقدّر عددها ب2592 مركزا صحيا.

تمثل التجهيزات الصحية للمراكز الاستشفائية على المستوى الجهوي 14.54% من مجموع التجهيزات على الصعيد الوطني، أما المراكز الصحية فلا تشكل سوى 8.6% من مجموع التجهيزات على الصعيد الوطني.

مؤشرات الخصاص المهول والنقص الحاد في المستشفيات والمراكز الصحية بالجهة تظهر من خلال متوسط نسبة توزيع سكان الجهة على المؤسسات الاستشفائية  المتوفرة، حيث تصل في المجال الحضري إلى نسبة مخجلة تقدر بمتوسط مؤسسة صحية واحدة لكل 22870 نسمة، وفي المجال القروي لا تتجاوز معدل مؤسسة صحية واحدة لكل 6583 من السكان، أي ما متوسطه على الصعيد الجهوي ككل بنسبة مؤسسة صحية واحدة لكل 9361 نسمة، وتأخذ هذه النسب مستويات مرتفعة على مستوى مدينة مراكش، والتي رغم تمركز أغلب المؤسسات والمراكز الصحية بها، فإن هذا المعدل يصل إلى مؤسسة صحية واحدة لكل 20456 نسمة. وفي منطقة الحوز يقدر بمؤسسة صحية واحدة لكل 6888 نسمة، وبإقليم شيشاوة يرتفع هذا الرقم ليصل إلى مؤسسة صحية واحدة لكل 7229 نسمة، ويواصل هذا الرقم ارتفاعه بمدينة الصويرة ليصل إلى مؤسسة صحية واحدة لكل 6741 نسمة. ويرى عدد من الفاعلين في القطاع الصحي بالجهة أن جودة الخدمات بالعديد من المؤسسات الصحية تزايدت حدتها السلبية بشكل ملحوظ منذ ابتلاع المستشفى الجامعي محمد السادس لثلاث مستشفيات وهي ابن طفيل والرازي وابن نفيس،  إذ كان من المفروض أن يواكب إحداث مركز استشفائي جامعي تشييد مراكز تابعة له تخصص لطلبة كلية الطب من أجل إنجاز أبحاثهم وتدريباتهم، وليس ابتلاع 3 مستشفيات أساسية بالجهة تمتص نسبة مهمة من تدفق المرضى، فحتى عهد قريب كان مستشفى ابن طفيل يشكل أكبر قسم للولادة على صعيد الجنوب المغربي بأكثر من 200 سرير، غير أن إلحاق القائمين على السياسة الصحية المعتمدة حاليا لهذا المستشفى بالمركز الاستشفائي الجامعي من دون أن يتم تعويضه بمركز صحي أخر، ساهم في تزايد الحالات المتردية وللإنسانية لعمليات ولادة تفتقد للحد الأدنى من شروط السلامة والجودة كحالات الولادة بشكل مباشر على الأرض.

في محاولة لتجاوز الآثار السلبية لعملية ابتلاع المستشفى الجامعي لمستشفى ابن طفيل الذي كان يضم قسما كبيرا للولادة، تم إحداث دور ولادة ببعض المراكز الصحية الحضرية كالمركز الصحي الزرقطوني وسيدي يوسف ابن علي، ومستشفى ابن زهر، وتظهر مساوئ هذا الاختيار عندما يتعذر على إحدى النساء الحوامل الوضع بإحدى المراكز الحضرية، فتضطر نتيجة ذلك الانتقال إلى المستوى الثاني بمستشفى ابن زهر، علما أن دار الولادة بهذه المؤسسة الصحية لا تتسع طاقتها الاستيعابية لعدد كبير من النساء الحوامل، فتُنقل نتيجة ذلك إلى المستوى الثالث بمستشفى الطفل والأم بالمركز الاستشفائي الجامعي، وتنتج عن ذلك بين الفينة والأخرى حالات من الولادة في ظروف للإنسانية بعد المرور من المستويين الأول والثاني، وطالب العديد من الفاعلين والمهنيين في قطاع الصحة بضرورة إعادة المستشفيات الثلاث إلى حظيرة وزارة الصحة، وبإقامة مراكز صحية تابعة للمركز الاستشفائي الجامعي لكي تستوعب الأبحاث العلمية، من دون أن تصادر حق عموم المواطنين في الصحة.

 

 الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الصحية بجهة  مراكش بحجم علبة كبريت

 

تكشف إحصائيات ومعطيات حصلت عليها الجريدة حصريا على حجم الاكتضاض المرتفع الذي تعرفه العديد من المؤسسات الصحية بالجهة، والتي غالبا ما تعجز عن استيعاب تدفق الأفواج الكبيرة من المواطنين من المرضى والمصابين، والتي أسفرت في العديد من المناسبات عن موجات سخط متعددة نتيجة تردي جودة الخدمات وتباعد فترة المواعيد  والأخطاء الطبية...وفي هذا السياق بمدينة مراكش يقدّر عدد الأسرة بمستشفى ابن نفيس ب360 سريرا وبابن طفيل 220  سريرا، مستشفى الأم والطفل 247 سريرا، وبمستشفى ابن زهر 402 سريرا، مستشفى الأنطاكي 116 سريرا، ومستشفى الأمراض العقلية 160 سريرا، وبمنطقة الحوز تصل الطاقة الاستيعابية لمستشفى محمد السادس إلى 50 سريرا، وبإقليم شيشاوة إلى 50 سريرا، وبمدينة الصويرة  لا تتجاوز الطاقة الاستيعابية لمستشفى الأمير مولاي عبد الله  330 سريرا، وبإقليم قلعة السراغنة يصل عدد الأسرة بمستشفى ابن جرير إلى 45 سريرا، وبمستشفى السلامة 417 سريرا ومستشفى الأميرة لالة خديجة 45 سريرا، ويصل معدل الطاقة الاستيعابية لمجموع المستشفيات على الصعيد الجهوي إلى 2403 سريرا بمتوسط يصل إلى 0.71%  سرير لكل 1000 نسمة، واعتبر عدد من الفاعلين في المجال الصحي بالجهة أن هذا المعدل يشكل وصمة عار لهذا القطاع، ويزكي صورة قاتمة ومخجلة عن الواقع الصحي بجهة مراكش تانسيفت الحوز وحرمان المواطنين من حقهم في التطبيب والتداوي كحق طبيعي.

وبالعودة إلى لغة الأرقام، فمتوسط الطاقة الاستيعابية بالمركز الاستشفائي الجامعي بمراكش الذي يشمل مستشفى ابن طفيل ، مستشفى ابن نفيس، ومستشفى الأم والطفل تقدّر ب0.60 سرير لكل 1000 نسمة، وبالمستشفيات المتخصصة كمستشفى ابن زهر، مستشفى الأنطاكي ومستشفى الأمراض العقلية تصل هذه النسبة إلى 0.59 سرير لكل 1000 نسمة، أما بإقليم الحوز فتصل هذه النسبة إلى 0.10 سرير/1000 نسمة، وبإقليم شيشاوة تصل إلى 0.14 سرير/1000 نسمة، وإقليم قلعة السراغنة 0.66 سرير/1000 نسمة، ليكون بذلك المجموع على الصعيد الجهوي هو 0.71 سرير/1000 نسمة، أي أننا لم نصل بعد حتى إلى معدل سرير واحد لكل 1000 نسمة رغم توالي السياسات والوصفات لإصلاح القطاع الصحي منذ ما يزيد على نصف قرن من تحقيق الاستقلال.

وعلى مستوى باقي التجهيزات، فتشير ذات الإحصائيات والمعطيات التي حصلت عليها الجريدة حصريا أن المستشفيات بمدينة مراكش تتوفر على 15 غرفة عمليات مركزية، و3 أقسام للمستعجلات و4 أجنحة للولادة، وقسمين لجراحة الأطفال فقط، وقسم عمليات وحيد لجراحة القلب والشرايين، أما منطقة الحوز فتتوفر على غرفة عمليات وحيدة، الأمر نفسه ينطبق على إقليم شيشاوة، فيما مدينة الصويرة تتوفر على غرفتين مركزيتين وقسمين للولادة فقط، وإقليم قلعة السراغنة يقتصر على غرفتين للعمليات المستعجلة وقسمين اثنين للولادة و6 أقسام مركزية. فداحة الخصاص الحاد تظهر بشكل مهول على مستوى المختبرات الطبية حيث لا تتوفر جهة مراكش تانسيفت الحوز سوى على 22 مختبرا للتحاليل الطبية، 8 مختبرات منها تتمركز بمراكش، و7 مختبرات بإقليم قلعة السراغنة، ومختبر وحيد بمنطقة الحوز، و4 مختبرات بشيشاوة، و3 مختبرات بمدينة الصويرة.

أما معدات تصفية الدم فتبقى هي الأخرى غير كافية وتفتقد للنجاعة المطلوبة، ويصل عددها بالجهة إلى 41 جهازا فقط، 17 جهازا منها بمدينة مراكش، و12 جهازا بالصويرة و 12 جهازا بقلعة السراغنة، فيما لا تتوفر مدينة شيشاوة ومنطقة الحوز على أي من هذه الأجهزة، ويضطر المرضى من سكان هاتين المنطقتين السفر إلى إحدى المدن القريبة من أجل الاستفادة من إحدى حصص العلاج، رغم ما لذلك من أخطار وصعوبات على وضعهم الصحي، وهو ما أثار احتجاج أسر المرضى وذويهم في أكثر من مناسبة.

فداحة الخصاص لا تقتصر على مستوى ضعف الطاقة الاستيعابية للمراكز والوحدات الصحية، وقلة غرف العمليات ومعدات تصفية الدم بل تمتد لتشمل معدات الكشف بالأشعة والمعدات الثقيلة وسيارات الاسعاف...

قلة الموارد البشرية بالقطاع الصحي بجهة مراكش تدق ناقوس الخطر..وتنذر بكوارث صحية

يعاني القطاع الصحي بجهة مراكش تانسيفت الحوز من قلة الموارد البشرية ومن ضعف عدد الأطر في بعض التخصصات الطبية، وفي هذا السياق يقدّر عدد الأطباء في الطب العام بمدينة مراكش ب124 طيبا، و93 طبيبا متخصصا، و915 مساعدا طبيا و223 موظفا إداريا، أما منطقة الحوز فينحصر عدد أطر الطب العام بها في 70 طبيبا، و15 طبيبا متخصصا، وطبيبين فقط في جراحة الأسنان، صيدليين اثنين، و215 ممرضا و38 موظفا إداريا فقط، في حين أن إقليم شيشاوة لا يتجاوز عدد أطر الطب العام بها 61 طبيبا، و8 أطباء متخصصين، و174 ممرضا و12 موظفا إداريا فقط، أما مدينة الصويرة فتعاني هي الأخرى مؤسساتها الصحية من قلة الموارد البشرية، إذ أن أطباء التخصص العام لا يتجاوز عددهم 56 طبيبا، و28 طبيبا متخصصا، وطبيبين اثنين في جراحة الأسنان، و370 ممرضا و76 موظفا إداريا، ورغم أن إقليم قلعة السراغنة يأتي في الرتبة الثانية من حيث الموارد البشرية بالمجال الصحي بعد مدينة مراكش، فإن عدد الأطر الطبية يبقى ضعيفا مقارنة بعدد السكان الذي يتجاوز 775000 نسمة حسب الإحصاء العام الأخير للسكان (2004)، ويصل عدد أطباء التخصص العام إلى 104 طبيبا، و31 طبيبا متخصصا و3 أطباء في جراحة الأسنان و3 صيادلة و508 ممرضا و86 موظفا إداريا.وبذلك يصل مجموع الموارد البشرية في القطاع الصحي بجهة مراكش إلى 3239 (أطباء، ممرضين صيادلة وموظفين إداريين) وهو رقم ضعيف جدا مقارنة مع النمو الديمغرافي المتزايد وعدد سكان الجهة الذي يتجاوز 3238000 نسمة منذ أخر إحصاء تم إجراؤه سنة 2004.

قلة الموارد البشرية في القطاع الصحي في الجهة تنعكس أثارها بشكل كارثي على الوضع الصحي للمرضى بمدينة مراكش، الصويرة، قلعة السراغنة، شيشاوة والحوز، إذ تناقلت وسائل الإعلام في العديد من المناسبات فضائح ولادة نساء حوامل في ظروف للإنسانية وإهمال المرضى والأخطاء الطبية وغيرها من الأحداث التي يندى لها الجبين، وغالبا ما يتوجه بأصابع الاتهام إلى الأطر الطبية والممرضين في المؤسسات الصحية، غير أن فحص هذا الموضوع من جميع الجوانب يقتضي الإقرار أنه بالإضافة إلى مظاهر الإهمال لبعض الأطباء والممرضين، فإن ضعف المعدات الطبية وقلة الموارد البشرية تبقى من أبرز مسببات الإهمال والأخطاء الطبية.

 

المتدربون بالمؤسسات الصحية بمراكش يُعوّضون ضعف الأداء المهني للأطر الطبية المعتمدة

 

طفت على المشهد الصحي بعدد من المستشفيات بمدينة مراكش موجة سخط غير مسبوقة لمجموعة من أسر المرضى التي ذاقت ذرعا بمحدودية وهزالة الخدمات الصحية المقدمة، متوجهة بأصابع الإتهام لمجموعة من الأطر الطبية ولإدارة مستشفى ابن زهر ومستشفى ابن طفيل ومستشفى ابن نفيس بالتقصير وسوء المعاملة والإهمال، وذكر عدد من المتدخلين الذين التقتهم الجريدة أن المتدربين من الممرضين والأطباء أضحوا  خلال الآونة الأخيرة نقطة الضوء المضيئة وذلك بتغطيتهم للتقصير المهني لدى بعض الأطر الطبية المعتمدة، ولقيت تدخلاتهم وطريقة تعاملهم استحسان مجموعة من المرضى الذين توسموا فيهم البديل الأحسن في المنظومة الصحية بالمدينة الحمراء في ظل تقاعس بعض الممرضين والأطباء المعتمدين الذين لا يلقون بالا للوضع الصحي المتدهور لبعض المرضى، حيث يتعاملون معهم ببرودة أعصاب وكأنهم غير معنيين بتقديم الإسعافات والخدمات الصحية التي تستدعي ذلك، ضاربين بعرض الحائط الأخلاقيات المهنية، وذكر متتبعون لهذا الوضع أن جزء كبيرا من المهام يتم تركه على كاهل الأطر المتدربة ويُزج بهم في واجهة الحالات الحرجة والمستعجلة من دون أن يكونوا في بعض الأحيان تحت إشراف الأطر الطبية المعتمدة، وهو ما تنتج عنه بين الفينة والأخرى أخطاء طبية.

 

رسالة عاجلة إلى وزير الصحة تكشف جملة اختلالات إدارية وقانونية يتخبط فيها مستشفى محمد السادس بتحناوت

 

توصلت الجريدة برسالة عاجلة وجهتها النقابة الوطنية للصحة العمومية المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ثم الفيدرالية الديمقراطية للشغل إلى وزير الصحة "الحسين الوردي، نتيجة ما وصفته بخروقات إدارية وقانونية يتخبط فيها مستشفى محمد السادس بتحناوت، مشيرة في مستهلها أن المستشفى المذكور يعاني منذ فترة طويلة من غياب مسؤول كفء يدير مصالحه، فأصبح في عهد إدارته الحالية رمزا لما وصفته ب"الفساد"  و"الإدارة الفاشلة"، ذلك أن مشاكله التنظيمية والتسييرية تفاقمت بشكل واضح وخطير، بحيث أصبح المواطن الفقير ملزما إن أراد الاستشفاء، بالتوجه إلى مراكش متجشما عناء التنقل والاكتضاض، متسائلة عن سياسة القرب التي نادت بها الوزارة الوصية.

استعرضت الرسالة العاجلة ذاتها مجموعة من الاختلالات التي يتخبط فيها المستشفى المذكور كوهمية وعدم قانونية لوائح الحراسة التي تعمل بها المصالح داخل المستشفى بمباركة من الإدارة، حيث يعمل بعض الموظفين بنظام 5/1 وهو نظام لا علاقة له بالقانون الداخلي للمستشفيات، فيعملون يوما واحدا ويستريحون خمسة أيام، بدل نظام 36/12 المعمول به في باقي المستشفيات، ووقفت الرسالة ذاتها على خروقات مرتبطة بوجود موظفين أشباح يعملون فقط 6 ساعات مقسمة على يومين في الأسبوع، وقيام ممرض مصنف في درجة متصرف بتخدير مريض عن طريق "Rachis anesthésie" في غياب طبيب الإنعاش التي غادر المصلحة قبل نهاية العمل في وقت مبكر، بالإضافة إلى هدر فاحش للمال العام بالمستشفى، ذلك أن بعض الموظفين يتقاضون مبالغ مالية مهمة، كتعويض عن الخدمة الإلزامية أو الحراسة، رغم استفادتهم من التعويض عن المسؤولية، وتغيبهم لفترات طويلة عن العمل بسبب انخراطهم في نظام الحراسة، الذي يتناقض مع ضرورة تواجدهم اليومي داخل المؤسسة لتسيير مصالحها.

وأشارت الرسالة ذاتها إلى تفشي الرشوة داخل مستشفى محمد السادس بمنطقة تحناوت، حيث أن بعض المصالح لا تبدأ عملها بشكل جدي إلا بعد الساعة الرابعة والنصف مساءا، إذ تبدأ في خدمة زبنائها من المرضى دون الحاجة إلى مرورهم عبر شباك الأداء، الذي تكون أبوابه مغلقة بعد هذه الساعة، إضافة إلى توجيه بعض الحالات المرضية المستعجلة التي تدخل في نطاق الاختصاص المحلي لمستشفى محمد السادس بتحناوت إلى المستشفى الجامعي بمراكش أثناء أوقات العمل القانونية.

طالبت الرسالة المستعجلة وزير الصحة بالتدخل لإجراء تحقيق عاجل حول الخروقات المشار إليها لتدارك ما يمكن إنقاذه.

 

مصحات خاصة بجهة مراكش: بديل صحي بتشوهات جنينية وتجاوزات مهنية

 

للتخفيف من حدة النقص الحاد الذي يعرفه القطاع الصحي العام بالجهة من حيث المعدات الطبية والموارد البشرية، ظهر القطاع الخاص من أجل تجاوز هذه النقائص، غير أن هذا القطاع هو الأخر تعتوره العديد من المعيقات، وتجتر الإكراهات نفسها التي ما زالت تجر القطاع الصحي نحو المزيد من التقهقر، الذي تنعكس آثاره بشكل سلبي على الوضع الصحي للمواطنين بالجهة، وتبقى المصحات الخاصة قليلة جدا وتتمركز أغلبها بمدينة مراكش، حيث توجد بهذه الأخيرة 14 مصحة خاصة، بطاقة استيعابية 244 سريرا و9 أقسام للفحص بالأشعة، و181 قسما للكشوفات الخاصة و292 صيدلية، و102 طبيبا جراحا للأسنان، أما منطقة الحوز فلا تتوفر على أي مصحة خاصة وتوجد بها فقط 34 صيدلية وطبيب أسنان واحد، الأمر نفسه ينطبق على كل من مدينتي شيشاوة والصويرة اللتان لا توجد بهما مصحات خاصة، علما أن هذه الأخيرة تشكل قبلة للسياح الأجانب والمغاربة وتعرف على مدار السنة تنظيم مجموعة من المنتديات والمهرجانات كمهرجان كناوة الذي يستقطب مئات الآلاف من المتتبعين داخل المغرب وخارجه، واقتصرت الاستثمارات الخاصة بها في المجال الصحي على قسمين للكشوفات المتخصصة و46 صيدلية و7 أطباء لجراحة الأسنان، ومدينة شيشاوة هي الأخرى اقتصرت الاستثمارات الخاصة بها على 32 صيدلية و3 أطباء لجراحة الأسنان، أما إقليم قلعة السراغنة فيتوفر على مستوصف خاص وحيد بطاقة استيعابية ضعيفة لا تتجاوز 10 أسرّة، و6 أقسام للكشوفات المتخصصة و110 صيدلية و7 أطباء في مجال جراحة الأسنان. وبذلك يكون عدد المستوصفات الخاصة بالجهة هو 15 مستوصفا بطاقة استيعابية في حدود 306 سرير وهو رقم ضعيف جدا مقارنة مع وجود 209 مستوصفا بطاقة استيعابية تصل إلى 5861 سريرا على الصعيد الوطني. ويرى عدد من المتتبعين للشأن الصحي بالجهة أن العديد من المستوصفات الخاصة لا تحترم الميثاق الأخلاقي لمهنة مزاولة الطب، وتهتم بشكل كبير بمراكمة الأرباح المادية من دون أن تتوفر على الحد الأدنى من الشروط والمعايير التي تضمن السلامة الصحية للمرضى، وفي هذا الإطار قامت الوزارة الوصية بإغلاق مصحتين خاصتين بمراكش السنة الماضية من أصل ثمان مصحات على الصعيد الوطني، ونادى عدد من الفاعلين بالمجال الصحي بضرورة التشديد من إجراءات التتبع والمراقبة من أجل ضمان الشروط الصحية للتطبيب وقطع الطريق على اللوبيات التجارية التي تنهج استراتجية اشتغال تقوم على تبضيع صحة المواطنين.

 

هيئات نقابية وحقوقية بجهة مراكش ترفض مشروع قانون وزارة الصحة وتحذر من تبعات تبضيع صحة المواطنين

 

ذكر عدد من الفاعلين والمتدخلين في القطاع الصحي بالجهة أن تقدم وزارة الصحة بمشروع قانون يقضي بتغيير القانون المنظم لمهنة الطب بالمغرب لكي تتم المصادقة عليه في البرلمان، ستكون له تبعات خطيرة على حق المواطنين في الولوج إلى الخدمات الصحية، وفي هذا الإطار ذكرت النقابات والهيئات المهنية الممثلة للأطباء ومهنيي الصحة بمراكش من خلال اجتماعها المؤرخ ب  20 مارس 2014  الذي خصص للمستجدات التي يعرفها القطاع، أن وزير الصحة يصر بمعية من تم وصفهم ب "اللوبيات النافدة" على تمرير مشروع قانون السالف الذكر، الذي سيفتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمار التجاري في الصحة وتبضيع صحة المواطنين وإخضاعها للمنطق الذي سيفرضه نظام السوق التجاري، وأكدت الهيئات النقابية على رفضها لهذا المشروع ولكل المبادرات التي تهدف إلى تملص الدولة من مسؤوليتها  في رعاية صحة المواطنين بدون تمييز بين الفقير والغني، وبيع المجال الصحي للمستثمرين التجاريين وأصحاب المال والنفوذ، ودعت الهيئات ذاتها إلى فتح نقاش وطني حقيقي حول المعضلة الصحية التي يعرفها المغرب بمشاركة كل المتدخلين والمعنيين.

واستنكرت الهيئات النقابية ذاتها إصرار وزير الصحة على تمرير هذا المشروع رغم علمه بأن جل النقابات الصحية وكثير من المنظمات الحقوقية والنقابات المهنية وجمعيات المجتمع المدني عبرت عن رفضها له وحذرت من استمرار  تجاهل هذا الموقف الرافض.

مشيرة إلى خطورة تمرير هذا المشروع الذي سيضرب في العمق الحق في الصحة والولوج إلى العلاج بشكل عادل ومتكافئ اجتماعيا ومجاليا، وسيكرس هيمنة منطق نظام السوق التجاري. منادية بضرورة تأهيل المستشفيات و المرافق الصحية العمومية، وتوفير الإمكانات المادية والتقنية والموارد البشرية لتقديم خدمة في المستوى اللائق، تحفظ كرامة المواطن المغربي بدل تسويق الوهم.

 السجال المطروح حول تحرير القطاع الصحي وفتحه أمام المستثمرين غير المهنيين ليس بالموضوع الجديد، بل سبق أن أثير خلال فترة الوزيرة السابقة "ياسمينة بادو"، وجوبه بالرفض من  طرف النقابات ومهنيي القطاع سنة 2009، وذكر آنذاك عدد من مهني القطاع من الأطباء أنهم على استعداد لفتح مصحات في المدن والقرى النائية بجودة عالية، على أساس أن تمنح لهم امتيازات ضريبية، وأشار عدد من الفاعلين والمتتبعين للشأن الصحي بالجهة أن مشاكل القطاع ستتضاعف لأن المستثمر غير المهني لن تهمه بحسب المهنيين صحة المريض، بالقدر الذي ستهمه الأموال التي سيجنيها من استثماره في هذا المجال، معتبرين أن الوزارة الوصية تفتقد إلى رؤية واضحة المعالم، لذلك لجأت إلى الحل السهل بفتح القطاع أمام المستثمرين غير المهنيين.

وصفت الهيئات النقابية مسودة مشروع قانون 94-10السالف الذكر بالخطير وهي النقابة الوطنية للصحة  التابعة لـ"الكونفدرالية الديمقراطية للشغل"، والنقابة الوطنية للصحة العمومية  التابعة لـ"الفيدرالية الديمقراطية للشغل"، والجامعة الوطنية للصحة المنضوية تحت لواء"الاتحاد العام للشغالين بالمغرب"، والجامعة الوطنية لقطاع الصحة  التابعة  لـ"الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب"، ومجلس كليات الطب والصيدلة المنضوي تحت لواء "النقابة الوطنية للتعليم العالي"، وأخيرا النقابة الوطنية لأطباء القطاع الحر.

 

أخطاء طبية بمؤسسات صحية بمراكش حولت حياة مواطنين إلى مأساة حقيقية بعاهات مستديمة

 

تنعكس أثار المشاكل وإكراهات الاشتغال في المجال الصحي بالجهة، التي تشمل ضعف التجهيزات الطبية وقلة الموارد البشرية وضعف آليات المراقبة والتتبع بشكل سلبي مباشر على جودة الخدمات الصحية وطرق العلاج في العديد من المؤسسات والمراكز الصحية، حولت حياة العديد من أسر المرضى إلى جحيم، وقلبت سير حياتها العادية رأسا على عاقب، إنها فصول عديدة من مآسي إنسانية، نتيجة أخطاء طبية مرتبطة بضعف التجهيزات والأطر الطبية تارة، وتارة أخرى نتيجة الإهمال، وفي هذا السياق يحكي " مصطفى لعبوشي" تفاصيل من معاناة أسرته النفسية والمادية جراء خطأ طبي لرضيعه "ياسر" الذي كان يعاني في سن 5 أشهر من أعراض انتفاخ في بطنه، فتم عرضه على طبيب متخصص في جراحة الأطفال وأكد لأسرة الرضيع أنه يعاني من التواء وانسداد معوي وتضخم في القولون، فأجريت العملية التي أسفرت عن تفويه الجانب الأيسر من بطنه ليتخلص من فضلات الجسم، على أن يعود الرضيع إلى الطبيب المعالج بعد مضي عشرة أشهر لإجراء عملية ثانية قصد تقويم الأمعاء، وذلك لأن سن الرضيع لا يتحمل عمليتين جراحيتين في آن واحد، ويضيف والد الرضيع الضحية أن الدكتور المشرف قام بإجراء عملية ثانية، فظهرت على ابنه "ياسر" في نفس اليوم أعراض الحمى والعياء والقيء والإسهال وارتفاع مفرط في درجة الحرارة بلغت 39 درجة مع مغص حاد، وتم الاكتفاء بإعطاء الرضيع بعض الأدوية المضادة للحمى التي سرعان ما انتهى مفعولها.

ونظرا لهذه الأعراض ذكر "مصطفى لعبوشي" أن الطبيب المعالج الذي كان يشرف على مصحة خاصة كانت ضمن قائمة ثمان مصحات خاصة تم إغلاقها على الصعيد الوطني، أنه قام بإجراء عملية جراحية سرية ثالثة من دون أن يستشير أفراد الأسرة، فكُلّلت هي الأخرى بالفشل. وأمام تدهور الحالة الصحية للرضيع نُقل على وجه السرعة إلى الدار البيضاء حيث عُرض على بروفسور مختص طالب بالملف الطبي للضحية، غير أن طلبه جوبه بالرفض من طرف الطبيب السابق، فقام بمراسلة هيأة الأطباء بمراكش من أجل التدخل، لكنه لم يتوصل إلى نتيجة تذكر، ثم رفع على إثر ذلك دعوة قضائية ضد الطبيب المعني بالأمر، وحكمت المحكمة بتسليم الملف الطبي، حيث اتضح أن الملف يتضمن وثائق مزورة وبيانات كاذبة، وكشف البروفسور المتخصص في تقريره الطبي أن الرضيع الضحية لم يكن من الضروري أن تجرى له هذه العمليات الثلاث، وكان بالإمكان معالجته عن طريق الأدوية.

وأضاف المتحدث ذاته أن العديد من الأطباء رفضوا إجراء خبرة طبية على الطفل ياسر بناء على قرار صادر عن المحكمة، معتبرا هذا السلوك انحيازا من الأطباء لزميلهم، الذي كانت غايته هو الحصول على مقابل مالي، حيث تسلم منه في العملية الجراحية الأولى 22000 درهم وفي العملية الجراحية الثانية 18000 درهم وفي العملية الثالثة 32546 درهم، مشيرا في السياق ذاته أن الخبرات الطبية التي قام بها  مجموعة من الخبراء والأطباء، أكدت أن العمليات الجراحية التي تم إجراؤها لم تكن تستدعي ذلك، وأنه ارتكب أخطاء جسيمة في الحق الطفل ياسر، ترتبت عنها حالة عجز دائم بلغت نسبتها 70%، وهو الآن في ربيعه الثاني عشر ومازال يستعمل حفّاظات لأنه لا يقوى على التحكم في عملية التغوط، وإلى حدود كتابة هذه الأسطر ذكر والد الطفل ياسر أنه يجهل مآل شكايته التي تقدّم بها للوكيل العام للملك والذي يجيبه دائما أن شكايته متوقفة على الاستماع إلى الطبيب المشتكى به من قبل الضابطة القضائية، علما أن الدكتور المعني بالأمر يوجد بمصحة بمراكش بشكل مستمر.

في نفس سياق مأساة الأخطاء الطبية بعدد من المؤسسات الصحية بالجهة يحكي "عبد الوافي بنواضر" تفاصيل تجربة مريرة انتهت بفقدان أبيه لضوء عينه اليمنى بشكل نهائي بعد أن ولج مستشفى "داوود الأنطاكي" لإجراء عملية بسيطة تتمثل في إزالة بعد الشوائب على مستوى شبكة عينه اليمنى، التي لا تتطلب عناء كثيرا ونسبة نجاحها مضمونة بنسبة كبيرة على حد ما صرح له به أطباء متخصصون، فتم تحديد موعد إجراء العملية بتاريخ 18 مارس 2013، وطلبت منه الطبيبة المشرفة شراء عدسة ذات رقم 32، فتعذر عليه إيجادها وأخبرها أنه اقتنى عدسة من فئة 30، فوافقت عليها، غير أنه أثناء إجراء العملية فوجئ بالطبيبة تخبره أن العدسة التي بين يديها هي من فئة 23 ولا يمكن أن تضعها لعين أبيه، وأكد المتحدث ذاته أن العدسة التي اقتناها كانت من فئة 30 ويتوفر على وصل البيع الذي أشّر عليه الصيدلي، ويُرجّح أن تكون إحدى الممرضات هي من قامت باستبدال العدسة المذكورة، بعدما فشلت في محاولة بيعها له إحدى معدات الجراحة، والتي منحتها له مجانا الطبيبة المشرفة، ويضيف "عبد الوافي بنواضر" أن نقطة التحول الكبرى في هذه القضية التي أدت بوالده إلى فقدان ضوء عينه اليمنى بشكل كلي، هو عندما قامت الطبيبة المشرفة بإجراء عملية الجراحة مستخدمة العدسة من فئة 23، رغم تأكيدها له - على حد قوله - أنه يستحيل أن تجرى العملية لأبيه بالعدسة المشار إليها، وأضاف المتحدث أن تبعات هذا الخطأ كانت لها نتائج عكسية خطيرة على الحالة الصحية الجسدية والنفسية لوالده، مشيرا أنه راسل وزير الصحة، والي جهة مراكش تانسيفت الحوز، الوكيل العام للملك، مندوب وزارة الصحة، ومدير مستشفى الأنطاكي غير أنه لم يتوصل إلى نتيجة تذكر، ويجهل مآل هذه القضية التي يخشى أن يطالها النسيان ويُصرف عنها النظر.

حالتي الرضيع ياسر لعبوشي ووالد عبد الوافي بنواضر هي مجرد غيض من فيض حالات أخرى أكثر مأساوية وكارثية نتيجة الوضع المتردي للمؤسسات الصحية، ولتهاون وإهمال بعض الأطر الطبية وشبه الطبية لجزئيات قلبت حياة أسر مرضى رأسا على عاقب.

 

خدمة طب المستعجلات المتنقل ...نقطة مضيئة وسط واقع عتمة القطاع الصحي بجهة مراكش

 

في غمرة المشاكل العديدة التي يتخبط فيها قطاع الصحة بجهة مراكش تانسيفت الحوز وتداعياته السلبية على جودة صحة المواطنين، أحدثت مؤخرا خدمة صحية نالت إعجاب واستحسان عددا من مهنيي القطاع والمواطنين، لاسيما منهم الذين يقطنون في مناطق نائية عن المراكز الحضرية، وهي "خدمة طب المستعجلات والإنعاش الأولي المتنقل، وهي تمكن من تقديم خدمات طبية استعجالية وبعين المكان لفائدة الأشخاص الذين يتعرضون لحوادث السير.

انبثقت هذه التجربة بتعاون وشراكة بين الوقاية المدنية والمركز الاستشفائي الجامعي، بمناسبة اللقاء السادس للجنة الجهوية لطب المستعجلات الذي ترأسه وزير الصحة الحسين الوردي، وأعطيت انطلاقة هذا المشروع "طب المستعجلات عن بعد" بحضور وزيرة الصحة ومحاربة داء السيدا بكوت ديفوار ونائب وزير التخطيط والجودة بكندا.

وفي تصريحه للصحافة أكد وزير الصحة الحسين الوردي على الأهمية التي تكتسيها هذه الخدمة الصحية على مستوى الجهة، مشيرا إلى أنه تم وضع رقم هاتفي (141) رهن إشارة الأشخاص الذين يتعرضون لحوادث السير بالطريق العمومية من أجل طلب المساعدة والتدخل استعجاليا، لتمكنيهم من سيارة الإسعاف أو مروحية، معبرا في نفس الوقت عن ارتياحه للنتائج التي حققتها الخدمة الطبية المستعجلة التي أعطيت انطلاقتها بالمغرب سنة 2013.

وتكون بذلك "إيلي سمير 04" هي أول طائرة مروحية مخصصة لطب المستعجلات بالمغرب، وستكون لها إضافة نوعية بجهة مراكش تانسيفت الحوز.

وفي السياق ذاته، صرّح رئيس الشؤون المهنية بالمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بمراكش لوسائل الإعلام أن طب المستعجلات عن بعد سيمكن التكفل بالمرضى وأخذ آراء الخبراء في هذا المجال، مما سيمكن من اتخاذ قرار مشترك بين أطباء المستشفيات البعيدة وأطباء المستعجلات بالمستشفى وبالتالي الاستغناء عن ضرورة نقل المرضى، مشيرا إلى أن هذه التجربة النموذجية ستُفعّل في الوقت الحالي بين المؤسسات الاستشفائية بالصويرة والمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بمراكش، خاصة في الحالات المرتبطة بأمراض القلب والشرايين.

من جهة أخرى ثمّن عدد من مهني القطاع مشروع "خدمة طب المستعجلات عن بعد" وبالمزايا الجديدة التي جاء بها، غير أن البعض منهم لم يكن متحمسا للمشروع، لأن عمق المشكل الذي تعاني منه المنظومة الصحية وفق وجهة نظرهم هو في قلة التجهيزات الطبية والموارد البشرية وغياب سياسة وطنية تراعي حق المواطن في الصحة، التي من دون نهج استراتجية محكمة لتعويض النقص الحاد فيها، سيكون هذا المشروع مجرد خدمة دعائية لصرف الأنظار والرأي العام عن المشاكل الحقيقية التي يعاني منها القطاع الصحي بالجهة.

مندوبية وزارة الصحة بمراكش تلتزم الصمت حول المشاكل التي يخبط فيها القطاع بالجهة

من أجل التعرف على وجهة نظر المسؤولين عن قطاع الصحة بجهة مراكش حول موضوع الاختلالات والمشاكل التي يتخبط فيها القطاع الصحي، قامت الجريدة بإجراء مراسلتين كتابيتين، الأولى إلى المديرية الجهوية لوزارة الصحة، والثانية إلى مندوبية وزارة الصحة بمراكش بغية الحصول على معطيات إضافية في هذا الشأن، وكذلك للتعرف على  أهم الاستراتجيات التي تعتزم هاتين المؤسستين القيام بها للحد من نزيف تردي الخدمات الصحية، إلا أننا لم نتوصل إلى غاية كتابة هذه الأسطر إلى نتيجة تذكر، ليبقى بذلك صمت المسؤولين عن القطاع الصحي بجهة مراكش مؤشرا يضاف إلى سلسلة المؤشرات الدالة على تردي هذا القطاع الحيوي على مستوى جودة الخدمات وغياب آليات التواصل مع المحيط الخارجي، ولعل هذا الصمت يحمل بين طياته العديد من الدلالات الناتجة عن غياب رؤية واضحة لاحتواء المشاكل والإكراهات التي يعرفها القطاع الصحي بالجهة.

حسن البوهي – عدسة المصطفى نجيم