معذبون في أرض البهجة...

حسن البوهي  2016-01-27 14:53:20

حالات مأساوية من واقع الإهمال والبؤس الإجتماعي بالمدينة الحمراء

بين أزقة ودروب المدينة الحمراء الفاتنة تتبدى معالم فتنة واقع معيشي مأساوي لمجموعة من الشرائح الإجتماعية التي لا تحلم ب"الفيلات" الشاسعة والسيارات الفارهة و"ماركات" الملابس ووسائل التجميل الراقية، أحلامها قليلة ومطالبها بسيطة تقتصر على حد أدنى من الضروريات لكي تلامس معانى السعادة في أبسط دلالاتها، هي حالات اجتماعية راكمت تجارب معاناة يومية تجاوزت حقائقها ما توصل اليه "فرانز فانون" في مؤلفه "المعذبون في الأرض" وما سرده عميد الأدب العربي طه حسين في رواية  له تحمل نفس العنوان، كما يتجاوز في الآن نفسه ما سنورده في هذا الملف الذي يبقى مجرد غيض من فيض قساوة واقع معيشي يتخذ أبعادا متعددة يعجز القلم عن وصف حقيقته.

"مراكش الإخبارية" تسلط الضوء في هذا العدد على جزء من الإكراهات المعيشية لحالات إنسانية تجرعت مرارة العوز، الإهمال والتهميش، لم تلتقطها عدسات المصورين ولم تدونها أقلام عدد من الزملاء الصحفيين الذين اهتموا بمتابعة تفاصيل الحياة اليومية لشخصيات مشهورة في مجالات سياسية، إقتصادية وفنية...مراكش الإخبارية توجه بوصلتها التحريرية في الإتجاه المعاكس، وتميط اللثام عن جوانب من المعاناة المعيشية للفئات المهمشة التي تعاني في صمت، وتنقل تجاربها وآهاتها من خلال تصريحات وزيارات ميدانية قامت بها في مناطق متفرقة من المدينة الحمراء.

 

عيدة...ضحية العنف والإستغلال المفرط

في منزل صفيحي بمحاداة الطريق الرابطة بين منطقتي أزلي الجنوبي والمحاميد قرب الحي الصناعي تسكن "عيدة المهيلي" سيدة متقدمة في السن تظهر على وجهها تجاعيد تختزل مسلسل عقود من المعاناة، ابتدأت بزواجها المبكر بمنطقة تافيلالت من رجل كسلان مقامر، وتحكي في هذا الإطار أنها في سن الخامسة عشر من عمرها كانت تعمل في الحقول وتقوم بالأعمال الشاقة التي يعجز الرجال في بعض الأحيان عن تحملها من أجل أن توفر ما تسد به رمق إبنها "نور الدين"، غير أن زوجها في أخر كل يوم كان يأخذ منها واجبات أتعابها وينهال عليها بالضرب المبرح العنيف إذا امتنعت عن ذلك، وتتذكر بمرارة أنها كانت تلجئ الى بعض المزابل وتبحث عن ملابس رثة من أجل أن تدفئ بها جسد إبنها الصغير، لأن بعلها المقامر لم يكن يترك لها شيئا، ومن أجل أن تضع حدا لمعاناتها  اليومية انفصلت عنه وهي حامل مرة أخرى وهاجرت نحو مدينة مراكش متوسمة العيش عند أختها التي كانت تسكن ب"دوار اعريب"، غير أنها ستجد نفسها مرة أخرى عرضة للسب والشتم والضرب المبرح ، وذكرت "عيدة" أنها حاولت الإنتحار في اليوم الثاني من وضعها لطفلها الثاني الذي توفي فيما بعد، حيث اعترضت في لحظات يأس قاتل جراء تنكر أختها لها الى اعتراض حافلة نقل للمسافرين حاملة رضيعها وماسكة يد ابنها نور الدين، وتذكر أن هذا الأخير عندما اقتربت الحافلة منهم كان يصرخ "إما غيقتلونا.. إما غيقتلونا" فتدخل أحد معارفها وأنقدها من موت محقق واصطحبها الى غرفة كان يسكن فيها مع أبنائه وزوجته، وتنهدت عيدة قائلة "لو تركني ذلك الشخص حين حاولت الإنتحار لكان ذلك أرحم اليَ من المعاناة الحالية..صدَقني يا بني إني أنتظر الموت بفارغ الصبر، لكن يظهر أنه هو الأخر بعيد المنال..لم أعد أطيق الحياة". وأضافت نفس المتحدثة أنها وجدت بعد ذلك عملا في إحدى معامل الزيتون قرب "حي عين مزوار"وأعطاها صاحب المعمل غرفة تنام فيها مقابل أن تتعهد بالحراسة ليلا بالإضافة الى الأعمال اليومية التي تقوم بها خلال النهار كتمليح الزيتون، وتنظيف الحاويات، تفريغ "الفيتور" من الشاحنات وغيرها من الأعمال الشاقة التي كان الكل يقر أنه يصعب تحملها يوميا على حد قولها، وأضافت أنها بقيت في هذا المعمل لما يزيد عن خمسين سنة، لم تكن تنال من واجباتها الشهرية الا النذر القليل الذي كان بالكاد يسمح بشراء بعض اللوازم الضرورية للإستمرار على قيد الحياة من شاي وسكر وزيت وخبر وبعض الخضر، وسألناها عن قيمة الأجر الذي كانت تتقاضاه شهريا فذكرت أنها لم تكن تحصل على ثمن محدد لأن صاحب المعمل كان يعتبر أنها تستفيد من السكن مجانا وبالتالي لم يكن يمنحها الشيء الكثير، فاستمرت في دوامة هذا الإستغلال البشع لما يزيد عن خمسين سنة أفنتها في العمل الشاق في ظروف لا إنسانية، وعندما كانت تطالبه بمستحقاتها كان يجيبها أنها بمثابة أخته وسيمنحها لها مستقبلا، وتجب الإشارة الى أن الشخص المعني بالأمر يعتبر من أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة بالمدينة الحمراء، وذكرت في نفس السياق أنها انتقلت بعد ذلك الى معمل أخر توقفت به أعمال تصبير الزيتون، تعود ملكيته لنفس الشخص  بحي "أزلي الجنوبي قرب الحي الصناعي".

"عيدة" مازالت الى حدود كتابة هذه السطور تعيش بين أطلال هذا المعمل القديم في ركن لا يمكن أن يصطلح على تسميته ب "المنزل"، مبني بطريقة عشوائية  وسط مجموعة من القطع القزديرية التي اتخذت منها مكانا لتربية أربع عنزات، وذكرت السيدة العجوز أن هذا المكان  في فصل الصيف تتكاثر به الحشرات والعقارب وكذلك الثعابين، فتتحول حياتها الى خوف دائم ورعب متواصل، وسردت علينا إحدى فصول هذه المعاناة عندما كادت أن تضع يدها على ثعبان وهي تهم بالجلوس، فكانت قاب قوسين أو أدنى من لدغته المميتة.

"عيدة المهيلي" عانت ويلات الواقع المعيشي بالمدينة الحمراء لما يزيد عن خمسين عاما وما زالت تكابد قساوته الى يومنا هذا، معاناة مركبة تداخل فيها استغلال الزوج المقامر وقساوة الأخت واستغلال صاحب المعمل وورثته الذين مازالوا يستفيدون من خدماتها بحراستها لأطلال معمل أبيهم الذين كان شاهدا على واحد من أبشع فصول الإستغلال لمرآة لم تكن لديها خيارات عديدة لكي تضمن حياة كريمة لها ولإبنيها اللذان ورثا عنها ضنك العيش والفقر..واقع معيشي مرير يستدعي القيام بمعاينة مباشرة للوقوف على حقيقة صادمة من واقع التردي والإستغلال المفرط.

فاطنة العسري..المرأة التي أقعدتها نوائب الدهر على امتداد قرن من الزمن  (عاصرت أربع ملوك للمغرب )

دلفنا الى داخل بيت متآكل الجدران بحي "باب إيلان" بدرب "الفران بوطويل" تسكنه مجموعة من الأسر ذات الدخل المحدودة، أرشدنا مرافقونا الى الغرفة التي تسكن بها السيدة "فاطنة العسري" وعندما دخلنا أكثر ما آثار انتباهنا للوهلة الأولى هي الرائحة النتنة التي كانت تنبعث منه ناتجة عن فضلات الغائط والبول، فتأكد لدينا صدق ما حدثتنا به مصادرنا حيث ذكرت أن هذه السيدة الطاعنة في السن لم تعد قادرة على قضاء حاجتها في المرحاض وأن بعض النساء من الجيران هن من يتكلفن بذلك، وتقوم هي في أغلب الأحيان بتغيير حفاظتها بنفسها في غرفتها وتتركها بجانبها الى أن يأتي من يرمي بها خارجا.

فاطنة العسري سيدة بلغ بها الكبر عتيا من مواليد 1913 ذكرت إنه عند وفاة السلطان مولاي يوسف أب الملك محمد الخامس كان عمرها أنذاك 12  سنة، ولدت ب"جنان بنشقرة" بمراكش، رضعت من ثدي الحرمان والفقر، فلم يكن لها نصيب من الهناء والسعادة منذ طفولتها، ثم شبت وترعرعت بين أزقة ودروب المدينة العتيقة، وعندما تقدم شاب للزواج بها كانت تضن أن أيام الشقاء ستبتعد عنها بدون رجعة وأن الأيام المقبلة ستكون أحسن حالا من الماضية، على الرغم أن دخل زوجها كان محدودا فإنها استطاعت رفقته أن تكتري غرفة ب"درب الجديد بالسبتيين" وأنجبت منه بنتا وولدا، وكلها أمل لمعانقة مستقبل مشرق، لكن تراجيدية حياتها المعيشية ستتكرر مرة أخرى بوفاة طفليها في مرحلة أولى، ثم وفاة زوجها بعد ذلك سنة 1960 في مرحلة ثانية، لتجد نفسها مرة أخرى تجتر قساوة الواقع المعيشي، وتذكر "فاطنة العسري" أنه بعد وفاة زوجها عادت الى بيت أبيها وأمها اللذين لم يكونا قادرين على العمل، فاضطرت للبحث عن عمل لتوفر مصاريف عيشهما اليومي، واشتغلت خادمة في رياض  لأسرة  فرنسية، واستمرت في إعالة أبويها المسنين الى أن وفاتهما المنية،  وتفتخر أنها لم تتخلى عنهما قيد حياتهما أيما افتخار، وذكرت نفس المتحدثة أن مأساوية حياتها اليومية تضاعفت حين اختل أخوها عقليا، فوجدت نفسها وحيدة بدون أهل ولا أقارب.

 اشتغلت فيما بعد في معمل لتصبير الزيتون قرب المستشفى العسكري إبن سينا واستمرت في ذلك العمل مدة سبع سنوات، ثم توقفت حين أصبحت عاجزة عن العمل بسبب "مرض الروماتيزم وألم المفاصل"، فأضحت بعد ذلك مهددة بالتشرد بسبب عدم تمكنها من تسديد واجبات الكراء، لتكتري في أخر المطاف غرفة ب"درب الفران بوطويل" بمبلغ مائتين وخمسة وعشرون درهما شهريا بالإضافة الى واجبات الماء والكهرباء، تتكفل سيدة محسنة ب"درب القاضي" بإعطائها مائة وخمسة وعشرون درهما شهريا، والباقي كانت تتدبره من الصدقات التي يجود بها عليها بعض المحسنين، وأضافت نفس المتحدثة أنها سقطت مؤخرا وأصيبت على مستوى الرأس، وهي الآن مقعدة في غرفتها لا تغادرها، تأكل وتشرب مما يجلبه لها الجيران، وذكرت إحدى جاراتها أن بعض المتطوعات يغييرن لها حفاظاتها وتضطر في بعض الأحيان الى أن تغيرها بنفسها ووترك تلك الفضلات بجانبها الى أن يأتي من يحملها خارجا. نفس الواقع المأساوي تشترك فيه "فاطنة العسري" مع سيدة أخرى تقطن في نفس المنزل وهي "فاطمة" التي لا تعرف لنفسها لقبا لأن أبويها تخليا عنها عندما كانت صغيرة، وهي سيدة عليلة مكفوفة ، كانت تسعل بشدة عندما دخلنا الى غرفتها، ذكرت بشكل متقطع أنها عندما تشرب أو تأكل فإنها تتبول في الآن نفسه، ولا تتوفر لديها المناعة الكافية للحيلولة دون ذلك، قالت بقوى منهكة " أتمنى أن أموت وأستريح"، لم نستطع أن نعرف عنها الكثير من التفاصيل لأن وضعها الصحي جد متدهور لا يسمح باستجوابها. عطوش ..المرأة التي ارتوت من منابع الفقر والحرمان

بنظرة منكسرة ووجه شاحب نالت من محياه النوائب استقبلتنا "عطوش عبد اللاوي" في منزل ببناية عشوائية إكترته بدوار ابن الراضي الهامشي بمنطقة أسكجور، طيلة حوارنا معها كانت عيناها مركزتان في الأسفل وهي تسرد بمرارة وقائع حياتها اليومية التي وجدت نفسها مكرهة على مواجهة شدائدها وهي في مقتبل العمر بعد وفاة زوجها الذي اقتسمت وإياه فصولا مريرة من معاناة مرضه المزمن السل، وأنجبت منه زهرتين يانعتين فردوس في ربيعها الخامس وصلاح في عامه السادس ونيف، سألنا عطوش عن سنها فأجابت بخجل أنها لا تدري وأردفت أنها نشأت في وسط جبلي محافظ  لم يكن فيه للمرآة  نصيب من تعلم أبجديات القراءة والكتابة، شبت على الإجتهاد داخل بيت أسرتها القروية للقيام بأعباء الأشغال المنزلية من كنس وغسل وطهي..وكغيرها من فتيات بلدتها كانت تمني النفس بزوج ينحدر من المدينة من أجل تكوين نواة أسرة تنسيها قساوة الوسط المعيشي الذي تنتمي اليه، لم تنتظر كثيرا لتحقيق تلك الأمنية التي تدغدغ كيانها، إذ جرت العادة في منطقتها الجبلية أن يتم تزويج الفتيات في سن مبكرة، ومع أول طلب زواج وافقت الأسرة على الفور، وانتقلت عطوش للعيش مع زوجها بمنزل أسرته بمدينة الناظور، واعتقدت أن أبواب السعادة التي كانت تنتظرها بفارغ الصبر قد فتحت أخيرا وأن أحلامها الوردية (البسيطة) ستجد طريقها نحو التحقق، لكنها لم تكن تدري أنها ستدشن فصلا أخر من فصول معاناتها اليومية.

 أنجبت من زوجها طفلين:فردوس وصلاح، وبسبب خلافات مع زوجة أخ زوجها وجدت نفسها عرضة للشارع، فاضطرت للرحيل رفقة زوجها وطفليها نحو مدينة مراكش، واستقرت إمكانياتهم المادية المحدودة على استئجار منزل بأركان عشوائية لا يحمل من صفة المنزل غير الإسم بدوار سمته الأساسية  الفقر والهشاشة والإجرام.

وذكرت عطوش عبد اللاوي أن زوجها اشتغل مياوما ودخله اليومي المتواضع لم يكن يسمح بالإدخار  فكان نمطهم المعيشي يقتصر على بعض الضروريات، وأضافت أن معاناتهم ازدادت حدتها بعد توالي النوبات المرضية التي ألمَت بزوجها، الذي لم يصبح قادرا على العمل وعاجزا عن تسديد نفقات الكراء وضروريات المعيشة اليومية التي أصبحت حرجة جدا بعد أن انضافت اليها  مصاريف الأدوية والكشوفات الطبية، ليتم الإستغناء عنها كليا بعد أن تأكد لها أن زوجها مصاب بداء السل وأن إمكانية علاجه ضعيفة جدا وشبه منعدمة.

سألنا "عطوش" عن إمكانية مساعدة أفراد عائلتها،فأجابت بحسرة أنهم ينتمون الى مناطق جبلية فقيرة لن يكون بإمكانهم مساعدتها ويصعب عليهم  توفير نفقات السفر لمجرد الإستفسار عنها.

قالت نفس المتحدثة أن تراجيدية واقعها المعيشي تتخذ أبعادا لا اتطاق عندما لا تجد ما تطعم به طفليها الصغيرين، وأضافت بعد وفاة زوجها هي اليوم عاجزة عن تسديد واجبات الكراء السنوية المقدرة بخمسة الآف درهم بالإضافة الى خمسة الآف درهم أخرى للرهن. وأن ابنها الأكبر مقبل على التسجيل بالتعليم الإبتدائي ولا تعرف من أين لها أن تؤمن مصاريف ذلك، وتقتصر ضروريات عيش طفليها على ما يقدمه لها الجيران وشبح الجوع يطارد أسرتها الصغيرة يوميا.

انسابت الدموع من جفني "عطوش" ونحن نهمَ بالخروج وقالت بصوت متقطع "سأفعل كل شيء من أجل طفلي فردوس وصلاح" وودعناها على أمل أن نجد من يقدم لها يد المساعدة، ولا يستبعد إذا استمر وضعها الحالي أن تعود بطفليها الى القرية الجبلية التي تنحدر منها حيث تتجلى مظاهر الحرمان والعوز بشكل أكثر قساوة، وقد يتكرر سيناريو الأمية التي تجرعت مرارته الأم عطوش مع ابنتها فردوس وابنها صلاح اللذين قد ينتهي بهما الأمر بهجرة معكوسة نحو غياهب الضنك والعوز.

 

العائد من سجن بو لمهارز..الى جحيم التشرد ب"باب أيلان"

أضحى خلال السنوات الأخيرة واحدا من المعالم التي تؤثث مدخل "باب أيلان" قرب المسجد الكبير، إنه "محمد أيت بنكرير" من مواليد 1962، اتخذ من ركن قرب باب المسجد منزلا له في الهواء الطلق، يفترش كنبة بالية، بجانبه أغطية متقادمة مهترئة لا تقيه شر البرد القارس، وأمام كنبته البالية انتصبت عربة ثنائية العجلتين  يدفعها كل صباح ويجوب الشوارع لعله يجد شخصا مسافرا يحمل عنه أمتعته أو بائعا يساعده في نقل بضاعته...هو شخص مستعد للقيام بأي عمل شريف أو مهمة شاقة تسند اليه، من أجل أن يوفر دريهمات معدودات تقيه شر سؤال الأخرين، يشتري بها ما يسد به رمقه.

سألنا محمد عن السبب الذي جعله يفترش الأرض ويلتحف السماء، فأجابنا أنه كان يشتغل في مخبز في نفس الحي قبل أن يدخل الى السجن بسبب جناية قتل ارتكبها خلال فترة طيش عابرة كلفته 15 سنة وراء القضبان، وعندما خرج من السجن وجد أبويه قد توفيا، والبيت الذي كان يأوي باقي إخوته -المكونين من ثلاث فتيات (توفيت إثنثين منهما) و أربع ذكور- تم تهديمه في إطار مشروع إعادة هيكلة المنطقة، فكان يقيم بين الفينة والأخرى عند أحد من إخوته الأربعة الذين تمكنوا من شراء منازل خاصة بهم، فكانوا يتضايقون منه ويختلقون الأحداث من أجل الإصطدام به وطرده من وسط أسرهم الصغيرة، فانتقل للعيش مع أسرة أخته ولم يستمر مقامه بينهم طويلا حيث لم يكن يرغب في إثارة مشاكل إضافية لأخته مع زوجها وأبنائها، ففضل الرحيل بهدوء بعد أن اكتشف أنه أصبح عنصرا غير مرغوب فيه. حاول أن يرمم بيت والديه المهدم إلا أنه لم يكن يتوفر على المبلغ المالي المطلوب فرجع مرة أخرى عند إخوته وطلب منهم المساهمة معه في ذلك فرفضوا، ليقرر السكن في ذلك الخراب، غير أن أحد الجيران  قام بتحرير شكاية ضده بعثها الى قائد المنطقة يشتكي فيها من الضرر الناتج عن تسرب الحشرات الى بيته التي كان مصدرها بعض  الأغراض الشخصية ل"محمد أيت بنكرير"، وذكر نفس المتحدث أن مضمون تلك الشكاية لم يكن صحيحا، وأنها لم تكن سوى وسيلة من أجل طرده من الدرب الذي يسكن فيه. فحزم أمتعته الرثة واستقر به المقام في أخر المطاف في ركن قرب المسجد الكبير ب"باب أيلان" عرضة لقساوة الحرارة وشدة البرودة، سألناه: كيف تنام حينما تشتد البرودة؟ فأخرج من جانب كنبته قطعة بلاستيكية وأخبرنا أنه يضعها فوق أغطيته الرثة ويلتحف بها. ثم انهار فجأة بالبكاء كطفل صغير ينتحب ويقول بصوت متهدج "ما فائدة البيت إذا كنت أبيت في العراء، إخوتي ميسورين لا يريدون مساعدتي يمرون بجانبي يوميا ولا يلقون علي السلام"، ثم استمر في البكاء والإنتحاب في مشهد مؤثر امتزجت فيه دموعه بسائل لزج من أنفه وهو يقول بنفس الصوت المتهدج "لا أريد أن أعود للسجن، جيران الدرب ظلموني، سيكون من الهين علي أن أطعن أحدهم بسكين أو أرتكب جناية أخرى، لكني لا أريد أن أعود للسجن لم أعد أقوى على تحمل سنوات أخرى من الضياع والعثمة داخل زنزانة، لا أريد أن أعود للسجن، لا أريد...".

"محمد أيت بنكرير" نموذج معاناة شخص له سوابق عدلية رفض أقاربه وجيرانه توبته، تنكر له إخوته وطردوه بعيدا عن أسرهم، لأنه أضحى شخصا منبوذا بسبب ماضي أخطائه لم يعد مرغوبا فيه من طرف الأصدقاء والجيران، فكان ملاذه الوحيد لنسيان واقع الحرمان والظلم الإجتماعي هو تناول الأصناف الرديئة من المخدرات للهروب ولو بشكل مؤقت من مأساوية واقعه المعيشي، سألناه عن الأمنية التي كان يتمناها عندما خرج من السجن، أجابنا وهو يتنهد: "كنت أتمنى أن أعود الى بيت أسرتي وأعيش كما كنت بين والداي وإخوتي، كنت أتمنى أن أجد نفسي كغيري من الناس بين جدران بيت محترم يقيني شدة الحرارة المرتفعة في فصل الصيف وقساوة البرودة في فصل الشتاء..أمنية بسيطة يقتصر تحقيقها على رخصة بناء وبعض المواد الأولية، لكني أراها بعيدة المنال لأن دخلي المالي محدود جدا" .

أسرة من سبعة أفراد في غرفة واحدة مهددة بالإنهيار

اخترق بنا"محمد مسيام" الشوارع والأزقة الى أن وصل بنا الى "درب البومبي" بمنطقة "شبه سيدي يوسف بن على"، ثم دلف بنا الى داخل منزل تسكنه مجموعة من الأسر يحمل رقم 1352، صدمتنا كانت كبيرة عندما علمنا أن أسرة بكاملها تعيش في غرفة واحدة ضيقة مبنية بطريقة عشوائية، توجد على مدخلها بعض الأواني المنزلية القليلة المتناثرة  وقنينة غاز  وبعض الأغطية الرثة، وأشار الينا رب الأسرة الى وجود  دعامة خشبية هشة بسقف الغرفة مهددة بالإنكسار لم يخبر باقي أفراد أسرته بذلك لكي لا يتسبب لهم في الهلع، مضيفا أنه لا يتوفر على المبلغ المالي الكافي للقيام بإصلاح تلك الدعامة الخشبية، وقد يسقط جزء من ذلك السقف في أية لحظة.

سألنا محمد مسيام عن السبب الذي جعله يسكن مع أسرته في هذه الغرفة المهدد سقفها بالإنهيار، فأجاب أنه لم يكن مخيرا في ذلك، مسترسلا" عندما عقدت قراني بزوجتي "لعزيزة" كنت أكتري منزلا في حي مجاور وكانت بحوزتي 30 ألف درهم، فقمت بشراء قطعة أرضية ب"دوار الكواسم" وصرفت كل ما كنت أدخره من أجل بنائها، ثم سكنت فيها بعد ذلك رفقة أسرتي، الى أن أصبحت المنطقة مبرمجة في إطار مشروع إعادة الهيكلة  فوعدنا بعض المسؤولين في الشركة الوصية أن الأسر التي ستهدم منازلها العشوائية سيتم تعويضها، قمنا بالتوقيع على قرار الهدم ولم أستفد من التعويض الذي وعدتنا به الشركة الوصية لأن هناك لوبيات متواطئة مع شخصيات مسؤولة تمنح التعويض للأسر التي تقدم رشوة للحصول على قرار التعويض، ونحن الآن نسكن في هذه الغرفة بدون مقابل لما يزيد عن أربع سنوات وهو يشبه "سكن الدبانة في البطانة".

 تتكون أسرة محمد مسيام من زوجته "لعزيزة" التي وجدناها مريضة، وابنته البكر "زهيرة" التي كانت تدرس في المستوى الثالث من التعليم الإعدادي الثانوي، تزوجت السنة الماضية لأن الحالة المادية للأسرة لم تكن تسمح لها بمتابعة دراستها فاختارت حل الزواج للتخفيف من عبء الأسرة، وابنته "مريم" ذات 13 ربيعا تدرس في المستوى الإعدادي الثانوي، وإبنه "يوسف" في السنة السادسة من عمره يتابع دراسته في المستوى الأول من التعليم الإبتدائي، و" فدوى" الأصغر منه سنا، ثم طفل صغير في عامه الثاني، وقال رب الأسرة" عندما يأتي الليل نتكدس في مشهد لا إنساني في الغرفة مثل علبة "السردين ".

يشتغل محمد مسيام بائعا للسمك، يطوف أحياء المدينة فوق دراجته الهوائية في سباق مع الزمن لبيع ما لديه من الأسماك قبل أن تنال من جودتها حرارة الشمس ويتحمل خسائرها المادية، دخله اليومي لا يتجاوز بضع دراهم لا تكفي لتغطية الإحتياجات الضرورية للأسرة، وذكر نفس المتحدث أنه بعد الإرتفاع الصاروخي لسعر الأسماك اتجه للإشتغال كمساعد مبتدأ مع بعض الحرفيين من أجل توفير الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية لأسرته من أكل وشرب من دون أن يكون لديه إمكانية للإدخار.   

تبقى أسرة محمد مسيام مهددة الى غاية كتابة هذه السطور بانهيار جزء من سقف الغرفة الضيقة  التي يمكن أن تسفر عن تداعيات مأساوية خطيرة، كما أن المسيرة الدراسية لأفرادها مهددة بالتوقف المبكر، وفي سياق متصل سألنا الإبن "يوسف" عن المهنة التي يريد أن يمارسها عندما يكبر، غير أنه لم يجبنا وبقي في مكانه واجما مطأطئ الرأس، أعدنا طرح السؤال مرة أخرى إلا أنه بقي صامتا..لعله موقف يختزل الجواب المجهول لسؤال مستقبل الأسرة بكاملها.. !!!

"تكويشينت"..أيقونة فريق الكوكب المراكشي .. مهمل ب"قيسارية السلام"

"محمد تكويشينت" واحد من لاعبي القلعة الحمراء الذين يعانون في صمت، أعطى الشيء الكثير لفريق الكوكب المراكشي، وانتهى به سخائه الكروي الذي كان يهبه للنادي بدون مقابل الى حارس ليلي في أرذل العمر بقسارية السلام بشارع مولاي رشيد مقابل دخل شهري لا يتجاوز 1300 درهم، لا يملك سوى دراجة هوائية وذكريات تختزن معاني الحسرة والأسف لفترة تعود الى الستينات من مشواره الرياضي.

 يسكن رفقة أسرته في منزل تعود ملكيته لشخص أخر رثى لحاله المعيشي المتأزم، فسمح له بالإستقرار فيه الى أجل غير مسمى، إلا أنه يبقى مهدد في أية لحظة رفقة أسرته بشبح التشرد من دون مسكن ولا مأوى.

"محمد تكويشنت" من مواليد 1943 بمراكش، سليل أسرة فقيرة بباب أحمر، ظهرت موهبته الكروية منذ الطفولة وسطع نجمه قبل أن يلتحق بشبان نادي الكوكب المراكشي بملاعب المصلى، المشور، قشيش، الزرايب، باب الجديد، باب الرب..نال حب وتقدير الجماهير المراكشية التي حيَت فيه جمالية الأداء وروعة الخلق.

يذكر "تكويشينت" أنه كان يحضر تداريب الفريق ومبارياته الرسمية مرات عديدة وهو جائع ، لم يكن يتلقى تعويضات مالية عن العديد من المباريات التي تألق فيها وكانت تقتصر في بعض الأحيان على عشرون أو خمسون درهما في أحسن الحالات، مضيفا أنه شغل مجموعة من المراكز: ظهير أيسر، ظهير أيمن، وسط الميدان، والهجوم، ويتذكر نفس المتحدث أن مدربه "بن ابراهيم" كان أثناء التداريب يعطيه الكرة في منتصف الملعب ويطلب منه اجتياز مجموعة من المدافعين وتسجيل الهدف في مرمى الحارس وكان يوفق في ذلك مرات عديدة.

 لعب تكويشنت خلال الفترة الذهبية لفريق الكوكب المراكشي الى جانب كريمو،مولاي لحسن، بن الصالح، لشهب، قاقا بناني، مزوك، المامون، الجرايدي...وغيرهم من اللاعبين الذين بصموا على حضور متميز في الفريق، لكن يسجل نفس المتحدث أنه كان أكثرهم معاناة في حياته المعيشية أثناء الممارسة وبعد الإعتزال.

قال "محمد تكويشينت" أن العديد من اللاعبين المغاربة المهرة من أبناء جيله اعترفوا بموهبته وعطائه الكروي المتميز ك: علال، عبد القادر الرايس، سعيد غاندي، عبد الرحمان بلمجذوب، باموس، عبد الله الزهر، البطاش، حمان..وأن هؤلاء اللاعبين كان يقدم الى جانبهم مباريات ندية ممتعة برهن فيها على علو كعبه.

تعرض "تكويشنت" أثناء مشواره الرياضي لإصابة على مستوى الركبة تطلبت إجراء عملية جراحية أبعدته عن ميادين التباري سنتين كاملتين، تخلى عنه فيها فريق الكوكب المراكشي ولم يقدم له مساعدات تذكر وفق ما صرح به نفس المتحدث، مضيفا أن شخصا فرنسيا يدعى "سانتوني" هو من تكفل بمصاريف إجراء تلك العملية بإحدى المصحات بالدار البيضاء، ليعود مرة الأخرى للعب رفقة فريق "مولودية مراكش" وسرعان واستعاد لياقته البدنية، فاتصل به مسيروا الكوكب المراكشي من جديد وطلبوا منه الإنضمام مرة أخرى لصفوف الفريق، ووعدوه بأنهم سيحسنون من وضع المادي وسيخصصون له تعويضات محترمة، غير أن تلك الوعود لم تتحقق واستمر اللاعب في خوض مباريات الفريق الرسمية من دون أن يتوصل بجزء من تلك المستحقات التي وعدوه بها، وأشار تكويشينت أن فريق سطاد المغربي كان يرغب في الاستفادة من خدماته، لكن مسيري الكوكب حالوا دون ذلك ووعدوه مرة أخرى بتحسين أوضاعه المادية، لكن ذلك لم يتحقق.

لعب تكويشنت لصالح الكوكب المراكشي منذ سنته السابعة عشر الى أن أصبح عمره ثلاثون عاما، وهب زهرة عطائه الكروي لهذا الفريق الذي كان يكنُ له عشقا جنونيا، ليغادر قائمة لاعبيه الرسميين خاوي الوفاض بدون تعويض مادي أو معنوي. ثم التحق بعد ذلك متأخرا بمباراة كسب لقمة العيش التي لم تعترف بعطائه الكروي واشتغل ب"فندق السعدي" مدة 12 عاما أجرى خلالها عمليتين جراحيتين، قبل أن يستقر في أخر المطاف حارسا ليلا بقيسارية السلام بشارع الأمير مولاي رشيد، بدخل شهري (1300 درهم) لا يكفي لإعالة أسرة مكونة من زوجته "حليمة"، وإبنه كريم (11 سنة)  يتابع دراسته في المستوى الخامس من التعليم الإبتدائي، وإبنته "كنزة" (10 سنوات) تدرس في المستوى الرابع، وإبنته "منال" (7 سنوات) تتابع دراستها في المستوى، وإبنته "ملاك" (3 سنوات).

قال محمد تكويشنت " إدارة فريق الكوكب المراكشي تعاملت معي بتهميش كبير كأني لم أكن يوما في أرشيف الفريق، أعطيت النادي كل شيء ولم أحض منه ولو بالتفاتة مادية أو معنوية بسيطة، أنا منسي في هذه القيسارية التي أشعر فيها أني أصبحت كالمتسول عندما أمر على أصحاب المحلات التجارية لجمع تلك الدريهمات القليلة .."

"تكويشنت في أرذل العمر يعاني في صمت ، فهل تصلح الإدارة الحالية لفريق الكوكب المراكشي ما أفسدته سابقتها وتنقذ أسرته من شبح العوز والتشرد..؟؟؟