المراكز الخاصة لمهن التربية والتكوين على صفيح ساخن

سامي صبير  2016-03-08 09:40:01

فجرت المباراة الأخيرة التي نظمتها وزارة التربية والتكوين المهني لولوج المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين نقاشات عدة، وتسبب بعضها بخلق أزمات غير مسبوقة في ملف التعليم، مثيرة جدلا إعلاميا على المستوى المحلي والوطني، ودفع الكثير من الأطراف إلى الدخول على الخط، وطرح مجموعة من التساؤلات و الإشكاليات المتعلقة بمراكز التكوين الخاصة، مما قاد بعض الاساتذة الخريجين بمراكش إلى توجيه اتهامات خطيرة تهم التلاعب بالشواهد، التدليس وتورط مدراء مراكز معروفة بمراكش في عمليات حولت مواطنين من أساتذة خريجي مراكز معتمدة إلى ضحايا مفلسين.

ولمعرفة سيناريوهات هذه الاتهامات ومن المسؤولين عن التلاعبات المرتكبة خلف ستار تدليس فهم القانون حتى يتحول إلى تجارة مربحة، وكيف تحول ما يفوق 60 شخصا إلى ضحايا جريمة غير مكشوفة.

مراكش الإخبارية تفتح في هذا العدد ملف المراكز الخاصة لمهن التربية والتكوين للوقوف على حقيقة الاتهامات، من خلال شهادات صادمة لأساتذة خريجي المراكز، وترفع الستار عن تسجيلات لمكالمات هاتفية وصور لأبرز الطرق المستعملة لاصطياد الضحايا، وتسلط الضوء على المعطيات المخفية وراء تصريحات البيت الداخلي للمراكز الخاصة للتربية والتكوين، وتكشف كواليس عمليات تدليس الكلمات ومحاولة الفرار عبر خلق ثغرات بإسم القانون.  

 

القصة الكاملة لبداية الملف وإحداث المراكز الخاصة لمهن التربية والتكوين

 ظهرت أولى بدايات الملف بعد إعلان تنسيقية الأساتذة خريجي المراكز الخاصة عن إحتجاجاتها ومطالبتها بتدخل المسؤولين لتسوية وضعية الخريجين، حيث لمحت إلى الإختلالات والتلاعبات التي كشفت شواهد المراكز على تضمنها، والتي يرون بأنها قد حولت آمال ما يتجاوز الستين شخصا إلى مجرد ضباب فقط في جهة مراكش، بعدما علقوا كل شيء على هاته الشواهد خصوصا انتشار أخبار مفادها أن الحاصلين على شواهد من مراكز خاصة لمهن التربية والتكوين المعتمدة يخول لهم الإعفاء من الإنتقاء الأولي لمباراة الولوج للمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين والوظيفة العمومية وعدم ثقة الدولة بالوثائق الغير معتمدة، قبل أن تتراجع الحكومة عن هذه الأخبار، ويكتشفوا أن الأمر يتعلق بعملية تدليس لحقيقة اعتماد الشواهد الممنوحة لهم على حد تعبيرهم، حيث أفادوا بأنه لم يستطيعوا في البداية الكشف عن التلاعبات التي حصلت بالرغم من إطلاعهم على مضمونها، وحملوا مسؤولية ذلك للمسؤولين عن المراكز الذين أخفو حقيقة عدم توفرهم على إعتماد حقيقي يوازي شواهدها كما ينص القانون.

وقد بادرت وزارة التعليم في عهد الوزير السابق محمد الوفا بإصدار ترخيص للمراكز الخاصة، لتكوين أساتذة مؤهلين لمزاولة مهن التربية والتكوين بمدارس القطاع الخاص، كإجابة لمشكل إرتفاع معدل الشباب الموجز والمعطل عن العمل، وخلق موارد بشرية للمؤسسات التعليمية الخصوصية، حيث أعلن الوزير عن توقيف العمل بصفة مؤقتة بالمذكرة 109 الصادرة بتاريخ 3 شتنبر 2008 في شأن الترخيص لأطر هيئة التدريس بالقيام بساعات إضافية بمؤسسات التعليم المدرسي الخصوصي، وعدم الترخيص مؤقتا لأي مفتش أو أستاذ من الأسلاك التعليمية الثلاثة القيام بإنجاز ساعات إضافية بالتعليم المدرسي الخصوصي، وفي المقابل

رخصت الوزارة للمقاولات والشركات بإحداث مراكز مشابهة للعمومية تختص في تلقين نفس المواد للمجازين المعطلين الراغبين في مزاولة مهن التربية والتكوين بالمدارس الخصوصية بعد الإنتهاء من التكوين.

في مراكش إنتشر الخبر كما تنتشر النار في الهشيم، وكان أبرز عنوان يتناقله  الشباب الموجز. تم إحداث مراكز تمنح شهادات معتمدة توازي تلك التي تمنحها الدولة. وذلك مقابل مبلغ شهري يختلف من مركز لآخر بحسب جودة ما تقدمه كل مقاولة أو شركة ويصل عند بعضهم إلى 800 درهم شهريا و 850 درهم بحسب المركز، حيث سيتم تخريج أساتذة مكونين في مهن التربية والتكوين ومنحهم شواهد ودبلومات معتمدة في أخر الدورة بحسب ما روجت له إعلانات المراكز ولافتاتها، وبدأ الترويج للفكرة كما بدأ تهافت المعطلين على المؤسسات غير منتبهين إلى أن الأمر يمكن أن يكون مجرد عملية تلاعب لتسويق الخدمات الخاصة من طرف أصحاب بعض الشركات، قبل أن يكتشف الزبائن الخدعة التي تورطوا فيها بعد تسلمهم للشواهد، حيث عمد المسؤولون إلى تضمين هذه الشواهد لعبارة "بناءا على رخصة المركز المسلمة من طرف وزارة التربية والتكوين المهني تحت رقم...."، وأفادت مصادر الجريدة أنه تم وضع هذه العبارة فوق الشهادة لتعويض الإعتماد الذي روجت إعلانات المراكز على توفرها عليه، في الوقت الذي نفت الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة مراكش آسفي منح أي مؤسسة إعتمادا في هذا الشأن، كما نفى مدير أحد المراكز المتهمة لأي علاقة تجمعه بالأكاديمية أو توفرهم على الإعتمادات بالصيغة التي ينص عليها القانون المختص في هذا الأمر، وعدم تحمله لمسؤولية عدم فهم ما كان يقصد بالإعتماد المشار إليه في الإعلانات وما صرح به في تسجيل لمكالمة هاتفية مع أحد الزبائن عندما اعترف بإعتمادهم من طرف الدولة.

 

الأساتذة خريجي المراكز يتهمون أصحابها بالتدليس والإحتيال

اتهم عدد من  أساتذة المراكز الخاصة لمهن التربية والتكوين بمراكش، أصحاب المراكز بالتدليس والإحتيال عليهم، حيث لم يكن في علمهم أن الشواهد الممنوحة إليهم غير معتمدة من قبل الدولة، وأن كل ما فيه هو توفرها على ترخيص من وزارة التربية يقضي بإحداث مراكز خاصة لتكوين أساتذة لشغل وظائف أساتذة في القطاع الخاص، وأنه لا علاقة لهذه الوثائق الممنوحة بالقطاع العام، وذلك لإخبارهم سواء من طرف المدراء أو الإعلانات التي غزت شوارع مراكش أنذاك بحصولهم على تكوين مرفق بشهادة تخول لهم الإعفاء من الانتقاء الأولي في قطاع التعليم، وإعتمادها من طرف الدولة، وفور تأكدهم من تعرضهم للتدليس والخداع على إثر مقارنة محتويات الشواهد بأخرى معتمدة كتلك التي تمنحها المدارس الخاصة، وإستشارة بعضهم للأكاديمية التي أكدت فعلا أنه لم تمنح الوزارة أي إعتماد لشركات التكوين الخاص في مجال التربية والتعليم.

هذه الحقيقة أشعلت غضب الأساتذة الخريجين وأعلنوا عن تشكيل تنسيقية خلال مطلع شهر شتنبر من العام الماضي، بعد إقصائهم من المباراة المنظمة من طرف وزارة التربية والتكوين لولوج المراكز الجهوية للموسم الدراسي الحالي، وتظيمهم لمجموعة من الوقفات أمام الولاية والأكاديمية الجهوية لمراكش آسفي، مطالبين المسؤولين القائمين على قطاع التعليم بفتح حوار مسؤول لإيجاد حل لملفهم والاعتراف القانوني بالشواهد التي حصلوا عليها من المراكز الخاصة بالشكل الذي أعلنت عليه هذه الأخيرة.

حيث جاء في تصريحهم أنهم أخبروا خلال التكوين بأن هذه الوثيقة تعفيهم من الانتقاء لاعتمادها من طرف الوزارة، لكن حين تقدموا للمباراة التي أعلنت عنها وزارة التربية والتكوين المهني فوجئوا بحرمانهم من الانتقاء الأولي ومن المباراة، مع العلم أن أغلبيتهم يتوفرون على نقط تسمح لهم بالانتقاء الأولي وتوفر البعض الأخر على شواهد للدراسات الجامعية العليا.

وفي هذا السياق نفى ع.أز مدير أحد المراكز المعنية بالأمر، كل التهم الموجهة إليه محاولا التملص من تهم التدليس والاحتيال المنسوبة إليه، محملا المسؤولية في ذلك إلى كون الوزارة لم تكن واضحة فيما تقصده باعتماد المراكز من خلال مذكرتها، حيث جاء في نصها أنها تفتح هذه المباراة في وجه المرشحين المغاربة غير الموظفين الذين لا يتجاوز سنهم عن 45 سنة عند تاريخ إجراء المباريات والحاصلين على شهادة الإجازة في المسالك الجامعية أو ما يعادلها، بالإضافة للوثائق والشهادات التي تعكس توفر المعنيين بالأمر على الكفايات النظرية والعملية المماثلة للتكوين في المسالك الجامعية للتربية من طرف المراكز المعتمدة لذلك.

 

تسجيلات هاتفية وإعلانات تورط مراكز خاصة لمهن التربية والتكوين في قضايا تدليس

للتخفيف من حدة أزمة ارتفاع أعداد الباحثين عن عمل وفتح المجال أمام المقاولات والشركات لولوج سوق الشغل بالمغرب، عمدت وزارة التربية والتكوين على منح تراخيص تنص على إحداث مؤسسات إما بشكل أحادي أي مستقلة أو بشراكة لتشتغل في مجال تكوين أساتذة للقطاع الخاص، وظهرت المراكز الخاصة لخلق موارد بشرية مؤهلة بشكل يسمح بتوفير جودة الخدمات المقدمة من طرف المدارس الخصوصية، بعدما توقف الوزارة في عهد وزيرها محمد الوفا على العمل بصفة مؤقتة بالمذكرة 109 الصادرة بتاريخ 3 شتنبر 2008 في شأن الترخيص لأطر هيئة التدريس بالقيام بساعات إضافية بمؤسسات التعليم المدرسي الخصوصي، وعدم الترخيص مؤقتا لأي مفتش أو أستاذ من الأسلاك التعليمية الثلاثة للمزاوجة بين وظيفته بالقطاع العام والحصول على وظيفة ثانية بالقطاع الخاص.

وتم بالفعل إحداث مراكز خاصة بكل جهات المملكة كما نص على ذلك ترخيص الوزارة، غير أن هذه المراكز قد عرفت ظهور مجموعة من الاختلالات والتجاوزات في طريقة اشتغالها والترويج لها، مما خلق عدة إشكالات وخلف أعداد من المتضررين بعدما تم الكشف عن اتهامات بتلاعبات واحتيالات تعتري أساليب اجتذاب الزبائن بغرض الربح والحصول على أكبر قدر ممكن من الضحايا دون ترك أي أثر واضح أو تحمل المتورطين لأي مسؤولية مباشرة لما ستخلفه هذه التلاعبات، ويضل هؤلاء بعيدين عن أي شبهة يمكن أن تحرك دعاوى قضائية تجرهم إلى المحاكم، وذلك عبر التخفي خلف ستار قانوني وجهل المواطنين لحيثيات النصوص القانونية المتعلقة بهذا المجال.

وحول السياق العام الذي جاءت فيه الاتهامات بتورط مسؤولي هذه الشركات المتواجدة بعدة أحياء معروفة بمراكش، صرح عبد الرحيم أ.هـ أحد خريجي المراكز الخاصة لمهن التربية والتكوين بجهة مراكش والحاصل على شهادة الإجازة المهنية بمسلك التربية، هو حرمانه من الانتقاء الأولي بالرغم من توفره على ميزة تسمح له بذلك وشهادة معتمدة على حد علمه وبحسب ما روج له المركز عند فتح باب التسجيل للموسم الدراسي 2014/2015، مما دفع به رفقة عدة ضحايا آخرين للبحث عن أسباب ذلك مع وضعهم في الاعتبار أن السبب يمكن أن يكون فقط ناتج عن قرارات الوزارة وشروط الترشح للانتقاء،  مما أسفر عن اكتشاف تعرضهم لتلاعبات من طرف مدراء المراكز، وتم البحث في الوثائق والإعلانات المنشورة والتي تتوفر الجريدة على نسخ منها للوقوف على الأطراف المتهمة والاختلالات التي قامت بها على حد تعبيره.

وبهذا الخصوص توصلت مراكش الإخبارية بتسجيل هاتفي تم إجراؤه بتاريخ 2016/02/16، بين أحد المواطنين ومدير أحد المراكز الخاصة لمهن التربية والتكوين، حيث أشار من خلالها المدير إلى أن المركز معتمد من طرف الدولة -حسب التسجيل- دون تحديد طبيعة هذا الاعتماد، مضيفا بعدم مسؤوليته في عدم نجاح الزبون في ولوج مركز التكوين الجهوي لمهن التربية، مؤكدا فقط على اعتماد المركز من طرف وزارة التربية والتكوين، كما أشار إلى أنه سيتم دفع مبلغ مالي قدره 800 درهم للشهر مقابل التكوين.

هذا كما توصلت مراكش الإخبارية بصور لإعلانات ولافتات إشهارية يعلن فيها المركز عن فتح أبواب التسجيل للموسم الدراسي 2015/2016 بشراكة مع مركز AVS، ويعرض فيها المركز تقديم دورات في مهن التربية والتكوين يحصل في نهايتها المستفيدون على شواهد ودبلومات معتمدة.

 

تصريحات من البيت الداخلي للمراكز تكشف تورط المتلاعبين بالشواهد، ومحاولات للفرار عبر ثغرات القانون.

ولمعرفة سيناريوهات هذه الاتهامات ومن المسؤولين عن التلاعبات المرتكبة خلف ستار تدليس فهم القانون حتى يتحول إلى تجارة مربحة، وكيف تحول ما يفوق 60 شخصا إلى ضحايا جريمة غير مكشوفة،  حصلت مراكش الإخبارية على تصرح ع.إز مدير المركز الخاص المذكور للتوضيح بخصوص الاتهامات الموجهة إليه بخصوص التلاعب بالشواهد والإعلان عن توفرهم على اعتمادات من طرف الدولة لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الزبائن وتحقيق الربح المادي نظرا لكون المركز يقدم خدماته في مجال التكوين مقابل مبلغ مالي يقدر بـ800  درهم في الشهر أي ما يفوق 25 ألف درهم كمجموع المصاريف خلال مدة التكوين كاملة، مقابل شهادات ودبلومات معتمدة.

وفي تصريحه للجريدة نفى ع.إز كل التهم الموجهة إليه بخصوص التدليس والنصب والإحتيال على الطلبة الأساتذة المسجلين بمركزه، مشيرا إلى اشتغال مركزه بشكل مرخص له من طرف الوزارة عبر عقده لشراكة مع مركز  AVS المتواجد بمراكش والحامل للترخيص رقم 13-824 والقاضي –الترخيص- بإحداث المركز الخاص لمهن التربية والتكوين، ومؤكدا على توفره على شواهد معتمدة، بالرغم من كون الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين قد أكدت عدم إعتماد وزارة التعليم لأي مركز بالشكل الذي ينص عليه القانون ويتمثل في منح شواهد معادلة لتلك التي تمنحها مراكز القطاع العام وتحمل توقيع الوزارة، وذلك لكون التراخيص الممنوحة والمشار إليها سابقا لا تخول إلا إحداث مراكز خاصة للتكوين وليس شواهد معتمدة، هذا في الوقت الذي تعلن فيه المراكز المتهمة على توفرها لإعتماد في حديث مسؤوليها وإعلانات المراكز، مما يدفع الكثيرين إلى التسجيل فيها على هذا الأساس فالدولة لا تعترف بالشواهد الغير معتمدة.

ومن أجل نفي الاتهامات بعد مواجهة المتهمين بحقيقة عدم منح الوزارة لأي مركز الاعتماد كما تقول إعلانات هذه المراكز وتكشف التسجيلات، أفاد المسؤول أنه كان يقصد بالاعتماد ترخيص الإحداث، وأن شواهدهم معتمدة بناءا على هذا الترخيص، محملا مسؤولية أي تلاعب للوزارة التي نصت مذكراتها المعلنة لإجراء مباريات الدخول لمراكز التكوين قد نصت على أنه من بين الوثائق المخولة لذلك شواهد المراكز المعتمدة في تكوين الأساتذة، وأن أي غلط بين التراخيص والاعتمادات يرجع إلى ذلك.

وحول نص القانون الواضح بخصوص كيفية إصدار الشواهد المعتمدة من طرف الدولة والفرق الجلي بالنسبة للمطلعين بين الاعتماد وترخيص الإحداث كما ينص القانون، أوضح المتحدث ذاته في تصريحه لمراكش الإخبارية  بعلمه بالفرق بينهما، موضحا أن ما كان يقصده بالاعتماد هو جودة التكوين الذي يوفره المركز والترخيص فقط.

 

نقطة ضوء: حقيقة الاتهامات ومن يتحمل المسؤولية

ينص القانون المغربي على أنه لا يعذر أحد بجهله للقانون، وذلك لكون القواعد المنظمة لسلوك وعلاقات المواطنين تتبلور من داخل التطورات والتحولات التي تعرفها الحياة الإجتماعية، لذا لا يمكن لأحد إتهام شخص بالاحتيال والنصب عليه بمبرر عدم معرفته للقانون، لكن ينص القانون على وجود استثناءات على قاعدة عدم جواز الاعتذار بجهل القانون، وذلك عند توفر حالة القوة القاهرة التي يرتب عليها عدم العلم الفعلي بالقانون، حيث ربما يؤدي إبهام المادة القانونية عدم فهم مراد المشرع من القاعدة كما فهمته محكمة النقض أو التمييز مثلا، عند ذلك تكون مؤاخذة الفهم العادي على أساس الفهم القانوني الدقيق خلافا للإنصاف والعدل.

وبهذا الخصوص نص المشرع المغربي على أنه يجوز متابعة المتورطين في قضايا التدليس بالاعتذار بالجهل في فهم القانون فيما لو كان الهدف من القانون حماية الأشخاص الذين ارتكبوا أخطاء غير مقصودة في أعمالهم الإدارية، أو الهدف منه حماية مصالح الذين ارتكبوا أعمالا غير مشروعة مع حسن النوايا.

فالتدليس حسب القانون هو استعمال اساليب احتيالية بقصد ايقاع شخص فى غلط يدفعه الى ابرام عقد.

فالشخص الذى يقدم على ابرام عقد بسبب التدليس يكون شخص معيب الارادة بسبب وقوعه فى الغلط أي عدم عقده للإتفاق بإرادته الخالصة بل بعد الاحتيال عليه إما بحسن نية أو بسوئها، فى هذه الحالة يختلف عن الغلط العادي كون الغلط العادى يقع بصفة تلقائية دون ان يكون لأي شخص دخل فيه أما الغلط الاول  فيبطل فيه التعاقد فقط نتيجة استعمال وسائل احتيالية من طرف الغير.

التدليس قديم بقدم البشرية و قد عرف خاصة في بعض المعاهد الخاصة واعتبروه جنحة اصلية و لم يعتبروه عيب يشوب الارادة و قد ظهر بازدهار التجارة عندهم.

و بالرجوع للفصلين 52و53 من قانون الإلتزامات والعقود المنظمين للتدليس نجد أنه للإحتجاج بالتدليس لابد من توافر شروط تتمثل في

- استعمال اساليب احتيالية

- أن تكون الاساليب الاحتيالية هي الدافع الى التعاقد

- أن تكون الاساليب الاحتيالية صادرة من المتعاقد الاخر أو يكون على علم به.

إن الاساليب التى يمكن أن يستعملها المدلس كثيرة كتقديم وثائق مزورة او شهادة كاذبة لتغليط المتعاقد او إنتحال صفات غير حقيقية قصد خداع المتعاقد والايقاع به.

الادعاءات التضليلية لا تكون تدليس فى جميع الاحوال فالمبالغة فى ذكر الشيء ومحاسنه و مميزاته كما يفعله بعض التجار قصد بيع بضائعهم لا يعتبر تدليس  لكن تجاوز الحدود المعادية يكون تدليس وذلك يتعلق بوقائع كل قضية وملابساتها و حالة الشخص المتعاقد و سنه و جنسه و مهنته و مستواه الثقافي فالمعيار المتخذ شخصي.

كما يمكن ان تتمثل الاساليب فقط في الكذب او الكتمان و ان كان فى الاصل لا يعتبر اسلوبا للتدليس إلا انه يعتبر كذلك اذا تعلق بوثيقة معينة لها اعتباراتها عند التعاقد كما فى حالة المعلومات التى لها اهمية خاصة في  العقد كتقديم بيانات كاذبة لإخفاء الاخطار التى يمكن ان يتعرض لها الأشخاص.

نفس الشيء بالنسبة للكتمان ففي الاصل لا يعتبر أسلوبا للاحتيال و التدليس إلا إذا كانت أمور يتطلب القانون أو طبيعة العقد قولها.

 كما يجب ان يكون التدليس هو الدافع إلى التعاقد، بمعنى ان يكون التدليس وصل لدرجة جعلته يؤثر فى ارادة الشخص و يضللها مما يدفعه الى التعاقد أما إذا لم يضلل الارادة و زاد فقط فى التحملات التى يتحملها  المتعاقد المدلس عليه فهذا لا يعتبر معيبا للإرادة، فالمشرع المغربى وضع تميزا بين التدليس الدافع والتدليس غير الدافع فى الفصلين 52و53 عندما قال ان التدليس يخول الابطال إذا بلغت الوسائل المستعملة فى طبيعتها حدا بحيث يكون غيابها دافع لعدم تعاقد الطرف الأخر فى حين ورد فى الثاني ان التدليس الذى يقع على توابع الالتزام من غير أن يدفع الى التحمل به لا يمنع إلا الحق فى التعويض و هذا الامر يخالف أقوال الفقه القانون الذي يقول أن التدليس الذي يدفع الى التعاقد بشروط وامتيازات أفضل، هو أيضا يعيب الإرادة لأنه دفع إلى التعاقد بهذه الشروط.

وإلى جانب كل هذا يجب أن يكون التدليس هو الدافع إلى التعاقد بمعنى أن يكون التدليس قد وصل لدرجة جعلته يؤثر فى ارادة الشخص و يضللها مما يدفعه الى التعاقد أما اذا لم يضلل الارادة و زاد فقط فى التحملات التى يتحملها المتعاقد المدلس عليه فهذا لا يعتبر معيبا للإرادة والمشرع المغربى وضع تميزا بين التدليس الدافع والتدليس غير الدافع فى الفصلين 52و53 عندما قال أن التدليس يخول الابطال إذا بلغت الوسائل المستعملة فى طبيعتها حدا معينا، بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الاخر فى حين ورد فى الفصل الثاني من الفصول المشار إليها أن التدليس الذى يقع على توابع الالتزام من غير أن يدفع الى التحمل به لا يمنع إلا الحق فى التعويض و هذا الأمر يخالف أقوال الفقه القانوني الذي يقول بأن التدليس الذي يدفع الى التعاقد بشروط افضل وتمنح إمتيازات للمسؤولين عن التدليس هو أيضا يعيب الإرادة لأنه دفع إلى التعاقد بهذه الشروط.

أما بخصوص الشرط الثالث فيجب لكي يتهم الشخص بالتدليس أن يكون هذا التدليس صادر من المتعاقد بنية أو يكون على علم به.

إن الأساليب التى يمكن أن يستعملها المدلس كثيرة كتقديم وثائق مزورة او شهادة كاذبة لتغليط المتعاقد او انتحال صفات غير حقيقية قصد خداع المتعاقد والإيقاع به.

كما أنه وبحسب مقتضيات الفصل 52  من قانون الالتزامات والعقود فإنه لا يكفي لقيام التدليس استعمال اساليب احتيالية بنية التضليل تدفع الاخر لتعاقد حتى لو لم تكن لديه رغبة فى دالك بل يجب ان يستعمل هدا التدليس من طرف المتعاقد او نائبه او شخص اخر يعمل بتواطئ معه او الغير و المتعاقد على علم به أما اذا استعملت من الغير دون ان يكون للمتعاقد يدا في ذلك  فلا نسمي هذا تدليس لانتفاء النية ولا يصلح لضحية التدليس المطالبة بإبطال العقد بدعوى وقوع تدليس ضده.