حي الملاح حاضرة تنتظر استكمال تجديدها، وأطفال في مواجهة مصير ملغوم

 

تقديم:

صوت المجلس الجماعي لمدينة مراكش يوم الثلاثاء الثالث من يناير الجاري بالإجماع على قرار تغيير اسم حي السلام وأسماء أزقته والعودة بها إلى التسميات الأصلية اليهودية في أغلبها، فأصبح الاسم الجديد هو "حي السلام/ الملاح سابقا".

ولطالما نادت الطائفة اليهودية بذلك إلا أنها كان عليها الانتظار إلى أن حل جلالة الملك محمد السادس بالحي وكان ضمن برنامجه استقبال ممثل الطائفة، "جاكي كادوش" الذي نقل له هذا الطلب، ولم يتأخر جلالته فأصدر قراره في هذا الاتجاه.

بقدر ما تعتبر أسماء الأماكن ذات أهمية بالغة في الموروث الثقافي والتاريخي لأي شعب، كما أكد على ذلك علم "الطوبونيميا" أو "علم أسماء الأماكن"، كما هو الشأن بالنسبة لحي الملاح بمراكش خاصة بالنسبة للطائفة اليهودية، فإن التغيرات اللازم إحداثها بهذا الحي ربما تتجاوز الثقافي والحضاري إلى ما هو إنساني.

مشروع الحاضرة المتجددة الذي يروم تأهيل هذا الحي ضمن برنامج لتأهيل المدينة ككل، يعد خطوة مهمة في هذا الاتجاه من أجل إخراج الحي وساكنته من التهميش والضياع الذي تعيشه.

لقد أُنجز الكثير ضمن هذا المشروع، لكن ذلك ليس إلا جزء يسيرا مما يجب، فقد تم تزيين الواجهات، في حين الحي يزداد سوء وسكانه يزدادون فقرا وتهميشا في العمق، رغم أن القائمين على مشروع مراكش الحاضرة المتجددة يقولون أنهم لا زالوا في إطار الشطر الأول، وأن الملاح سيتم تأهيله بالكامل.

في انتظار ذلك حي الملاح يعيش وضعا كارتيا إجتماعيا واقتصاديا، ولا زال فيه الضياع هو العنوان الأبرز، أسر تعيش على هامش الحياة، وتقتات على مخلفات الحضارة، دون مستقبل لها ولأبنائها.

عشرات الأسر تعيش تحث أسقف مهترأة قد تسقط على رؤوسهم في أي لحظة وبالفعل فقد انهارت منازل شتى فوق رؤوس ساكنيها، وتوفي أناس أبرياء فقط لأنهم فقراء لا حيلة لهم لإصلاح منازلهم أو مغادرتها إلى أماكن أخرى، في الوقت الذي يبدو عرض السلطات من أجل الإخلاء بئيسا جدا.

وسط هذا الوضع المزري من الطبيعي أن تنمو العديد من الأمراض الاجتماعية، من دعارة ومخدرات وإجرام، فحي الملاح هو الأول في كل ذلك بين أسوء أحياء مدينة مراكش، ما يضع التساؤل حول مصير أجيال مضت وأخرى قادمة كلها بدون مستقبل، فلا فرص لإتمام الدراسة والعمل، لا فرصة لأطفال الحي للنجاة من براثين الجهل والانحراف.

في ملف هذا العدد مراكش الإخبارية تلج إلى عمق حي الملاح لترصد ما لم ترصده الأعين، وتنقل لكم كل صور التهميش والإقصاء هناك، لكن ذلك لا يمكن أن يخفى أمل سكانه بما يمكن أن يأتي به المستقبل، خاصة مع زيارة صاحب الجلالة التي فرح بها هؤلاء.

 

 

الملاح، من حي يهودي يجسد لقيم التسامح، إلى حي كل الأمراض الاجتماعية

تواجد الديانة اليهودية بالمغرب يعود إلى حوالي القرن الثالث قبل الميلاد، رغم أن بعض الدراسات تعيده إلى ما قبل ذلك بكثير، حين وصول أولى الجاليات اليهودية إلى بلاد المغرب الأقصى هربا من الاضطهاد أو بحثا عن مستقر آخر.

ويقول إبراهيم حركات في كتابه السياسة والمجتمع في العهد السعدي أن اليهود قدموا "إلى المغرب الأقصى عبر بوابتين رئيستين: البوابة المشرقية والبوابة الأوربية" أما "روجي فيري" فيربط الأصل المشرقي لليهود المغاربة بحدث تخريب مدينة القدس على يد قراقش عام 70 م؛ حيث تشتت اليهود على إثر هذا الحدث، في مختلف أصقاع الأرض، ومنهم من توجه إلى الشمال الإفريقي واستوطن بعض المناطق في المغرب الأقصى، وخاصة في جنوبه الشرقي.

لم تكن علاقة اليهود بالمسلين ـ الذين وصلوا بعدهم بزمن ـ في المغرب خاصة منهم السلطة الحاكمة، لم تكن دائما "سمنا على عسل"، فقد تميزت منذ عهد إدريس الأول بأن فرض عليم الأخير الدخول في الإسلام وحاربهم بشدة، إلا أن خليفته كان أقل شدة من والده وسمح لهم بالعيش وسط المسلين شريطة دفع الجزية.

ومع مرور الأزمنة بدأ التداخل بين الطرفين يتقوى وأصبحت العلاقات التجارية مباحة بين المسلمين واليهود، وبدأ السلطة تقربهم إليها، إلى أن بلغ هذا التقارب أوجَهُ في العهد السعدي حيث بداية تأسيس الأحياء اليهودية بالمغرب.

تأسس ملاح مراكش منتصف القرن السادس عشر الميلادي، في عهد الغالب بالله السعدي، وهو ثاني ملاح في المغرب بعد ملاح فاس الذي كان أول حي خاص باليهود المغاربة.

تسمية الحي اليهودي ب"الملاح" اختلفت حوله الروايات، منها من قالت أنها تعود إلى أن عملية تمليح رؤوس الثوار تتم على يد اليهود، أولائك الذين يخرجون على أمر الحاكم فتقطع رؤوسهم وتعلق في الأماكن العامة لتكون رادعا لمن يفكر في التمرد.

في حين تشير بعض الدراسات إلى أن حي الملاح سمي بهذا الاسم نظرا لأن أول حي يهودي تم بناؤه في المغرب كان في مدينة فاس التي كانت عاصمة للمغرب عدة قرون، وقد تم بناؤه في منطقة كان يتم فيها تجميع وتخزين الملح تمهيدا لتصديره عبر القوافل لأوربا، وأصل تسميته بالملاح يعود إلى عهد المرينيين في الثلاثينيات من القرن الخامس عشر الميلادي حيث كان موقعه عند مدخل مدينة فاس تجمع فيه مادة الملح قبل توزيعها فكان الموقع أول تجمع خاص باليهود ومنذ ذلك الحين تم تعميم مصطلح الملاح ليتم تداوله بين الأوساط المسلمة واليهودية كحي محاط بأسوار عالية له بابان في غالب الأحيان يقطنه اليهود.

كان عدد اليهود في ملاح مراكش يتجاوز 40 ألف يهودي في فترات مختلفة من تاريخ المدينة، إلا أنه اليوم لا يتجاوز بضعة أفراد، من الذين يقطنون في هذا الحي، وكانت المعابد تتجاوز الأربعين معبدا، بقي منها اليوم معبد واحد لا زال يستقبل زواره من اليهود والسياح خاصة من خارج المدينة.

خلال الستينيات عرف الحي هجرة كبيرة لليهود إلى مدن أخرى كالدار البيضاء وبعضهم اختار فرنسا أو أمريكا وأغلبهم إلى هاجر إلى إسرائيل، وفي ذات الوقت بلغت الهجرة القروية إلى المدن أوجها في العقود التي تلت ذلك، حيث استقبل حي الملاح العشرات إن لم نقل المئات من الأسر المهاجرة من القرى المجاورة.

في دورة فبراير 1977 قرر المجلس الجماعي للمدينة تسمية الحي باسم "حي السلام"، في فترة تميزت بالعديد من التطورات السياسية المرتبطة أساسا بالقضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، وربما لأسباب أخرى، ومنذ ذلك وإلى غاية الأسبوع الماضي بقيت التسمية الإدارية حي السلام بينما جميع المراكشيين يعرفونه بحي الملاح.

ومنذ عقود ليست بالبعيدة تعرض الحي لشتى أنواع التهميش فكان مرتعا للفقر والإقصاء الاجتماعي، ساهم في ظهور أمراض اجتماعية لا حصر لها يمكن حصرها في الإجرام والدعارة وانتشار المخدرات، كما سيأتي الحديث عن ذلك في المحاور المقبلة من هذا الملف.

 

 

مراكش الحاضرة المتجددة، أمل الملاح لتعود له إنسانيته

حضي حي الملاح بجزء مهم من مشروع الحاضرة المتجددة، حيث أقر المشروع الذي أعطى له جلالة الملك محمد السادس الانطلاقة بداية سنة 2014، بقيمة 6.3 مليار درهم، وشمل خمسة محاور رئيسية، هي تثمين الموروث الثقافي، وتحسين التنقل الحضري، والاندماج الحضري، وترسيخ الحكامة الجيدة، والمحافظة على البيئة.

وضمن محور تثمين الموروث الثقافي تم تأهيل عدة أحياء عتيقة من بينها الملاح، بالإضافة إلى قبور الشو، والزرايب، فضلا عن إعادة تهيئة الساحات التاريخية بأحياء: الباهية، بنصالح، رياض لعروس، بن يوسف، وباب الفتوح. 

بعد ثلاث سنوات عاد صاحب الجلالة لزيارة ما أنجز بهذا الحي في إطار المشروع التنموي "مراكش الحاضرة المتجددة"، حيث اطلع جلالته على مختلف المواقع التاريخية التي خضعت للترميم بحي الملاح، كالساحات العمومية سيدي أحمد الكامل، لقزادرية، السويقة، والفندقين العتيقين فندق مولاي مصطفى وفندق التومى، إلى جانب سويقة الملاح.

وقد رصد لهذا المشروع الذي يروم تحسين ظروف عيش سكانه، وتعزيز البنيات التحتية الأساسية لحي الملاح، غلاف مالي قدره 194 مليون درهم، من أجل إنجاز الشطر الأول والذي تجاوزت الأشغال فيه 65 بالمائة.

على أن يتم في إطار الشطر الثاني، ترميم الساحة العمومية الميارة، والبرج (مخزن للحبوب)، والفندقين العتيقين "التازي" و"صولوبان"، علاوة على إنجاز أربعة تجهيزات اجتماعية للقرب مخصصة للأشخاص المسنين والنساء والشباب وأطفال الحي.

هذا المشروع الذي خرج إلى الوجود بفعل شراكة بين وزارة السكنى وسياسة المدينة التي تكفلت بالتمويل، وولاية جهة مراكش- آسفي وجماعة مراكش ومجموعة العمران التي أوكلت إليها مهمة إنجاز المشروع، يقوم على التأهيل الحضري لحي الملاح، عبر معالجة البنيات المهددة بالسقوط وإصلاحها، وإعادة تهيئة الساحات العمومية، وتأهيل الأزقة والفنادق والمحلات التجارية، وإعادة بناء بعض المحلات التجارية، وتجديد الأسقف الخشبية، وتعزيز المدارات السياحية، وتزيين الواجهات.

تأهيل حي الملاح له أبعاد عدة اجتماعية واقتصادية، وثقافية مرتبطة بالهوية المغربية، على اعتبار أن تأهيل الحي هو بمتابة إعادة الاعتبار للمكون اليهودي الذي يعتبر واحد من مكونات الهوية الثقافية والتاريخية للمغرب ولمدينة مراكش على الخصوص، على اعتبار أن حي الملاح شكل على الدوام صورة لقيم التسامح والتعايش والانفتاح الذي يميز المجتمع المغربي، بغض النظر طبعا عن ما يمكن أن يميز بعض فترات التاريخ القليلة من توثر اجتماعي بين المكونين.

مشروع يهدف إلى الارتقاء بجمالية المشهد الحضري للمدينة الحمراء، ويسعى إلى تحسين ظروف اشتغال التجار، واجتثاث البنايات غير اللائقة. كما يتوخى الحفاظ على بعض المهن المهددة بالاندثار، والنهوض بالمنتجات المحلية للصناعة التقليدية، وتعزيز تنظيم وهيكلة القطاع.

 

المنازل الآيلة للسقوط، حياة على كف عفريت

دخلنا إلى منزل فتيحة التي تعش مع أخ لها وهو طالب في السنة الأولى، بعد أن توفي الأبوين ولم يتركا سوى هذا المخبأ الذي يمكن أن ينهار عليهما في أية لحظة،  فتيحة فتاة معاقة بصعوبة تتحرك وبصعوبة أكبر تنطق الكلمات بفعل الإعاقة التي شملت عدة أجزاء من جسدها، عوامل الزمن لم تسعفني لتحديد سنها، لكن يبدو أنها في نهاية الثلاثينات أو بداية الأربعينيات.

في حقيقة الأمر لا أدري إن كنا قد دخلنا حينا أم أننا لا زلنا في خارج المنزل في الزقاق، فما يمكن تسميته بالمنزل هنا نِصفه قد انهار ولا شيء يفصله عن الزقاق سوى بعض الرفوف من القصب المتراصة مكان الحائط، وقطعة زنك اعتبرها هؤلاء بابا لمنزلهم، أما النصف الثاني فلا يمكن توقع متى سيهوي على رؤوس ساكنيه.

هي سنتين مضت على انهيار هذا الجزء من المنزل إلا أن فتيحة وشقيقها لم تستطعا بعد إقناع السلطات المحلية بضرورة إصلاح المنزل، ولا زال السيد القائد يخبرها بضرورة انتظار دورها، رغم أن الأمر كما يظهر يستلزم التدخل العاجل، في الوقت الذي لا زال فيه اليتيمين الآن يعيشان على نفقة بعض المحسنين.

غير بعيد من هذا المكان دخلنا إلى منزل آخر يظم 18 أسرة بما مجموع 64 فردا، علما أن هناك منازل قد تحوي أكثر من ذلك بكثير، كل أسرة تعيش في غرفة واحدة مساحتها لا تتجاوز خمسة أمتار مربعة أو أكثر بقليل، وأغلب هذه الأسر تظم أيتاما تعيلهم نساء أتت الأيام على قواهم ولم يعدن قادرات على إعالة أطفالهن.

صلاح 26 سنة أحد السكان بهذا المنزل، وهو الأكبر بين إخوة ثلاث شابين وطفلة مراهقة، كانت تعيلهم والدتهم قبل أن تغدر إلى دار البقاء خلال الأسبوعين الاخيرين، وهو الآن يعمل كبهلواني مع "حماد اموس" بجامع الفنا ويعيل أخته التي لا زالت في الدراسة وأخوه العاطل الذي نال منه الانحراف، ويعيش ضياع ككثير من أبناء هذا الحي.

فاطمة هي الأخرى امرأة مسنة مريضة بالقلب، كانت تعمل في (الجنانات)، وتعيل أبناءها، أما اليوم فهي على (باب الله) كما قالت تنتظر عطف المحسنين لشراء الدواء وبعض مما يقتات به أبناؤها، الذين لم تستطع تدريسهم، وابنها العاطل اليوم يقضي أيامه في البحث عما يمكن أن يساعد به الأسرة.

إشكالية الدور الآيلة للسقوط في حي الملاح لا يمكن مقارنتها بباقي أحياء المدينة، ففي الوقت الذي تبدل فيه الجهود من أجل تجاوز هذه الإشكالات في هذه الأحياء يتم الإبقاء عنه في حي الملاح، فحسب ما هو متداول بين الساكنة هناك فإن السلطات تتعمد ترك المنازل تنهار لغاية في نفس يعقوب ـ يقول أحد هؤلاء ـ، والأمثلة على ذلك كثيرة، فبالإضافة إلى منزل فتيحة الذي بقي على حاله دون أي أمل في إصلاحه مند عام مضى هناك أمثلة كثيرة، نورد منها منزل "نور الدين" الذي انهار بفعل الإصلاحات التي تتم في إطار مشروع الحاضرة المتجددة الذي لم يشمل بالطبع كل الملاح.

 نور الدين حكى قصته لمراكش الإخبارية حيث قال: "في أحد الأيام كنت نائما حوالي التاسعة صباحا، ما إن خرجت من الغرفة حتى انفجر في وجهنا أحد جدران الصالون المجاور"، والسبب في ذلك يقول نور الدين هو أشغال الترميم التي كانت تتم في الواجهة المقابلة للزقاق الرئيسي، حيث سقط حائط البناية المقابلة التي تجري فيها الأشغال على منزله.

حين حضرت السلطة المحلية ممثلة في القائد وبعض من يشتغل تحث إمرته ووعده بإعادة بناء المنزل، وطُلِب منه حينها إفراغ المنزل، ومنذ ما يقارب العامين يقول نور الدين: "وأنا أسكن في بيت مأجور والمنزل لم يتم إصلاحه، طرقنا جميع الأبواب بدون أن نتلقى أي جواب شافي".

من جهة أخرى عدد من المنازل قد انهارت عن آخرها بالحي وبقيت بهذا الشكل دون أن يتم إصلاحها، وبعضها تم ترصيفه واعتباره جزءا من الفضاء العام، وهو يثير العديد من التساؤلات لدى السكان.

 

 

الإجرام، الدعارة، والمخدرات... عناوين بارزة بحي الملاح

لطالما ارتبط اسم "الملاح" لدى في المخيلة المراكشية بمختلف أنواع الأمراض الاجتماعية رغم أن الأمر ليس بالضرورة دو علاقة بسكان الملاح، كأن يقال أن لا أحد يستطيع الولوج إلى هذا الحي ليلا لانتشار جميع مظاهر ال"كريساج"، أو تواجد دور للدعارة وانتشار المخدرات على نطاق واسع.

رغم أن السكان هناك يرفضون أن توجه لهم أصابع الاتهام فيما يخص هذه الأمور، إلا أن أحد لا ينفي وجود هذه الظواهر بالحي، بل إن كثير من أبناء الحي يؤكدون أن هذه المواد المخدرة يأتي بها أناس أجانب عن الحي، تدخل بقدرة قادر بدون حسيب ولا رقيب، في الملاح يلتقي التاجر والزبون والوسيط مستغلين غياب الأمن الذي تعود السكان ألا يروه في الحي إلى مرارا، منتقدين خطوة إزالة مركز الشرطة الذي كان وسط الحي.

وفي النهاية فإن أبناء الملاح يجدون أنفسهم وسط هذه الأجواء  التي تشجع عن الانحراف، والأسر لا حول لها ولا قوة من أجل حمل أبنائها على تجنب تناول المخدرات، والفقر يدفع بهم إلى الإجرام.

هنا كل أنواع المخدرات متوفرة من قنب هندي، الحشيش، المعجون، النفحة، والسلسيون... ناهيك عما يعرف ب"الكوتشية" وهي أحد أنواع الخمور الأكثر رداءة وخطورة في نفس الوقت، لكن المستجد في حي الملاح هي الأقراص المهلوسة، حيث قال أحد السكان واسمه "ديدي": "هنا في الملاح ولا كايتباع القرقوبي، فنيدة وحدة ب 2400 د ريال، تمن خنشة د الدقيق، كايشربها الواحد و أجا مايشدو ليك".

هنا الأمهات دائمات القلق على أبنائهن لكن للأسف في غالب الأحيان قلقهن يذهب سدى، فالبيئة الانحرافية أكبر من أن يستطيع أي أحد التحكم فيها أو مواجهتها، خاصة عندما يتعلق الأمر بمراهق فقير وغير مُؤطّر، لدى فلم يعد من المفاجئ أن تصادف قاصرين يتناولون المخدرات أو يروجونها بحي الملاح.

ودائما ما تكون المخدرات مرتبطة بالعنف والإجرام، لدى فحي الملاح لا يحمل من السلام سوى الاسم الذي منحه له المجلس الجماعي منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضي، لكن لم يحمل أي من معانيه على أية حال، حيث التسيب ولغة الخناجر والسيوف هي الوحيدة التي يسمع صوتها في هذا الحي، خاصة خلال الليل حيث يكون الساطور هو الحد الفاصل بين هزل وهزل.

لهذا يأتي حي الملاح في مقدمة الأحياء التي تشهد مظاهر الإجرام بالمدينة الحمراء، فرغم ما يقال عن أحياء ك "دوار ايزيكي ودوار العسكر القديم، والحي العسكري، ودوار الظلام وسيدي يوسف بن علي القديم"، إلا أن حي الملاح يعيش على إيقاع آخر من الجريمة والعنف، من جهة بين محترفات الدعارة وبين مروجي المخدرات أو اعتداء بعض المجرمين ـ الذي قد لا يكونون دائما من أبناء الحي ـ على من يصادفونه من المارة.

حول هذا الوضع يتفق السكان على دور الأمن الذي لم يصل إلى المستوى المنشود لديهم، السكان الذين التقت بهم الجريدة يجمعون على أن دوريات الشرطة أقل مما يجب، ونادرا ما تحل في الوقت المناسب، ودائما ما تحضر بعد وقوع الاعتداءات والشجارات، عملا بمبدأ "واش كاين الدم" يقول أحد السكان ويضيف: "نتمنى أن ينتهي هذا الأمر مع شرطة النجدة التي أحدثت"، لكن رغم ذلك فالملاح في حاجة إلى مجهودات أمنية كبيرة.

لم تعد الدعارة في حي الملاح منتشرة بنفس الوثيرة كما في السابق، فقد تم القضاء على بيوت الدعارة التي يشتهر بها الملاح، وتكاد السلطات تقضي عنها بعد أن بدأت الأمراض المعدية تهدد مرتادي هذه الدور زبائن وعاملات، ليس هذا فقط بل إن سوق الدعارة بالمدينة الحمراء أصبح يأخذ أبعادا وأشكالا أخرى لم تعد تلائمها طبيعة الحي، إلا أن الظاهرة رغم ذلك لم تختفي بالكامل، فمن المرجح أنه لا زال هناك منزل للدعارة أول أكثر.

إلا أن الأكثر انتشارا اليوم هو دعارة القاصرات التي بدأت تأخذ أبعادا خطيرة بحي الملاح، فتيات في عمر الزهور يزج بهن في هذا العالم المظلم، أحيانا كثيرة تدفعها الحاجة وانسداد الأفق إلى تلمس طريق بيع الجسد من أجل لقمة العيش، رغم أن الأمر ليس دائما بهذا الشكل.

هذه المظاهر التي يعتبر أبناء الحي الضحية الأولى لها تجعل حي الملاح نقطة سوداء في مراكش، ضحية كونه مستهدف بالمخدرات وبالإجرام وكل هذه الموبقات، وضحية نظرة جميع المراكشيين الذين يلصقون به كل ما ذكر.

 

 

غياب جمعيات المجتمع المدني في حي الملاح يزيد من عزلة الشباب

المجتمع المدني في حي الملاح كان سيلعب دورا مهما في الدفاع عن حقوق السكان وتأطير الشباب والفتيان والفتيات في الحي، ومساعدتهم على التغلب على أجواء الانحراف التي تسود الحي، إلا أن الفعاليات التي تسعى إلى ذلك لم تجد له سبيلا.

في حي السلام/ الملاح سابقا لم يتسنى لشباب الحي أن ينظموا أنفسهم بتأسيس جمعية ثقافية كانت أو اجتماعية أو رياضية، فرغم أن هناك فعاليات نشيطة تسعى إلى تنشيط الحي على عدة مستويات إلا أنها لا تتلقى الدعم اللازم من قبل السلطات، حيث حكى نور الدين في تصريح للجريدة أنه أقدم على تأسيس جمعية رفقة بعض أصدقائه في الحي إلا أنه منذ أشهر لم يتوصل بعد برسم الإيداع النهائي، متسائلا ما إن كان الأمر متعمدا.

كما أن تأسيس مثل هذه الجمعيات هنا يواجه بمعارضة شرسة من قبل محترفي الإجرام الذين يستفيدون من هذه البركة الضحلة، من شبكات الاتجار بالمخدرات وشبكات الدعارة ومن يدور في فلكهم، وهكذا تبقى أي محاولة من أجل تأسيس جمعية في مهب الريح.

 

 

 

 

أمينة، نموذج لمختلف معانات حي الملاح، الإعاقة والفقر وقلة الحيلة

أمينة، سيدة معاقة لا تكاد تحرك أي من أطرافها إلا بصعوبة كبيرة، وتعيل ابنا معاقا هو الآخر بالكاد يستطيع استعمال يده اليسرى، والاثنان يقطنان في غرفة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، غرفة حصلت عليها بفضل مجهودات وتضامن بعض الجيران، وضعت فيها متكأين مهترأين، تقابلهما خزانة متواضعة تحتوي بعض الآوني البسيطة، وعلى الأرض مائدة صغيرة وضع عليها بضع قطع من الخبز وعلبتين أو أكثر تحتوى على أكل يبدو من اختلافه أنها توصلت به من المحسنين الذين تعيش معهم كل يوم، فأمينة مع إعاقتها لا تستطيه القيام بأي من الأعمال اليومية، حتى لو تسنى لها ذلك.

أمينة لم تكن يوما معاقة إلا أن نوبات الدهر المتلاحقة هي ما أوصلها إلى هذا الحد، بداية بغياب الأب معيل الأسرة، ثم بما حدث لابنها الذي لم يعد يستطيع فعل شيء لنفسه بنفسه حتى ما يتعلق بقضاء حاجاته الطبيعية.

إعاقة النطق هي الأخرى ألمت بأمينة فلا تتواصل مع محيطها إلا بكلمتين فقط هما كل ما تستطيع نطقه "هكا وهكا" أو "أحياني"، فجهازها الصوتي هو الآخر لحقته الإعاقة، ولو لا جيرانها كنجاة وعبد السميع لما استطعنا أن نعرف قصتها، فهي بهكذا حال لا تتمكن من التواصل مع الغرباء، ولا أحد يتمن من فك شفرة رسالتها حتى لو طلبت مجرد مساعدة بسيطة.

ألمت بها هذه الحالة منذ ثماني أو سبع سنوات، والسبب حسب عبد السميع الذي عايش هذه السيدة منذ أن كانت صحتها جيدة، هو حالة ابنها الذي لم يكن معاقا بهذا الشكل، إلا أن غياب القدرة على متابعة العلاج وفشل عمليتين طبيتين أدى به إلى هذا الحال، مما جعل المرأة تدخل إلى نوبات من الأسى والاكتئاب الذي أوصلها في الأخير إلى هذا الحد.

هي الآن تكتفي بالتسول في أقرب نقطة إلى الحي أمام مقبرة الإمام السهيلي، بالإضافة إلى أبناء الحي الذين لا يتوانون في مساعدتها، من أجل التكفل بابنها وأداء ثمن كراء الغرفة المتواضعة جدا الذي يبلغ 500 درهم في الشهر بالإضافة إلى واجبات الماء الصالح للشرب والكهرباء.

ابنها الآن يعيش في وضع مزري ولولا وجود جيران كعبد السميع ونجاة وآخرون، لما استطاعت الأم تغيير ولو ملابس ابنها وحفاضاته، وهي لا تحرك إلا يدا واحدة وبصعوبة، فتضطر للمنادات على شباب الحي لمساعدتها من أجل تغيير ملابسه ووضعه في مرقده، مشهد يتكرر مع أمينة كل يوم.

ويقضي الفتى المراهق يومه في التسكع بكرسيه النقال، حيث يسلعده أبناء الجيران من أجل نقله من مكان لآخر، وأحيانا كثيرة يتوجه إلى مركز المدينة بجامع الفنا أو كيليز من أجل التسول.

وتأسف عبد السميع الذي كان يحكي لنا قصة المرأة عوضا عنها، لحال الفتى الذي وجد نفسه في بيئة يغلب عليها الانحراف، في وسط تروج فيه مختلف أنواع الإدمان، وهو ما يؤدي بالعديد من المراهقين للتعاطي للمخدرات، ورغم حالته الصحية لم يستثنى ابن أمينة من هذا الحال، كما أكد الجيران، فالفتى ينفق أغلب ما يجمعه من التسول على اقتناء المخدرات، وهذا حال معظم فتيان وفتيات وكذلك الأطفال، بهذا الحي إلا من رحم ربك، وهذا ما سنتناوله في المحور الموالي.

في هذا الحي ليس حالة أمينة وحيدة، بل تكاد هذه الوضعية أن تكون هي الغالبة في الملاح، لكن تضامن السكان فيما بينهم يخفف من وطأة الحاجة.

 

 

طفولة الملاح المغتصبة، مستقبل أمة يضيع

لما دخلت إلى حي الملاح عبر الزقاق المؤدي إلى المعبد اليهودي الوحيد الذي لا زال فاتحا أبوابه في حي الملاح، أثارني مشهد يبدوا غريبا جدا على الأقل بالنسبة إلي، يتعلق الأمر بطفل لا يتجاوز الأربع سنوات من عمره، يركد نحو زوجين أجنبيين ويقودهم نحو المعبد اليهودي، ثم رافقهما حتى وصلا، وقبل أن يلجا إلى داخل المعبد ادخل الرجل الأجنبي يده في جيبه وأخرج قطعة نقدية وأمدها لفتى دو الأربع سنوات.

مشهد ربما يظهر من الوهلة الأولى أنه قد لا يستحق أي اهتمام، لكن عندما نعلم أن أطفال الحي كثير منهم يمارس مهنا متعددة من أجل إعالة أو مساعدة أبائهم، في بيئة يغلب عليها الفقر والتهميش والبطالة وغياب أي أفق في المستقبل، فإن الأمر يستدعي بالفعل دق ناقوس الخطر، إن كان هناك من سيصله رنينه.

عشرات الأطفال بعمر الزهور نصادفهم يوميا في مراكز المدينة الرئيسية، جيليز، شارع محمد السادس، والشوارع المجاورة لجامع الفنا، "عافاك شري من عندي"، من منا لم يسمع هذه الكلمة، ولم يستنكرها حينها معتبرا ذلك وقاحة من الطفل البريء، الذي لا يريد سوى أخد بعض الدراهم إلى بيته بغض النظر عن مصير هذه الدراهم، لكن هو يعرف جيدا أن أخدك لعلبة ال"كلينيكس" هي الوسيلة الوحيدة ليحصل على الدرهمين.

لا يمكن أن نتصور كيف لفتاة تجول في شوارع أزقة "جيليز" إلى غايات الساعات الأولى من الصباح من أجل جلب بضعة دراهم والعودة إلى منزلها بحي الملاح، ولا يمكن أن نتصور أيضا كيف يمكن أن يستقبل شارع مثل هذا الذي في الملاح أطفال من هذا النوع، إذ من الممكن بكل سهولة التكهن بمصيرهم.

في هذا الصدد يقول عبد السميع أن "الأطفال ضائعين في هذا الحي وآباؤهم لا يملكون ما يلبون به حاجياتهم لذا يخرجون إلى الشارع لتدبر أمرهم"، ويضيف متسائلا "ما مصير هذا الطفل أو هذه الطفلة التي تبقى في جيليز إلى غاية الثانية أو الثالثة صباحا؟"، فإذا ابتلي هؤلاء الأطفال بالمخدرات ومختلف أنواع الموبقات واحترفت الفتيات الدعارة فإن ذلك سببه هذه الوضعية الاجتماعية يؤكد عبد السميع.