"الحقيقة الكاملة" لقرار نقل تظاهرة "عواصم الثقافة الإفريقية" من م

 

"الحقيقة الكاملة" لقرار نقل تظاهرة "عواصم الثقافة الإفريقية" من مراكش إلى الرباط

مراكش الإخبارية  2020-02-25 12:30:00

لم تكتمل فرحة ساكنة المدينة "الحمراء" باحتضان تظاهرة "عواصم الثقافة الإفريقية"، التي كانت مقررة نهاية الشهر الجاري، بعدما تفاجأت بنقل هذا الحدث الثقافي إلى العاصمة الرباط، رغم حصول مدينة "السبعة الرجال" على لقب عاصمة الثقافة، حسب ما أكدته اللجنة المنظمة التي كشفت تلقيها لطلب رسمي مفاده تغيير المدينة المحتضنة لهذا النشاط، دون ذكر الدوافع والمبررات، التي تقف وراء هذا القرار مكتفية، بالقول إن العاصمة الإدارية للمملكة تتوفر على بنيات تحتية ملائمة تجعلها مؤهلة لاستقبال هذا العرس الثقافي.

اعتبارات لوجيستيكية وتقنية لضمان نجاح التظاهرة، كانت وراء هذا القرار، حسب الوزير الوصي عن القطاع، الذي أكد أن المغرب له برنامج ثقافي دولي بإمكان أي مدينة أن تستضيفه، مما دفع المهتمين للتساؤل عن سياق هذا الإجراء، قبل أيام من موعد انطلاق التظاهرة.

ولرفع اللبس وكشف الغموض طرقت "مراكش الإخبارية" أبواب مجموعة من المهتمين، والفاعلين في الحقل الثقافي من خلال إشراك مختلف الأطراف الفاعلة في هذا الشأن والمتضررة منه، قصد الإحاطة بكل الخبايا والتفاصيل، بشكل أدق لتنوير الرأي العام عامة والمراكشيون، بشكل خاص بعدما قضوا نصف حول في الاستعداد.

صدمة من قرار مفاجئ وغير مفهوم !

" استغراب، دهشة، تنديد، قلق... "، مفاهيم اجتمعت في قاموس المثقفين والفاعلين بالشأن المحلي بمراكش، على خلفية نقل تظاهرة عواصم الثقافة الإفريقية من "عاصمة النخيل" إلى الرباط، سيما في ظل عدم وجود تبريرات وأسباب مقنعة لهذا التغيير، مع اختلاف التأويلات.

وفي الوقت الذي يطالب فيه الفاعلون والمثقفون بمعرفة الدوافع الكامنة وراء هذا القرار، يستنكرون تبريرات أدلى به وزير الثقافة مؤخرا تعزي القرار إلى أسباب تقنية مرتبطة بالبنيات التحتية، وهو مبرر اعتبروه في غير محله، ولا يميط اللثام عن الحقيقة الكاملة.

وفي هذا الباب، أكدت رئيسة الشؤون الثقافية بمجلس جهة مراكش، أن هذه الأخيرة لها من المقومات ما يكفي لاحتضان تظاهرة إفريقية، سيما وأن لها تجارب سابقة في احتضان أحداث دولية وعالمية، وتابعت"قد نتقبل الأمر أن كانت هناك أسباب وجيهة ولها صلة بالمصلحة العامة للبلاد، أما أن تكون بدوافع غير مقبولة فلا يسعنا إلا أن نستنكرها".

وبالرغم من حالة الغضب والاستياء التي أبداها مختلف الفاعلون، إلا أن الكل أجمع على أن التظاهرة تمثل صورة المغرب ودعا لإنجاحها على أعلى مستوى.

 

وفي الوقت الذي ذهب فيه بعض المتدخلين، لرفض تقبل الوضع، بدعوى وجود أمور خفية تحكمت في عملية التغيير، طالب آخرون بمعاقبة المسؤولين إذ ثبت في حقهم أي تأخير على مستوى التنظيم والإعداد، وهو ما ارتكز عليه أحد الأطر التربوية والفنية بالمدينة، قائلا "إن كان هناك مشكل في التنظيم فليخبرونا به، وقد نتقبله وقد ترد عليها الجهات المنظمة،  لكون الأمر سيؤثر على الجانب السياحي في ارتباطه بالعمق الإفريقي" .

الكل يتم بتنسيق مع الدولة، التي لها اعتبارات خاصة في هذا الباب، استناد لما أكده رئيس مرصد التنمية تانسيفت، معتبرا القرار مجرد عقاب لمجلس المدينة، الذي تزعم المبادرة بشكل منفرد أملا في أن يجد  جهات داعمة، في الوقت الذي رفض فيه بعض المثقفين التعليق على الأمر، نظرا للغموض الذي يلفه من كل زاوية لدرجة أن المنظمين لا يعلمون من اتخذ هذا القرار.

وبخلاف هذا التوجه، يرى محللون سياسيون، أن الأمر مرتبط  بإحالة عمدة مدينة مراكش ونائبه على التحقيق بتهمة وجود اختلالات في "كوب 22 "، مشيرين إلى أن هذه الشبهة هي السبب الرئيسي لهذا القرار على اعتبار أن التظاهرة تنظم بشراكة مع عمادة ورئاسة الجهة.

بالمقابل يرى ناشطون في الحقل الثقافي أن هذا الإجراء مرتبط بغضبة ملكية على تعثر سير مجموعة من الأشغال والمشاريع بالمدينة وما تعرفه من اختلالات.

جوانب خفية تحكمت في قرار التغيير

أكدت ثريا إقبال رئيسة لجنة الشؤون الثقافية بمجلس جهة مراكش، أن هناك جوانب خفية تحكمت في نقل تظاهرة عواصم الثقافة الإفريقية من مدينة مراكش إلى العاصمة الرباط، وتابعت "تفاجأنا بالقرار لأن العمل كان جاريا على قدم وساق من طرف جميع الفاعلين والمنظمين وقطع أشواطا مهمة، وتقريبا كان على مشارف النهاية".

ورجحت المسؤولة ذاتها، في تصريح لـ"مراكش الإخبارية " أن تكون الأسباب الكامنة وراء هذا الإجراء مرتبطة برغبة الجهات المسؤولة في إظهار مكانة العاصمة الإدارية في هذا الحدث الإفريقي، لكونه سيخلف صدى ووقعا كبيرين على  المستوى السياسي والعلاقات الإفريقية في ظل التطورات الأخيرة المرتبطة بانفتاح المغرب على عمقه الإفريقي، مضيفة "أيا كانت الأسباب نتمنى أن تمر التظاهرة في ظروف جيدة وتحقق النجاح المتوقع، لأنها تمثل صورة المغرب، وأن تستمر أثارها وانعكاساتها على المدى البعيد ".

 

 

وحول ما إذا كان السبب مرتبطا  بعدم جاهزية وقدرة المدينة الحمراء على استقبال حدث من هذا الحجم، استبعدت المسؤولة المذكورة، هذا الطرح بدعوى أن مراكش سبق وأن احتضنت  تظاهرات كبرى عالمية من قبيل مهرجان الضحك .. وحتى الجهات التي عهد لها التنظيم، كانت لها رؤية واضحة وتصورا عميقا لإنجاح هذا الحدث، على جميع المستويات ليكون العمق الإفريقي بتنوعه حاضرا، مشيرة إلى أن نجاح التظاهرة، يبقى هو الأهم أولا وقبل كل شيء، وأن تكون بداية لتجربة في استمرارية العلاقات بين العواصم الإفريقية، كأول تظاهرة من نوعها  في المغرب، قبل أن تنتقل لباقي المدن والعواصم ذات الصيت العالمي والثقافي.

وعن إمكانية احتضان المغرب لتظاهرة من هذا النوع مستقبلا، أكدت إقبال أن الأمر يتطلب سنوات طوال، لأن التظاهرة لا تتم سنويا، وإنما تنظم مرة في كل ثلاث سنوات، ولكي يأتي الدور على المغرب في  الاحتضان مرة ثانية، سيكون عليه الانتظار لأزيد من ثلاثين سنة تقريبا.

وحول مدى تقبل القرار قالت المتحدثة، "في البداية كانت صدمة ونوع من الإحساس بـ "الحكرة"، بحكم محبتنا للمدينة، ذات البعد الثقافي العالمي، ولكن سرعان ما تم تفهم الأمر"، وواصلت"ربما هناك أمور نجهلها رسميا، قد تكون مقنعة وفي محلها، والمهم أن يمثل لمغرب في هذا الحدث الهام، لكون جميع المدن المغربية، تمثل الوطن، ونتمنى أن تنطلق بإشعاع ورؤية على المدى البعيد للعلاقات الإفريقية والتعريف بالموروث الثقافي وأن تكون وجهة مهمة في تاريخ وخارطة العالم، لحمولتها الثقافية الكبيرة والمتجذرة، مع الاهتمام بالصداقة والأخوة من خلال البعد الثقافي والحضاري".

أسباب تنظيمية تستوجب محاسبة المسؤولين

قال محمد البندوري، إطار تربوي وفنان تشكيلي إن "نقل تظاهرة عواصم الثقافة الإفريقية من مراكش إلى الرباط، إجراء جد مفاجئ بالنسبة لنا كفاعلين جمعويين وفنانين كنا ننتظر المشاركة ليأتي هذا القرار في آخر اللحظات، فإن كانت الأسباب موضوعية ومقنعة  فلا بأس بذلك، ولكن إن كانت مرتبطة بالتنظيم فنطالب محاسبة المسؤولين عن التقصير".

وأضاف الإطار التربوي، في تصريح أدلى به لـ" مراكش الإخبارية"، أن على الجهات الرسمية أن تكشف الأسباب الحقيقية لهذا التغيير، علما أن المدينة سبق وأن نظمت تظاهرات عالمية أكبر بكثير من هذه التظاهرة الإفريقية ومرت في أجواء سليمة وجيدة، وعرفت نجاحا باهرا، مرجحا أن تكون الأسباب ذات طابع "حساباتي"، حيث أوضح أن تظاهرات من هذا النوع تعطي إشعاعا للمدينة التي تكتسب من الصيت عالميا، وأن هذا المعطى يؤكده عدد السياح الوافدين عليها، على حد تعبيره.

وأوضح البندوري، أن تنظيم هذه التظاهرة، كان سيعطي طعما إفريقيا بدعم السياحة الإفريقية، مبرزا أن عددا من الفاعلين كانوا على استعداد تام لإنجاحها، حيث طالب الجهات المعنية بتوضيح الخلفيات الحقيقة لهذا الإجراء لكي ترتاح الساكنة المراكشية، وتطمئن، وتابع "من حقنا كمواطنين أن نعرف الدوافع بشكل رسمي وواضح".

 

 

واعتبر البندوري أن الموضوع  يلفه الكثير من الغموض والتكتم، في الوقت الذي كان بإمكان المسؤولين عن هذا القرار، أن يوضحوا الأسباب دون أي تعتيم، الأمر الذي جعل الساكنة المراكشية تضع أكثر من علامة استفهام حول الموضوع، الذي شغل أهل المدينة مؤخرا،  مستغربا من سياقه الزمني، الذي جاء في مرحلة وضع آخر اللمسات لاستقبال الحدث وتأتيت ظروف سير أشغاله. 

وختم المتحدث ذاته بالقول"مازلنا ننتظر أجوبة وتبريرات واضحة من المسؤولين عن هذا  القرار لطي صفحته بشكل نهائي، وتابع"نستغرب من هذا السلوك، ونتمنى أن تكون أهداف ومرامي هذا  التغيير، تروم الدفاع عن المصلحة العامة، بعيدا عن أي حسابات أخرى".

اختلالات "كوب 22" وعلاقتها بالقرار 

اعتبر رشيد الأزرق محلل سياسي وأستاذ جامعي، أن سبب تغيير مكان احتضان تظاهرة "عواصم الثقافة الإفريقية" من مراكش إلى الرباط، مرتبط بإحالة عمدة المدينة ونائبه من طرف الوكيل العام للملك  بمحكمة الاستئناف بمراكش، على قاضي التحقيق بخصوص ملف صفقات "كوب 22 " بتهمة تبديد المال العام، مضيفا في تصريحه لـ"مراكش الإخبارية" أن ربط التغيير بذريعة البنيات التحتية غير مقنع، لكون مدينة مراكش أحسن بكثير من الرباط على مستوى الفنادق والقاعات الخاصة بالمؤتمرات...

وتابع المتحدث "حتى فرضية وجود أسباب سياسية غير واردة، لأن ما يسري على مدينة مراكش يسري على العاصمة لكونهما يتواجدان داخل تراب بلد واحد"، مبرزا أن الجهات المعنية لم تكن قادرة على  توضيح الأمور على حقيقتها وتركت الكثير من الغموض حول الموضوع ما جعل المنظمين يتفاجؤون بهذا القرار.

وعن إصدار القرار في اللحظات الأخيرة، قبل أيام من تنظيم التظاهرة، أكد المحلل السياسي على أن السياق يفسر تزامنه مع قضية العمدة ونائبه حول القضية التي تفجرت مؤخرا بخصوص تظاهرة المناخ، مشيرا إلى أن جميع الاحتمالات والمؤشرات غير مقنعة، باستثناء السبب السالف الذكر. 

وقال المتحدث ذاته "لو كان هناك سببا آخر لتم اتخاذ هذا القرار مند أشهر وليس في آخر اللحظات، من يعتقد أن الدافع  تقني ولوجيستيكي فهو مخطئ، لأن الرباط  أقل من مراكش لوجستيكيا وتقنيا، الغموض الذي تركته الجهات المعنية، هدفه الحفاظ على صورة البلد والتخوف من الانتقادات التي قد توجه للتظاهرة ومنظميها لكونهم محالون على التحقيق، وبغية تفادي كل ما من شأنه التشويش والتأثير على التظاهرة سلبيا أمام دول القارة السمراء.

مجلس المدينة في قفص الاتهام

قال أحمد الشهبوني رئيس مركز التنمية تاسيفت، إن كل التظاهرات العالمية الكبرى التي تنظم في المدن المغربية تكون الدولة وأذرعها هي الأساس في تنظيمها، وأعطى مثالا بمهرجان "موازين"، و"كوب22"... وأضاف "ما حصل في مراكش هو أن مجلس المدينة أخذ المبادرة بمفرده، ظنا منه أن خطوته ستلقى كل الدعم من الدوائر العليا، خصوصا مع انفتاح المغرب على القارة الإفريقية، لكن ما وقع في اعتقادي هو أن الدولة عاقبت المجلس على مبادرته الفردية، وإلا كيف نفسر عدم الاستجابة لطلب الرعاية السامية للتظاهرة؟ وغياب الدعم المادي من المؤسسات النافدة للتظاهرة".

وحول فرضية ضعف البنيات كسبب لقرار التغيير، أكد الشهبوني، أن مراكش أكثر من غيرها لها كل المؤهلات لاحتضان هذه التظاهرة، "ونحن في مركز التنمية سننظم النسخة الثالثة من الجامعة الإفريقية لقادة المجتمع المدني في الأسبوع الأخير من يونيو 2020 بشراكة مع مجلس المدينة والبنك الإفريقي للتنمية".

وعن اقتراحات مركز التنمية تانسيفت، لتفادي مثل هذه القرارات المفاجئة، شدد المتحدث ذاته في تصريح لـ"مراكش الإخبارية" على ضرورة إرساء مبادئ دولة الحق والقانون، حيث تكون مسؤولية كل جهة محددة وكل هيئة خاضعة للمحاسبة أمام الرأي العام.

وتابع الشهبوني"في رأيي ليس هنالك أي سبب مقنع لحرمان مدينة مراكش من تنظيم هذه التظاهرة، وهي التي نالتها بإجماع الأفارقة، لو لم تكن الحسابات، لعبأت الدولة كل الإمكانيات لإنجاحها كما فعلت في "كوب22""، وأضاف لا أعتقد أن "ميكانيزمات" اتخاذ القرار في المغرب ستتغير في الزمن القريب، فمثل هذه القرارات التي تتخذ بهذا الشكل المفاجئ، تسيء لبلدنا وتعطي انطباعا للأفارقة بأننا لا نولي أي اهتمام لاختياراتهم".

مصطفى غلمان: الطريقة التي أعلن بواسطتها قرار نقل العاصمة الثقافية الأفريقية من مراكش للرباط لا تترجم الظرفية السياسية والاقتصادية والثقافية للبلاد

قرار سحب لقب عاصمة الثقافة من مدينة مراكش ومنحه لعاصمة الرباط، بعد عدة أشهر من الاستعدادات المكثفة، نزل كالصاعقة على المراكشيين، وخاصة الفاعلين في الحقل الثقافي، الذين كانوا ينتظرون حدث الاحتفال بهذا اللقب على أحر من الجمر.

مصطفى غلمان، عضو اتحاد كتاب المغرب وكواحد من أهم المثقفين والإعلاميين بمدينة مراكش، يسلط الضوء على هذا القرار الذي انتزع من مراكش لقبا مهما دون سابق إنذار، وذلك في حوار أجرته معه جريدة مراكش الإخبارية حول أسباب وموانع عدم احتضان عاصمة النخيل لحدث الاحتفال بعاصمة الثقافة بأفريقيا لسنة 2020.

 

 

  • قبل الخوض في أسباب ومسببات سحب لقب عاصمة الثقافة من مدينة مراكش، أنتم كمثقف وإعلامي بعاصمة النخيل، قراءتكم لهذا القرار الذي نزل كالصاعقة على المراكشيين؟

قبل الحديث عن الأسباب والموانع التي حالت دون الاحتفاظ بهذا اللقب ومنحه للعاصمة الرباط، يجب أولا أن نضع القراء أمام حقيقة كرونولوجيا حدث اختيار مدينة مراكش عاصمة للثقافة الأفريقية لأول مرة.

لقد تم اختيار مراكش عاصمة لإفريقيا الثقافية لسنة 2020، لأنها تشكل واجهة حضرية لإفريقيا في الوقت الحاضر، ولإسهامها في تعدد التعبيرات، الثقافية الإفريقية.

وجاء ذلك إعلانا رسميا من قبل جون بيير إلونغمباسي، الأمين العام للمدن والحكومات المحلية المتحدة الإفريقية، في إطار ورشة انعقدت في إطار الدورة الثامنة لقمة منظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة الإفريقية "أفريسيتي" (من 20 إلى 24 نونبر الجاري بمراكش).

ويوم الخميس 30ماي  2019 تم تقديم الحصيلة الأولى لعمل الخلية الجماعية المشرفة على تنظيم حدث "مراكش العاصمة الثقافية لإفريقيا 2020"؛ من قبل وزارة الثقافة، متوقعة أن يكون حفل الافتتاح لهذه التظاهرة يوم 31 يناير 2020، في مستوى تطلعات المدينة الحمراء ومكانتها التاريخية، وجعله لقاءا كبيرا، بمناسبة ذكرى عودة المغرب إلى أحضان الاتحاد الإفريقي. وتقرر أن تحضر الافتتاح الكبير شخصيات وازنة من عوامل الثقافة الإفريقية في مقدمتهم وزراء الثقافة الأفارقة.

طبعا سيكون من الحتمي والأكيد رصد ميزانية دسمة لإنجاح هذا الحدث الاستثنائي، ومعه ستتعبأ السلطات المحلية وكل المصالح الخارجية، ومعهم الحكومة والوزارات المعنية.

عبثا يمكن التنبه إلى معطيات جديدة، حول مآل هذا المشروع الذي لم يكتمل. الحقيقة الثابتة لحدود كتابة هذه الأسطر، أن ثمة موانع لم يعلن عنها رسميا، حالت دون إتمام الهدف، وأن عناصر من التخمينات والتأويلات المرتدة، يمكن طرحا، على سبيل الاستنتاج وليس الحسم.

  • عقب إعلان وزارة الثقافة عن تنظيم تظاهرة "عاصمة الثقافة لإفريقيا سنة 2020" بالرباط، خرج الكثيرون بتصريحات حول أسباب ودواعي تنقيل تلك التظاهرة من مراكش نحو العاصمة السياسية، أنتم وحسب منظوركم ما هي الموانع التي حالت دون احتضان مدينة السبعة رجال لهذا الحدث؟

الفرضيات المطروحة التي يمكن قراءتها من زوايا عديدة، والحاضرة في الخطاب الإعلامي الوطني، الكاشفة عن بعض أسباب تهريب حدث العاصمة الثقافية إلى الرباط، عوضا عن مراكش، أنها جاءت مباشرة بعد مغادرة الملك المدينة الحمراء غاضبا خلال زيارته الأخيرة، بعد تسرب معلومات حسب مصادر إعلامية بشأن ما تعرفه المشاريع المهيكلة الدائرة في فلك المشروع الملكي "مراكش حاضرة متجددة" من تعثرات، وما واكب أشغال الإنجاز من اختلالات وتجاوزات تكاد تعصف بالمشروع ككل وتنحرف عن أهدافه، وهو ما يعطي الانطباع على بناء نظرية مفادها أن السلطات المعنية ارتأت عدم جاهزية مدينة سبعة رجال للقيام بالأدوار المنوطة بها، خصوصا وأن الأمر يتعلق بمشاريع يتعلق جزء كبير منها بالبنى التحتية. وهو سؤال يمكن أن يأخذ أبعادا مختلفة عما تلوكه الألسن، ولا يستوعبه منطق التفكير، حيث إن اللجان التي سبق وأعدت تقارير خاصة بجاهزية مراكش لاحتضان التظاهرة الأفريقية، كانت لها رؤية متكاملة إيجابية في الموضوع.

ومن جهة أخرى، وهو الأهم، أن استراتيجية الدولة واضحة في قرارات لا تأخذها على استعجال، وتتأنى دائما قبل خوض التجربة.

ومراكش في هذا الأمر لا تحتاج لمعاودة التذكير، بما هي قادمة عليه. وليس المرة الأولى التي تعتلي منصات التتويج العالمي في مناسبات دولية كثيرة جدا، أبانت عن كعبها العالي وزاحمت في تنظيمات لافتة كبريات المدن العالمية على الإطلاق. ولمن يود استعادة تواريخ هذه الانتصارات، ما عليه إلا البحث عن قائمة الامتدادات إياها دون وجل.

  • قرار سحب لقب عاصمة الثقافة من مدينة مراكش، جاء دون سابق إنذار، وفي غفلة من الكثير من الفعاليات التي كانت تستعد وبكثافة للاحتفال بهذا اللقب، أنتم كيف تجدون السياق والظروف التي تم فيها الإعلان عن هذا القرار الصادم؟

الآن دعونا نأخذ الموضوع من زاوية مخالفة تماما. هي أساس كل ما يمكن النقاش بشأنه، في واحدة من أكبر القضايا التي يفرضها سؤال المرحلة.

نحن متفقون جميعا على سوء تقدير الموقف الذي اتخذته السلطات المركزية، بسحب البساط من مراكش كعاصمة أفريقية. ليس لأن القضية يمكن تحميلها كل تلك الهواجس والاستفهامات التي سبق طرحها بداية هذا المقال، ولكن لأننا بإزاء مرحلة، كان من المفروض أن تتأثر بالسياقات الثقافية والتاريخية الواجب استجلاؤها وتقصيها دون تسرع أو مراوغة. مرحلة تسم المجتمع المغربي بالوعي الكامن خلف حاجياته وطموحاته وقطائعه، تعلو فيها رغبات جامحة للقطع مع ارتكانات الماضي وتصلباته وانتقالاته الغامضة. ولا أدل على ذلك من وجود نقاشات عميقة وجذرية على جميع المستويات، بدءا بمنصات التواصل الاجتماعي ومواقعه المتحركة، ومرورا بتراكمات المجتمع وعلاقاته السيكولوجية والسياسية والاجتماعية بالانحيازات الجديدة للعقل الجمعي وتشعباته المفارقة الواعية بالمرحلة.

إن الطريقة التي أعلن بواسطتها قرار نقل العاصمة الثقافية الأفريقية من مراكش للرباط لا تترجم الظرفية السياسية والاقتصادية والثقافية للبلاد. هناك لجنة خاصة تسمى بالنموذج التنموي، من أهم ما تفكر فيه مبدئيا " ضرورة القيام بتشخيص عميق وموضوعي، والأخذ بعين الاعتبار ما تحقق من مكتسبات، والنواقص التي تم رصدها، والمتمثلة بالأساس في وجود فوارق بين انتظارات المواطنين وما يوجد على أرض الواقع"، وهو كلام كبير إذا قورن بالقرار الذي نناقش تبعاته الآن.

كما أن هناك إرادة ملكية تنافي هذا الاستعلاء غير مبرر، دون التيه في الخلفيات الخارجة عن منطق تفكيرنا، والتي قضت بنزع ما تستحقه أعظم مدن تاريخ المغرب، وأجمل فضائل الحداثة المغربية والأفريقية على الإطلاق. وهذا تقدير مستحق بشهادات أسماء عالمية تعرف جيدا مدينة مراكش، ومن تكون؟ وبالتالي لا أعتقد أن الملك سيرضى بقرار لا يتضامن مع منهجيته في تكريس المواطنة، والديمقراطية المحلية.

وللعلم فالمغرب أصبح رسميا منذ 3 أبريل 2019، أول بلد "شريك من أجل الديمقراطية المحلية" بمؤتمر السلطات المحلية والجهوية بمجلس أوروبا، الهيئة الأوروبية التي تضم المنتخبين الإقليميين ل 47 بلدا عضو.

  • هل أنتم متفقون مع هذا القرار، وما سيخلفه من تبعات على مدينة مراكش التي احتضنت تظاهرات وأحداث عالمية ناجحة، هل تعتقدون أن الحمراء لم تكن قادرة على احتضان هذا الحدث؟

لا يمكن لعاقل أن يقطع بالمعرفة الثابتة، دون مراجعة ما يتم تداوله بعد القرار الذي أعتبره كمواطن مغربي، وكإعلامي ومثقف نوعا من الاستغباء والتسلط ، حيث التبريرات المستنتجة لا تعدو أن تكون صيحة في واد، مادامت غير موائمة مع المحددات العملية الديمقراطية، ومنهجية تدبير السياسات العمومية وتوسيع استقلال القرارات المحلية التي ندعو إليها ليل نهار، مع ما ينهض بمقومات هذه البروبجندا الفارغة، التي تعودنا على ابلاع قشورها، لتكون عسلا في كأس من السم المدسوس!؟

فمن وزير الثقافة والشباب والرياضة الحسن عبيابة أرجع دواعي نقل عاصمة الثقافة الإفريقية في آخر اللحظات إلى الرباط، إلى “اعتبارات تقنية وتدبيرية لتوفير إمكانيات وفرص نجاح تظاهرة من هذا الحجم تتميز بمشاركات دولية”، و“أن المغرب لديه برنامجا ثقافيا دوليا يمكن أن تستضيفه أي مدينة من مدن المملكة”، وأن احتضان تظاهرة إفريقية في أي مدينة مغربية هو مكسب للمملكة. إلى الانكفاء على سيل فارغ من النقد المجاني للتدبير الخدماتي والجماعي للمدينة الحمراء، حيث تمظهرات الحيف السياسوي والتدجين الغاصب لروح الحوار والاختلاف، وليس آخره تقويض نظيرة الجماعة وتحريف مدخراتها وإلقاؤها في البئر.

كيفما كان السبب الذي دفع بالسلطة المركزية تحييد وظيفية مدينة مراكش عن فعلها الحضاري الذي كان سيدمغ سيرورة من أحلام القرن الذي نعيشه أفريقيا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فإنني أستنكر وبكل قواي ما أقدم عليه من قرار، أقل ما يمكن أن أقول عنه، إنه قرار خاطئ، غير منصف، ويستعيد صورا كلاسيكة مقيتة عن مغرب الاستبداد والتسلط، وأن الذين يقفون من وراء ذلك ربما يعرفون مدى ما أحدثه هذا السلوك المجانب لأبسط القواعد الديمقراطية، من السخط الشعبي والردة التنموية وسوء التقدير، وهي الصورة، مع الأسف الشديد، التي دفعت لأمين العام للمدن والحكومات المحلية المتحدة في إفريقيا جون بيير إلونغمباسي إلى القول :"يؤسفني أن أعلن لكم أنه تقرر بعد عدة أشهر من الإعداد المكثف، انسحاب المدينة الحمراء لصالح الرباط".

أما الأسف بالنسبة إلينا فهو هزيمة. ويا ليتها كانت أي شيء، عدا كونها هزيمة ثقافية بامتياز؟!

ورب فاهم فهيم يعلم أن الهزيمة النكراء للشعوب والحضارات، دائما تكون هزيمة ثقافية وهوياتية.