مراكش الاخبارية |شغب المطر
 
"رأي" متسع يخصصه موقع مراكش 7 لأراء متتبعينا وقرائنا الكرام، وكل ما هو مندرج فيه لا يعبر عن رأي وخط هيئة التحرير
شغب المطر

شغب المطر

في الشارع، أسارع بعض الخطوات الحثيثة تحت مطر غزير كي أختبئ عنه في أقرب ركن. فلم أعد ذاك الطفل الذي بمقدوره العناد تحت وابل المطر ، بل تراه على العكس يستمتع بذلك وبالبِرك التي يقتحمها كفارس على صهوة جواده وإن تعلق الأمر بحذاء مهترئ تتسرب المياه إليه . وأنا مع بعض الوجوه المختبئة والمبتسمة شعرت بأن المطر يوحدنا في تلك اللحظة ليس بالضرورة بنفس الاحاسيس لكن بعمق إنسانيتنا ، ويقلب ما ركد في النفس من معاني الرجاء ومعاني الفقر ، المتعلق بذواتنا ، إلى يد عليا للرحمة والعناية.

فانطلقت أصغي للمطر وهو يتساقط كمقاطع مرتجفة لسمفونية ثائرة بعد أن داعبت حُبيباته وجنتيّ وتزحلقت كالأطفال على صفيحة صلعة الرأس وكأنها مصممة ، وهي في شغبها تلعب ، أن تذكرني بشعيرات مرت من هنا وانقضى أجلها وما زالت الحياة تدب . صرت وأنا مختبئ في مركني ، أنظر وأستعذِب البخار المندلق من بين شفاهي ليرسم الأنفاس ، و مع تلك المشاهد أستمتع بموسيقى المطر الساحرة فينتشى قلبي رقصات دقاته من الفرح ...

لكن ، والغيث يراقص كل شيء حولي ، سرعان ما سرحت في ذكريات الطفولة وفي شتاءها التي كانت أجمل بكثير .. أذكر أنني كنت أعترض مياه الميازيب لأبتل أكثر فأنعم بدفء أمي أكثر .. أذكر الوجبات الخاصة التي كانت والدتي تعد .. أذكر المجمر و إبريق الشاي قرب والدي ونحن نتحلق حوله .. أذكر وأذكر .. أذكر أن صوت المطر كان أكثر نفاذاً ودفئاً وحناناً .. وهمسه الناعم لا يطرق كما الآن طرقاً مبحوحاً نوافذ القلب وزجاج الأشياء .. لكنه رغم ذلك ما زال يستطيع وقد بلل الوجوه أن يردها نضرة مبصرة، باسمة مستبشرة ..

وأنا أنتظر أن تقِلّ وطأة زخات المطر ، رُحت أحملق في سيدة تختبئ في معطفها وعلى محياها نصف ابتسامة وكأني بها تداعب في خيالها صورة حبيب . فقلت في نفسي ، ربما تخاطبه وتقول .. لو أنك هنا معي لتقاذفنا حبيبات المطر .. ولأنصتنا سويا لترانيم سيمفونية جديدة تعزفها الآن درر ماء حديث عهد بالسماء ، وقد استبدل جوقته من زجاج النوافذ وسطح جارنا القصديري و كومة من بعض أغراضنا المركونة في الحديقة ، بَدَّل كل تلك الجوقة حول بيتنا ، بأوراق أشجار الشارع وهي تتمايل مع سَحِّ القطرات فترقص كصوفي في جذبته ، بعد أن كاد الشارع يسلب روحه ، وفي وسط الطريق سيارات تدب بأصوات نشيش عجلاتها الرتيب وهي تلتهم الإسفلت المبلّل ، وعلى الرصيف بضع مارة يقتحمون البرك فيرتفع صوت طبطبة لازمة الماء .. آه لو كنت معي لدعوتني لرقصة المساء .. على أنغام ليست كالأنغام .. ليتك كنت هنا .. ليتك .. لشهدنا معا وقع خطوات المطر على طريق الذكريات وأزقة الأحلام ، ولنمونا من جديد ونحن نرقص تحت وابل المطر ...

عدت لنفسي في صمت مرتجف ، بعد شغب حبيبات المطر في خلدي وبعد غرقي في خيال محتمل للسيدة صاحبة المعطف ، فقلت : إننا بالفعل ننمو تحت المطر أو في انتظاره ونحن نرقص . نرقص تارة على جراحنا من ألم او من لهب الحنين وتارة من فرحة تفاجئنا من بين فجاج السنين وشقوق الأنين وتارة نرقص مع أحلامنا على نغم المطر أو صدى نداء ورنين.





اقرأ ايضا

تأملات في البلاغ الأخير للجنة الدفاع عن توفيق بوعشرين

اقرأ ايضا

حامي الدين والانزلاق الخطير ..؟

اقرأ ايضا

الإعلامي مصطفى غلمان: النخب الثقافية تواقة لإحداث رجة في مسار دمقرطة الشأن العام