مراكش الاخبارية |"الحضارة تتلف الحواس"
 
"رأي" متسع يخصصه موقع مراكش 7 لأراء متتبعينا وقرائنا الكرام، وكل ما هو مندرج فيه لا يعبر عن رأي وخط هيئة التحرير

"الحضارة تتلف الحواس"

حسن المودن   2018-02-25 16:35:31

توقف قليلا واخرج من إيقاعك اليومي المتسارع لترى كيف كنت تلقي اللوم على الزمن والمكان والأشياء، لترى كم بدوت سريع الغضب، كثير الانفعال . لقد أصبحت تستشيط غضبا لأن الضوء الأحمر أدركك في زحمة الزوال ولأن شخصا لا تعرفه   كان ينظر إليك وهو يبتسم ولأن الوقت لا يكفيك لتناول الطعام ولأن العمل يرهقك كثيرا ولأن رغباتك تتزايد وراتبك يتناقص...

ألم تسأل نفسك يوما هل هذه الأشياء جديرة بأن تعكر صفو حياتك أم أنك أنت من أصبحت أقل تحملا؟

اركن سيارتك جانبا وترجل قليلا لترى كيف أصبحت تفقد توازنك متى جردت من أشيائك ،لترى كم كنت عبدا لهاتفك المحمول وكم كنت غارقا في دوامة لا تنتهي. ابتعد قليلا عن كل هذا الزخم لترى كيف تبعث حواسك من جديد. ألم تر كيف أتلفت حواسك في المدينة؟ ألم تر أن بصرك أصبح ضعيفا لا ترى إلا بفعل الوسائط ؟ لأن الشاشات والأضواء الكثيرة قد أتلفت نظرك. ألم تر أن تلوث الهواء قد أفسد عنك استنشاق عبق الصباح ، وأن تلوث الماء قد أفسد عنك تذوق الطعام، وأن سمعك تلوث بالكلام النابي الذي ينتهي إلى أذنك كل يوم حتى أصبح عاديا . ألم تر أن هذا التلوث اللفظي الذي تراكم في أذنك ينفلت من لسانك دون أن تدري وأنت في ذروة الانفعال؟ 

لذا توقف قليلا واصعد إلى مكان عال لتراقب هذا التهافت الغريب، لترى أن داخل هذه الزحمة لم يفتك شيء ، وقد فاتك الكثير خارجها. 

توقف قليلا لترى أنك لم تكن حرا. لقد أتلفت حواسك كلها أو بعضها دون أن تستمتع بها حق الاستمتاع .لقد قضيت وقتا طويلا وأنت تحاور أشخاصا من وراء الشاشات ، تبتسم حينا وتقلق أحيانا.ألم تر أنك أصبحت عاجزا على تبادل أطراف الحديث مع أفراد عائلتك وأن اهتماماتهم تبدو لك أقل شأنا ؟

لا غرابة في ذلك ما دمت تعتقد أن امتلاك الأشياء جديرة بإسعادك ،وأن المستقبل أهم من الحاضر ، وأن الحياة في المدينة أفضل من الحياة في الأرياف،وأن التحضر رهين بالمدينة .

فكيف لحضارة تدعي إسعادك أن تتلف حواسك التي من خلالها سوف تستشعر تلك السعادة؟  

 





اقرأ ايضا

من بوح الجرح...بيع المقدَّس للمدنَّس

اقرأ ايضا

الندوات والبحوث والمؤتمرات... بين استهلاك المعرفة و انتاجها

اقرأ ايضا

موعد قطار التاسعة صباحا ودقيقة