مراكش الاخبارية |محمد ايت الفران الرمز : علو في الحياة وبعد الممات
 
"رأي" متسع يخصصه موقع مراكش 7 لأراء متتبعينا وقرائنا الكرام، وكل ما هو مندرج فيه لا يعبر عن رأي وخط هيئة التحرير
محمد ايت الفران الرمز : علو في الحياة وبعد الممات

محمد ايت الفران الرمز : علو في الحياة وبعد الممات


الشق الثاني في عتبة- عنوان هذه التدوينة هو الشطر الأول من بيت شعري ضمن مطلع قصيدة باذخة في الرثاء للشاعر العباسي أبي الحسن الأنباري (ت 375ه)  يؤبن فيها وبها واحدا من أصدقائه الحميمين ورفاقه المبدئيين : أبو الطاهر محمد بن بقية، الذي قتله الخليفة عضد الدولة ومثل بجسده وصل به. وتتكون القصيدة من واحد وعشرين بيتا، ومطلعها:

علو في الحياة وفي الممات....لحق أنت إحدى المعجزات

 وقد أباح المتشرد لنفسه استعارة العبارة و استعادتها واستثمارها لتوصيف لحظة اجتماعية- إنسانية ذات بهاء مطلق وهيبة ورهبة منقطعتي  النظير : لحظة تشييع جثمان فقيد الحقل الجامعي الوطني الأستاذ محمد أيت الفران. وقد أجادت الأستاذة رشيدة الأزدي حين وصفت هذه اللحظة بهذه العبارات المقتضبة: " حضور وازن وحاشد في جنازة استاذ الاجيال سيدي محمد ايت الفران وبذا تكون مراكش العالمة قد كرمت احد علمائها العظام ". والواقع أن مراكش لم تكن تشيع جثمان رجل، بل شيعت رمزا ودلالة ومنظومة قيم ونسقا من السلوك والممارسة. لقد شيعت عالما جليلا خلوقا ومربيا فاضلا . ظل عاليا في حياته بعلمه ومعرفته وأخلاقه وإنسانيته وطيبوبته؛ وظل عاليا وشامخا  في مماته،  وسيظل كذلك بعد توديعه. وبهذه المعاني مجتمعة، كانت جنازة محمد ايت الفران جنازة رمز مفعم بالدلالات المنقبية، أي الدلالات التي تشكل مثالا نموذجا تأمل مدينة مراكش أن يصير إليه المتواجدون في الحقل الجامعي الذي استنقع، منذ مدة، في الفساد من مفرق الرأس إلى أخمص القدمين.
         في ما مضى من الأعوام، كانت مراكش تغلق جميع الأبواب ( أقصد أبواب جميع المحلات التجارية) عند وفاة واحد من علمائها، وذلك اكراما له واعترافا بأفضاله  وتأكيدا للصلات المتينة والعرى الوثيقة بين جامعة ابن يوسف التاريخية العتيدة ومحيطها المجتمعي. 
واليوم ، يتحدثون كثيرا عن وصل الجامعة بمحيطها، في حين الجامعة سادرة في موت إكلينيكي ولا علاقة لها بالمجتمع ومنخلعة عن أسئلته وإشكالاته؛ 
             ومع ذلك توجد ثلة من الأولين وقليل من الأخرين، و ضمنهم المرحوم محمد ايت الفران، قدموا إلى الجامعة من عمق شعبي ولم يتنكروا إطلاقا لأصولهم ومنبتهم المجتمعي. لقد ظلوا كرماء اتجاه الأكرمين الذين علموهم  الحبو فوق الحروف مثلما علموهم معنى أن تكون إنسانا كرامته وعزة نفسه  فوق جبينه.
    فشكرا لمراكش التي سارت في جنازة المرحوم. شكرا لجميع الباحثين والأساتذة والعلماء والمثقفين والفنانين والمحامين والتجار والصحافيين والإعلاميين الممارسين والمتقاعدين والإداريين والشعار والقصاصين وأهل الزجل والنقد...وجميع من أبى إلا أن يرافق زميلنا المرحوم إلى مثواه الأخير. 
    نعم كان الحضور وازنا والجميع ، في مراسيم دفنه كما في يوم توديعه، يشهد للمرحوم بالنبل وحسن الاخلاق و الترفع عن كبائر الأمور وصغائرها وتجاهل اللئام الذين تسري في دمائهم الزرقاء كريات البغض والضغينة والحقد الأسود وجينات العقوق الصريح الفصيح .
وقد قال  واحد من جيرانه، بعفوية وتلقائية: "  لو كان المغاربة مثل ايت الفران لما كانت هناك لاشرطة ولا سجون". وهذه الشهادة العفوية الواضحة تؤكد ما هو مؤكد من مناقب الرجل: فهو الطيبوبة واللطافة تسيران بأناقة عز نظيرها في زمن الأشباه والنظائر والكائنات المتماثلة مثل حبات الرمل.
وداعا أخي محمد
نم قرير العين ولاتجزع 
فقد مشى الناس في يومك
وفي يومك بكى الشجر
وناح  الحجر
س نذكرك دائما
وسيظل نصبك في قلوبنا
إلى أبد الآبدين.





اقرأ ايضا

فبلادي ظلموني لمن نشكي حالي  ؟

اقرأ ايضا

من بوح الجرح...بيع المقدَّس للمدنَّس

اقرأ ايضا

الندوات والبحوث والمؤتمرات... بين استهلاك المعرفة و انتاجها