مراكش الاخبارية |خطورة الأزمة الدستورية حول الأمازيغية وهوية المغرب
 
"رأي" متسع يخصصه موقع مراكش 7 لأراء متتبعينا وقرائنا الكرام، وكل ما هو مندرج فيه لا يعبر عن رأي وخط هيئة التحرير
خطورة الأزمة الدستورية حول الأمازيغية وهوية المغرب

خطورة الأزمة الدستورية حول الأمازيغية وهوية المغرب

 رشيد الحاحي  2018-08-01 13:11:31


على عكس ما يدعي البعض، التأخير الكبير والمثير في صدور القانونين التنظيميين لتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية وإحداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية له مضاعفات خطيرة على الهوية المغربية، وعلى مسار البناء الديمقراطي وتعاقدات دستور 2011، وعلى الاستقرار والسلم الاجتماعية، والعيش المشترك، وهذه هي الأسباب الواضحة وحجتنا عليهم وعلى من يدعي العكس:
مرت أكثر من سبع سنوات على اعتماد الوثيقة الدستورية لسنة 2011 دون أن يصدر بعد القانونان التنظيميان المتممان لهذا الدستور، والمرتبطان بتدبير الشأن اللغوي والثقافي والهوياتي للدولة. كما نص عليهما في ديباجة الدستور وأحكامه العامة التي تأتي من حيث هندسته  في مقدمة المتن القانوني ومضمونه التعاقدي، وذلك في خرق سافر للفصل 86 منه الذي ينص على أن جميع القوانين التنظيمية المفعلة لمقتضيات ومضامين الدستور يجب أن تصدر قبل متم الولاية التشريعية الأولى التي انتهت قبل سنتين دون أن يتم ذلك.
وبعد انتخابات 2016 وتنصيب البرلمان وتشكيل الحكومة الجديدة، أكد كل من رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين استعجالية وضرورة تدارك هذا التأخير، وأن هذين القانونين التنظيميين سيحظيان بالأولوية في المخطط والعمل التشريعي وسيصدران في أقرب الآجال. واليوم، أنهى البرلمان سنته الثانية  ودورته التشريعية الرابعة، ومرت سبع سنوات على اعتماد دستور 2011،  دون أن يصدر القانونان التنظيميان الخاصان بتدبير الشأن اللغوي والثقافي والهوياتي الوطني، ودون التزام الحكومة والمؤسسة التشريعية بوعودهما وتصريحهما، ودون الالتزام بمقتضيات الدستور!
هل سيكون لهذا الوضع الشاذ والتمادي في الاستهتار السياسي، التشريعي والتنفيذي، بمقتضيات الدستور وبتدبير الشأن اللغوي والثقافي والهوياتي الوطني، وتعميق أفق ودائرة الإحباط وفقدان الثقة في الفاعل السياسي والتزاماته وفي المؤسسات والتعاقد الدستوري ذاته؟
هل سيكون لهذا الوضع وقع إيجابي على الهوية المغربية الموحدة والسلم الثقافية والاجتماعية وتوطيد الاستقرار السياسي وقيم المواطنة والعيش المشترك والاعتزاز بالانتماء والإحساس بالكرامة، وتمكين الخيارات الدستورية والمجتمعية في الشأن اللغوي والثقافي من أداء وظائفها الاجتماعية والديمقراطية والتنموية!؟ من الوهم الاعتقاد ذلك.
واهم من يتخوف ويمتعض من إرساء مكتسبات النضال الديمقراطي والحقوقي، ومن تفعيل خيارات التعدد اللغوي والتنوع الثقافي والهوياتي المنفتح والمنصف، ومن إنصاف الأمازيغية في المغرب الراهن. فالتجربة أكدت أنه وراء العديد من الأحداث والصراعات السياسية، وتفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في عدة بلدان ومناطق ولحظات تاريخية، وتحول موضوع تدبير قضايا الهويات إلى مجال للتبارز والتجاذب المعيق للتطور، بل للعنف والتقاتل، مسار من التخبط والازدراء وسوء تقدير الحاكمين والمهيمنين خاصة من الساسة الذين يعوزهم الوعي الفكري والمدني والتبصر الضروريين، في سن التشريعات والتدبير والإنصاف وبناء المشترك الثقافي والاجتماعي، وعدم القدرة على تحويله إلى رافعة ديمقراطية للوحدة المتنوعة وللتنمية والتطور، فوفروا له عبر أخطاء وإجراءات تعسفية واستخفاف سياسي كل شروط الانزلاق والتأزيم والتخلف. وهي في غالبها أخطاء غير قابلة للتدارك، يقر بها الفاعلون بعد فوات الأوان وبعد أن يؤدي الجميع ثمنها الباهظ.
عندما يتعلق الأمر بقضايا اللغات والثقافات والهويات، وقضايا الديمقراطية والتنمية بشكل عام، على السياسيين أن ينصتوا للمثقفين.
قدم المفكر العراقي عبد الحسين شعبان محاضرة هامة في  موضوع "الهويات في المجتمعات المتعددة الثقافات" في إطار الندوة التي نظمتها مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" قبل بضعة أسابيع، من أهم ما جاء فيها بعد استحضاره للعديد من التجارب والأحداث التي عرفتها وتعرفها دول أوروبية وشمال إفريقيا والشرق الأوسط خلال السنوات والشهور الأخيرة، ما يلي:
يقول، إن جيلنا حمل عدة أوهام حول موضوع الهوية، ولعل العديد من الباحثين أو المثقفين المغاربة ومدبري الشأن السياسي، بل من أهل الحل والعقد ودوائر القرار الكبرى، هم من هذا الجيل، ومنها تغليب التصور القومي والديني حول هوية الأفراد والمجتمعات دون الانتباه إلى تعدديتها. والسببان الرئيسيان لأزمة  وصراع الهويات، إذا تفحصنا التجارب المذكورة، هما نقص أو غياب الشرعية والتمثيلية وسيادة التهميش والاضطهاد.
من تكون أنت لتفرض تصورك للهوية على الآخرين سواء باسم  القومية أو العروبة أو الدين أو الإيديولوجية أو الكادحين...؟ الهويات تختلف وتتمايز لكنها متساوية، وعدم الاعتراف بالحقوق سيكون مبعث تشكل هويات مضادة، وللتنافر والصراع بين الهويات. فالمستقبل يفرض إدارة التعدد الثقافي والهوياتي عبر قوانين منصفة، وإلا سيظل المجال مفتوحا للصراع  بين الهويات بدل بناء المشترك والمواطنة والتكامل بينها على أساس الحرية والمساواة.
قد يقال بأننا في المغرب خطونا خطوات في هذا الاتجاه، بل أن التجربة المغربية صارت نموذجا لبعض دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط  منذ بداية الإقرار بهذا التنوع الثقافي والهوياتي في الخطاب الملكي بأجدير سنة 2001، وكما يتأكد ذلك من مقتضيات دستور 2011، ومن بداية مسار إدماج الأمازيغية في التعليم والإعلام، ومن تطورات النقاش السياسي والعمومي وخطاب مختلف المكونات المجتمعية التي صارت، وإن بعضها على مضض، تقر خطابيا بهذا التنوع والتعدد اللغوي والثقافي والهوياتي وضرورة سن قوانين منصفة تترجمه إلى إجراءات وتدابير مؤسساتية ملموسة.
أين نحن اليوم من هذا المسار، من يتحمل مسؤولية كل التراجعات والتأخيرات الحاصلة في تفعيله وإرسائه قانونيا ومؤسساتيا، والتي بدأت تثير الشكوك وتحبط التطلعات، حتى صار البعض يتحدث عن تسوية سياسية ظرفية وليس عن خيار ديمقراطي وتعاقد دستوري قائم ومحسوم؟
وما محل حزب العدالة والتنمية الذي يترأس الحكومة لولاية ثانية وفريقه البرلماني من كل ما جرى ويجري؟ وما محل الدولة وبقية الأحزاب السياسية والقوى المدنية والمجتمعية من هذه الانتظارية المزمنة المولدة للشكوك والإحباط والمسيئة لهذا المسار؟
المؤكد اليوم، وبعد كل التأخير والاستهتار الحاصل، أن حزب العدالة والتنمية وخاصة فريقه البرلماني، ومهما أبدع وجدد في أساليب مقاومة صدور هذين القانونين التنظيميين بشكل منصف يأخذ بعين الاعتبار مقترحات التعديل والتجويد التي تقدمت بها مئات الإطارات المدنية العاملة في مجال النهوض بالأمازيغية والقوى المجتمعية الديمقراطية، والتي لقيت التأييد من قبل العديد من الأحزاب والفرق البرلمانية، سيصعب تصديق عجزنا الجماعي، من الصادقين دولة ومجتمعا، أمام استبداد إيديولوجي ومحركيه، صار يفصح يوما بعد يوم أنه غير ملتزم بعدة مقتضيات من التعاقد الدستوري لـ2011.
وهنا مكمن المضاعفات الخطيرة الفعلية، ليس على الهوية المغربية، تدبير تنوعها فقط، بل وعلى خيارنا الديمقراطي ومستقبلنا ككل!
*باحث وفاعل مدني.





اقرأ ايضا

بصدد الحملة على أحمد أخشيشين

اقرأ ايضا

من مدينة الحسيمة .. من أجل المغرب

اقرأ ايضا

المهرجان الدولي للفيلم بمراكش الذي في خاطري