مراكش الاخبارية |ماذا علمتنا تجارب الحياة
 
"رأي" متسع يخصصه موقع مراكش 7 لأراء متتبعينا وقرائنا الكرام، وكل ما هو مندرج فيه لا يعبر عن رأي وخط هيئة التحرير
ماذا علمتنا تجارب الحياة

ماذا علمتنا تجارب الحياة

الدكتور سهيل بشروئي   2018-09-10 06:55:35

الدكتور بشروئي كان الرئيس المؤسّس للاتحاد العالمي للدراسات الجبرانية وأستاذ منبر جبران خليل جبران في مركز أبحاث التراث في جامعة ماريلاند في الولايات المتّحدة الأميركية.

توفي في يوم الثاني من أيلول/سبتمبر من العام 2015

***

      

(كلمة القاها الدكتور بشروئي في أمسية "مركز الحوار العربي" يوم الأربعاء 30 أيار/مايو 2012، تحت عنوان "ماذا علمتني تجربة الحياة").

"ساعدْ إذا نزلْتَ بأرض قومٍ ولا تقل إني غريب"، قالها ذلك الشاعر الإعرابي عبيد بن الأبرص وقرأت كلماته هذه في بداية رحلة الحياة، هذه الرحلة التي حملتني إلى ديار الغربة من الوطن الأم، الأرض المقدسة السمحاء في قلب العالم العربي، ففيه زرعتُ بذور ولائي ووفائي لحضارتي العربية الإنسانية العريقة. فمن أرض لبنان وديار مصر ورحاب السودان ونخيل أرض المغرب تنسّمتُ أولى نفحات العروبة الأصيلة القائمة أساساً على قوانين الكرم والسخاء، وعرفت منذ أولى سنوات الحياة معاني الكرم الحقيقي الذي يبدأ بمكارم الاخلاق المتمثلة بمعاني الترفع عن كل أنواع التبذّل والامتهان، والعمل على إعزاز الغريب و إيواء الفقير وإكرام الضيف واحترام كل إنسان لكونه انساناً خُلِق على أحسن صورة، وميّزه الله عن غيره من المخلوقات بأن زيّنه بطراز العقل فرفعه مقاماً فوق كل مقام، وبذلك فرض عليه أن يكون منصفاً في كلّ الامور يؤمن بالعدل ويساوي بين الناس، ولا يفرّق بين المؤمن وغير المؤمن لأنّ الله وحده أعلمُ بما في القلوب إذا تذكّرنا الآية الكريمة "إنَّ ربَّك أعلمُ بمَن ضلَّ عن سبيلِه وهو أعلمُ بمَن اهتدَى".

       درستُ في الجامعة المصرية في أوائل الخمسينات، وكان لحضوري بعض محاضرات الدكتور طه حسين أبلغ الأثر في نفسي، ولم يكن علمه الغزير ونبوغه الفذ هو ما استدعى انتباهي، رأيت أمامي إنساناً سكن اللهُ بكل عظمته وجلاله قلبَ هذا الرجل الذي استعاض عن نور البصر بالنور الإلهي المبدّد للظلام والجهل، وهو نور البصيرة فرأى ما لا تراه عين. علّمني طه حسين أنّ الله مع أولئك الذين يخدمون البشرية بكلّ صدقٍ وإخلاص رغم كل الصعاب. رأيت طه حسين وكأنّه يقول: "إذا كانت النفوس كباراً تعِبَت في مُرادِها الأجسام". ثم ذلك العميد الروحاني عميد كلية الآداب بجامعة الإسكندرية الدكتور خلف الله محمد، تلميذ محي الدين ابن العربي الذي أدخلني إلى رحاب عالم التصوف الحق، فآمنت بذلك المجتمع المفتوح الذي تحدّث عنه برجسون في كتابه المشهور "ينبوعا الأخلاق والدين"، فآمنت بهذا الانفتاح على كل التجارب الدينية الإنسانية، المتعاطف مع سائر التيّارات الروحية، مستشعراً الأخوّة الإنسانية الجامعة بين الناس جميعاً، على اختلاف الأزمنة والأمكنة. وقد تأكّدَت لي هذه المشاعر الأولية وترسّخت في أعماق نفسي عندما بدأت رحلاتي إلى الغرب وبدأت بدراسة الأدب الإنجليزي في بريطانيا، وكان أستاذي الذي أشرف على أطروحة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي من أبرز الشعراء المعاصرين في أواخر الخمسينات وأهم المتخصّصين في شعر وليم شكسبير وجون ملتون، وكان متصوّفاً ذكّرني شعره "بتائيّة ابن الفارض" المشهورة:

              وما عقَدَ الزَّنارُ حكَماً سوى يدي            فإنْ حلَّ بالإقرارِ بي فهِيَ حلّتْ

              وإنْ نارَ بالتنزيلِ محرابُ مسجد                   فما بارَ بالإنجيلِ هيكلُ بيْعة

              وأسفارُ توراةِ الكليمِ لقومِهِ                   يناجي به الأحبارَ كلَّ ليلة

              وإنْ خرّ للأحجارِ في البدءِ عاكفٌ         فلا وجهَ للإنكارِ بالعصبيّة

       فقد وجدت أنّ فرانك برنس أستاذي الإنجليزي جمع في شعره كما جمع هنا ابن الفارض بين تجارب المسلمين والمسيحيين واليهود والبراهمة، ورأى في هذه التجارب أنّها فروعٌ لدينٍ واحد، هو التقوى الكاملة المبنيّة على أساس وحدة الوجود.

       وتنوعّت رحلاتي، وفي كلّ مكان وجدت تلك الروح الواحدة الموحّدة في الشعراء العظام في أوروبا، وجدتها عند غوثه الألماني في ديوانه الشرقي - الغربي وفي شعراء إيطاليا وإسبانيا، ثم كانت رحلتي إلى أيرلندا ودراستي لأعظم شعراء الإنجليزية في الروحانيات الشاعر وليم بتلر ييتس، وحملت ييتس معي وزرت الهند فسمعت ذلك الصوت الإلهي الواحد رغم كل ما يدّعيه البعض عن تعدّد الآلهة عند الهندوسيين فإنّ أساس العقيدة الهندوسية هي أنّ "الحقيقة واحدة والحكماء يطلقون عليها أسماءً مختلفة". واتّسعت رقعة رحلاتي، فقدِمْتُ إلى الولايات المتحدة فوجدتُ أنّ "الحقيقة الواحدة" هي أيضاً ما آمن بها والت ويتمن ورالف والدو إمرسون وروبرت فروست، والتقيت مرّةً أخرى بمن عرفته في سنّ العاشرة من عمري فكان رفيق الدرب وباعث الروحانية الطاهرة المنزهة كل غاية، وجدت جبران هنا في أمريكا صوتاً إنسانياً وحداويّاً عربيَّ اللسانٍ والهوية الثقافية، يجمع الشرقَ والغربَ في كلمته الخالدة، لا يقرأه الملايين في أمريكا بل عشرات الملايين في جميع أنحاء العالم، وها أنذا أسمعه يناديني كما ناداني قبل سبعين عامًا خلت:

              "أنت أخي وأنا أحبُّك...

              أحبُّك ساجداً في جامعِك وراكعاً في هيكلِك ومصلّياً في كنيستِك، فأنت وأنا أبناءُ دينٍ واحد هو الروح، وزعماءُ فروعِ هذا الدين أصابعٌ ملتصقة في يد الألوهية المشيرة إلى كمال النفس.





اقرأ ايضا

النفوذ و الريع ثنائية تقويض مجهودات الدولة ، تزنيت نموذجا

اقرأ ايضا

المسكوت عنه في اللجوء الى " التدريس بالدارجة "

اقرأ ايضا

عبد القادر الشاوي في وداع عزيز الوديع: العزيز الاخر الذي يودعنا