مراكش الاخبارية | الوسائط الاجتماعية تواصل أم عزل
 
"رأي" متسع يخصصه موقع مراكش 7 لأراء متتبعينا وقرائنا الكرام، وكل ما هو مندرج فيه لا يعبر عن رأي وخط هيئة التحرير
 الوسائط الاجتماعية تواصل أم عزل

الوسائط الاجتماعية تواصل أم عزل

محمد النواية  2018-11-03 14:40:11

نعيش شغف الحب ولوعة العشق في زمن الوسائط الاجتماعية بدبدبات الويفي وعلى أمواج

الكهرباء والمغناطيس والمناجاة عبر الصور الافتراضية التي لا نستطيع أن نلامس فيها

الحياة ولا أن نشعر بالدفء وبالحرارة تجذبنا إليها .كل شيء يمر بسرعة كزمن الأحلام

القصير ونحن أجسادا ستاتيكية ساكنة . في نقرة خاطفة نسافر إلى بقاع العالم عبر أحبال

بصرية وأمواج هرتزية دون شعور بلذة السفر نجوب اليابسة دون مركب فضائي ونقطع

البحار والمحيطات بلا مراكب  ولا بواخر طاقية وسط حمام من الإشعاعات والأمواج

الالكترومغناطيسية وأطياف أجهزة الويفي في البيت والمقهى الذي كان يلمنا في سمر

للحديث عن الإبداع والفنون بمختلف أنواعها مع الشعراء والأدباء وأصحاب الذوق الرفيع

والذي يجمع اليوم أفرادا غارقين مع حواسبهم وهواتفهم الذكية بفر دانية مخيفة لا يأبه أحد

 بمن بجانبه في انفصام شبه تام عن المجتمع .يضربون مواعيد بينهم في المقاهي وحين

يجتمعون يغطس كل واحد في عالمه الافتراضي الأزق لا تربطهم في اجتماعهم هذا أية

رابطة أو شعور بحاجة للأخر ودون أن يشبعوا نظر في بعضهم.

 زمان أجبرنا التلفزيون  أن نخضع جماعة أمام جبروته ألاستلابي ونهجر سهرات الأسرة

بما فيها من حكي وقصص وحكايات شعبية وجاءت الوسائط الاجتماعية لترمي بنا كل

في زاويته أمام محرابه ليمارس رهبانيته مع حاسوبه أو هاتفه الذكي معتقدا أنه في

تواصل دائم مع العالم في حين أنه في عزلة تامة مع إنسانيته وفضائه الاجتماعي الحي

بعيدا عن دفئ الأسرة  . لقد سجننا هذا العنكبوت العملاق ذو المخالب الممتدة

عبر الكرة الأرضية بين خيوط شركه القاسي وقتل فينا طبعنا الاجتماعي وألفتنا فيما

بيننا  وحميميتنا وودنا في جمعنا ولهونا وسمرنا وعشقنا لدائرة الجمال الكوني

وتركنا نطل على عالمنا المادي الحقيقي من خلال نوافذه المتعددة الألوان والأطياف

وصارت لنا قنوات وهمية ننقل فيها أصواتنا  وصورنا لتبادل التحية والتهنئة والرسائل

الحميمية دون إشباع طبيعي لحواسنا ونرسل فيها كل ما تفيض به عواطفنا وجوارحنا

 من اشتياق وحنين ولهف دون الإحساس برد الفعل الآني والشعور بدفء وحرارة الآخر.

لقد تحول هذا الفضاء الى وسيلة لاخبار المطلين عليه بالأفراح والأعراس والمناسبات

وتشر وفاة الأقرباء وتقديم العزاء الافتراضي بحتا عن عدد "الجيمات" التي لا تقدم ولا

تؤخر؛ولا نعرف هل هي للمواساة أم للتشفي أم كوقوف المرء برصيف الطريق عند

موكب جنائزي. في مواقع التواصل الاجتماعي يجب أن تعلم أنه عندما لا تدفع تمن

البضاعة فاعلم أنك أنت البضاعة وأنك في بحر تضيع فيه الأخلاق والعقول فاحدر

التوغل والغوص فيه وكن كالنحلة لا تقف الا على الطيب من الصفحات لتمتع بها

نفسك والأخرين ولا تكن كالذباب يقف عند كل شيء فأنت في سوق كبير جدا ولا

أحد يقدم سلعته مجانا. في مجتمعاتنا الاستهلاكية نستقبل دائما الجديد في عالم الابتكار

ونحن غيرمؤهلين لكيفية التعامل معه ولا محصنين من سلبياته القاتلة فبدل التعامل معه

كنعمة نحيله بسلوكنا إلى نقمة.

إن أطفالنا اللذين ولدوا في هذا العالم المتوفر على التغطية الشاملة للشبكة العنكبوتية

والخارج عن تغطية القيم الاجتماعية والتقارب الإنساني سوف لن يعرفوا معنى الجمال

والإبداع والخيال والفن ولن تكون لهم قدوة في الحياة سيصيرون أرقاما في زمن

الأرقام وانعدام القراءة ولن تكون لهم القدرة على الكتابة الإبداعية لأنهم بدون ذاكرة

ولا مخيلة وذلك لفقدانهم لحلقات النمو الفكري والمعرفي.





اقرأ ايضا

نهم

اقرأ ايضا

رحلة العطش

اقرأ ايضا

القبيلة والنفاق الاجتماعي